إن الثقافة العلمية والتقنية هي الأساس الأول والمكون الرئيس للحضارة المعاصرة التي جعلت الولايات المتحدة الأمريكية ودول غرب أوروبا هي الأقوى والأسبق، وهي التي تؤدي نفس الدور الآن مع الصين، واليقيني في هذا الموضوع أن الحضارة الغربية قامت على ثلاثة أركان، وهي بالتحديد: علوم الفيزياء بكل مشتملاتها، وعلم البيولوجيا، والعلم الرياضي مع الهندسة، ويمكن أن نضيف لهذه المنظومة الثلاثية علم “الكوزمولوجيا” أو الكونيات.
ويَقصِر البعض في فهم يمكن اعتباره ضيقًا مفهوم القوة الناعمة على الفن والأدب، مع أن الثقافة العلمية هي إحدى أساسيات هذه القوة، إلى جانب دورها الفاعل والمتجدد في إصلاح المجتمع، لأن الجاهل لا ينتج ولا يتفاهم مع غيره، ولا يستطيع إدارة حياته الشخصية فضلاً عن العمل للمجتمع، وهو يرجع أزماته كلها إلى الحظ والقدر دون أي تفكير علمي، مما يشكل طريقًا إلى اليأس ولوم الأقدار وبهذا يصل الجهل بصاحبه إلى الفشل في الدنيا وضعف الإيمان الديني، فيخسر دينه ودنياه معا.
والثقافة العلمية إلى ما سبق ضرورة للبحث العلمي الجاد وعمليات التحديث والتطوير، وتنمية الفكر الجمعي، من أجل مجتمع متقدم؛ بل ومن أجل الوصول إلى الرفاهية، ومن هنا كان على الصحافة والإعلام دور كبير في إتاحة المجال للثقافة العلمية وإعطائها المساحة المناسبة في كل قناة تلفزيونية وكل صحيفة ورقية أو موقع إلكتروني، فالعلم له دور محوري ومنجز في حل مشاكلنا المعقدة والمتراكمة، وذلك لو التفتنا إلى العلم وحده، ومحونا الخرافة فهذا هو الجدير بكل فكر معوق لا صلة له بالواقع.
وحتى يمكن أن نؤدي دورنا في نشر الثقافة العلمية علينا أولًا أن نهتم بتعزيز قوى الإدراك العقلي عند المتلقي، واعطاء الأولوية المطلقة لأهم جزء في جسم الإنسان، ألا وهو “المخ” الذي هو سيد الأجهزة في الجسم البشري، وهو المسئول عن التعلم والإدراك والتذكر بل والعواطف.
وكلمة “مخ” في الاستخدام الشائع تدل على الجزء الرئيسي من الجهاز العصبي الذي تحميه الجمجمة، والحق أن المخ جزء واحد فقط من النسيج العصبي الموجود داخل هذه الجمجمة، أما الكلمة الصحيح للدلالة على ما في رؤوسنا فهي “الدماغ” وهو العضو الذي ينقسم إلى: “المخ- المخيخ- جذع المخ”.وبهذا نعلم أن “المخ” هو الجزء الأعلى والأكبر من الدماغ، وينقسم إلى نصفين متقابلين؛ أحدهما على اليمين، والآخر على اليسار، وتحت المخ يقع “المخيخ” ومكانه في الجزء الأسفل والخلفي من الجمجمة، ويربط “جذع المخ” بين المخ والمخيخ من جهة وبين “الحبل الشوكي” من جهةٍ أخرى،والذي يمتد في عمودنا الفقري حتى مستوى نهاية الضلوع تقريبًا.
والمخ الذي يبدو مثل الكرة بنصفيه المُجَعَّدَيْن: الأيمن والأيسر، تكسوه قشرة صفائحية فيها تلافيف غزيرة وهي غنية أيضًا بالخلايا، ويبلغ سمك هذه القشرة حوالي ملليمترين، فيما تقدر مساحتها الإجمالية بنحو 1.5 متر مربع، ما يعني أنها تعادل مساحة سطح مكتب خشبي تقريبًا.
أما العقل فهو ملكة الإدراك والتعقل والوعي المنبثق عن نشاطات كل المناطق الدماغية والمراكز المخية، وتبدأ عملية الإدراك الذي يقوم به العقل بالإدراك الحسي؛ فالحواس خارجيةً كانت أو داخلية هي الأساس الأول لكل المعارف الإنسانية المكتسبة، وبدون المعلومات القادمة من الحواس لا يكون للذاكرة شيء لتتذكره، وللخيال شيء ليتصوره، ولا للعقل شيء ليفهمه، فالعقل هو الذي نتمكن به من إدراك ماهيات الأشياء واكتشاف ما لها من علل وغايات.
