
أقول في نفسي: ماذا أذكر من ٱخر زيارة لي للقاهرة؟
أجيبني: أشياء كثيرة بلا شك، لكن السؤال الأهم: كيف تذكرني القاهرة؟
إن للمدن مثلنا تماما ذاكرة تجعلها تصنفك عند أول خطوة لك فيها:
غريب أو قريب
عاشق يلاحظ كل تفاصيلها، ويؤسس له فيها ذاكرة حية لا ننسى، أم عابر لا فرق بينه وبين من ينتظر القطار في محطة العبور، لكنها في الحالين ستذكرك، ستشتاق مثلك، وعندما تعود إليها محملا بثقل اغترابك، ستحتضنك بكامل أمومتها، فتغمرك تفاصيلها حنينا؛ الرصيف يحفظ خطواتك، والطرق العتيقة تتعرف على عطرك، الحارات الضيقة تلتقط صوتك وأنت تساوم الباعة في طرقاتها، ليخنلط صوتك على نشازه بتهويمة فيزور أو سلطنة الست وهي تقول كأن المدينة تخاطبك وتغني: ” لسه فاكر” كأنها تسألك: أتذكرني مثلما أذكرك؟.
تفر بحنينك، من مكان لٱخر، وأنت تغالب ما تبثه المدينة فيك من ذكرياتها، لكن كل مكان تزوره يحمل في تفاصيله شيئا منك، وكثبرا من الذاكرة، لهذا ستسمع المدينة وهي تقول بهمس خافت مستعيرة صوت المغني محمد عبده كأنه ٱت من مقهى هنالك في الزاوية :
“الأماكن كلها ممشتاڨة لك”
في المطار وأنت تغادر المدينة، ستصغي إليها وهي تستعير صوت الست مرة أخرى وتسمع صوتها القادم من الراديو: ” أغدا ألقاك؟”
تغرق في صمت طويل وتنهمر داخلك قصيدة درويش وهو يقول:
خذيني إذام رجعت وقودا بتنور نارك.. وحبل غسيل على سطح دارك … بصوت مارسيل خليفة وإحساس درويشي بالغربة، تضع سماعات الهاتف وتشغل أول أغنية دون اختيار لتجدها تخاطبك بلهجة جزائرية هذه المرة، وبصوت مبحوح لدحمان الحراشي:
“يا الرايح وين مسافر تروح تعيا وتولي”
** شاعر جزائري