فالدماغ إذن هو المسئول عن الوعي والتفكير والذكاء والتعلم والسلوك والقدرة على التعبير عن الأفكار، لأن مراكز الكلام موجودة في المخ، وتوجد فيه منطقة وظيفية خاصة مسئولة عن الإحساس الكلامي، وعن فهم الكلمات وإدراكها.
ولولا الدماغ ما بنى الإنسان حضارته، ولهذا يجب علينا تعزيز المهارات العقلية عند الطلاب والناشئة، والاهتمام بعلم الرياضيات جدًا لأنه يعزز القدرة على التفكير السليم، والاهتمام بالفلسفة وهي أفضل تمرين للدماغ، وليس مستغربًا أن الرياضيات خرجت من عباءة الفلسفة.
أما العواطف والانفعالات فهي عملية دماغية أيضًا، ويقع في أعماق الدماغ ما يعرف بـ “الجهاز الحافي” الذي هو المسئول الرئيسي عن السلوك العاطفي والذاكرة طويلة الأمد وبعض الوظائف الأخرى، ومعرفتنا لهذه الحقيقة ستؤدي بالتأكيد إلى السيطرة على كثير من الأمراض النفسية، والانفعالات الشاذة التي امتلأ بها مجتمعنا الآن مع الأسف، والتي يرجعها البعض إلى عوامل غيبية مجردة، والأحسن حالاً يرجعها إلى العامل الاقتصادي، والحق أن غياب الثقافة السيكولوجية سبب جوهري في عدم السيطرة على الانفعالات، وعدم الإدراك الصحيح للطريقة الأمثل لمواجهتها.
إن العلماء يقدرون عدد الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ بألف مليار خلية تقريبًا، يتصل منها مائة بليون خلية عصبية في شبكات لكل منها نشاط إنساني خاص، فالعاطفة والجنس والألم واللذة والنوم والغريزة، كل هؤلاء لهم مراكز، والحواس الخمس لها مراكزها أيضًا، وحركات اليدين والرجلين والأصابع واللسان والشفتين، تخضع جميعًا لأوامر المخ عن طريق الأعصاب، ولولا الأعصاب ما شعر المخ ولا فهم، وبدونها تمتنع عليه الرؤية والسمع أيضًا، بل إنه لولا الأعصاب لأصبح البدن جثة لا حس فيها ولا حركة.
والدماع له مكانة خاصة في جسم الإنسان، فنراه يأخذ ثلثي كمية الدم في الجسم البشري، مع أن وزنه وحجمه أقل – باديَ الرأي- من هذه الكمية كثيرًا، لكن لأن هذا الجزء من الجسم له الأولوية فليس غريبًا أن يحصل على هذه الكمية من الدم، وهو إلى ذلك شديد الحساسية لنقص الدم؛ بحيث أن خلاياه تموت فورًا إن هي حرمت من الدم وما فيه من الأكسجين لدقائق معدودات، ولا يمكن تجديد هذه الخلايا بعد موتها، كما أن الدماغ لا يمكن أن يتغذى إلا على سكر الجلوكوز، وإذا وقع البدن في أزمة الجلوكوز فإن آليات الجسم تفصل الدماغ في العطاء عن باقي الأعضاء، فهو إذن عضوٌ عزيز وهو ملك الأعضاء والوظائف الفسيولوجية في جسم الإنسان.
وختامًا نحب أن نوجه رسالة إلى التربويين مفادها ضرورة الاعتناء بعلم الرياضيات في مراحل التعليم الأساسي، ورسالة أخرى إلى كل مواطن ومواطنة بضرورة الاهتمام بالدماغ بالهدوء والنوم وتجنب الإفراط في التفكير، ومعرفة أن الهدوء ليس برودًا بل هو طريقة لتحسين عملية التفكير لمواجهة أفضل للمشاكل والأزمات.
ثم نوجه رسالة إلى المثقفين بضرورة محاربة الخرافة بكل أشكالها لأنها تؤثر على العقل وتؤدي إلى ضلالات، وضريبة الجهل لا تستطيع مصر دفعها.. وللأمانة العلمية أقدم كل الشكر للدكتورة “نجوى السيد عوض” أستاذ العقاقير بالمركز القومي للبحوث؛ حيث استفدت كثيراً في هذا المقال من معلومات كتابها “نحو ثقافة علمية متقدمة” في طبعته الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب عام 2020.



