قراءة نقدية لقصيدة “أنت لن تموت” للشاعر العراقي الدكتور حازم هاشم
قراءة نقدية لقصيدة “أنت لن تموت” للشاعر العراقي الدكتور حازم هاشم
بقلم: د. سعيد غاوي/عبادان
يتميز الشاعر العراقي الدکتور حازم هاشم بأسلوب منفرد يكاد أن يكون من النوع السهل الممتنع، …فهو عادة لا يستعمل الإطناب أو الضبابية أو اطلاء المفردات بالفلسفةو التفلسف بل يقول ما يريده بانسيابيةتامة و مكانيكية قل ما نرى شعراء قصيدة النثر يفعلونها..
المحلية(Localization ) هي حجر الأساس في ما يكتبه الدكتور حازم فالعراق و الجنوب و الشطرة بالتحديد، تتبلور في اكثر قصائده إن لم نقل جميعها… و ماذا يريد الشاعر الأكاديمي العاشق من هذا العالم ولديه العراق و النخيل و الشطأن و الأنهر و الأزمات و المجتمع السقيم وتاریخا يحيط به؟؟ ..غير أن الدكتور حازم يوظف إحاطته و اختصاصه بالنقد الأدبي الحديث في قصائده بأروع شكل و لذلك نرى الصور تخرج من جعبة أفكاره بنمط مبهر و يفاجئ القارئ في كل شطر و في كل مقطع…
أما القصيدة ألتي نتناولها هنا هي لربما خروج عن المألوف و كسر للقواعد هذه المرة فنراه يتخطى أسلوبه المعتاد أولا ثم الحدود الجغرافية و يميل للسوريالية أو الواقع السحري نوعا ما كجابریل گارسیا مارکیز مثلا و أستنجد بمقطع لقصيدة من الدكتور جمال نصاري (“وقفت خارج النص متفرجا و تركت الداخل للقارئ”)هنا و أراه يترك المعنى للمتلقي لينتزع ما يريد فلا يأخذ به لجغرافيا لم يزرها هو بل لمدن مجاورة قد مشى و نام بها…أحس ببردها و بدفئ شوارعها لکنه یري القارئ زوايا لم ولن يراها بعينيه .
يبدأ الشاعر إذن قصيدته كعادته من الجنوب بعناصر محلية عودنا عليها كالكوفية و النخيل و الوشم و السحر و الجن…
ثم فجأة يأخذنا إلى تبريز المدينة الإيرانية! ألتي تتسم بتمسك سكانها بلغتهم التركية ( الآذرية)لكنه يجعل القارئ يصطدم بامرأة فارسية تحوك الخرز على أبواب المجوس و هنا ينهمل زخما هائلا من التضارب (conflict)و التوارد و الإزدحام في الجنس و الجنسيات و القوميات و الإثنيات كالأتراك( المغيبين) و الفرس( الحاضرين بغير محلهم) وكذلك المجوس و الأفغان( الأقليات الدينية العرقية المضطهدة) ..
وفي المقطع الثاني الآيروتيكية العذراء حاضرة في هذه الرحلة القصيرة العميقة و كأنه يأخذنا من بلد إلى بلد و من إطار إلى أطار و يحسبنا محارما له ليسمح لنابالحضور في غرفة طبيبته السايكولوجية وهي تسلم نفسها لشاعر مجنون لم يستطع هو أن يريها ما يعاني منه و لم تستطع هي أن تطبق عليه النظريات العلمية ألتي درستها في الجامعة كگشتالت و بافلوف و لذلك تثور بشهوتها و تتحد مع جسده لتتواطئ معه في أمر لا يموت .
ويرجع بنا إلى نهر الصابئة الطائفة المنبوذة في العراق و جنوب ايران و لأن امتزاج الإثنيات ساري وجاري بقصائده نرى حضور ارواح أبقار الهندوس و مسخهم بداخلها و التي تذكرنا بفيلم ( گاو) بمعنى “البقرة” للراحل داريوش مهرجويي و رواية (المسخ) لفرانتس كافكا ( قمةالتضاربات الوجودية و الواقع السحري) و كذلك حضور البوذيين و المصريين وصولا إلى زناجيل الشيعة في عاشوراء حاضرة و تشكل خليطا سورياليا هائلا ينبثق من مكاتب برتون ، كارينجتون و دالي و هو بانوراما مضيئ ينثره الدكتور حازم بشوارع الأيديولوجيات التي لا نهاية لها و لا مفر منها لكنه يحط رحاله و يستريح بالأخيركطائرة نزلت بأمان بأكتار رمز من رموز الموسيقى الفلكلورية العراقية و هي سبحة” داخل حسن” وسط موسيقى تبدو بأنها قد أكل الدهر عليها و شرب ولكنها تبقى الملاذ الأخير للشاعر، تعمل اكثر من كل التنظيرات ليفرك بسبحته جميع هموم الشاعرالوجودية والتي تحاصره من الجنوب نحو جميع الإتجاهات..
(و إليكم القصيدة):
هذا أمر لا يريد أن يموت
مررت على عجوز بكوفية علوية في أقصى نخيلات الجنوب ، يوشم الرجال في محاجرهم و يلسع بقطعة قماش معطوبة رؤوسهم و يحل عقد السحر و أعمال التوابع و يحدث الجن و الأفاعي …
قال هذا سحر لا يموت
ذهبت إلى امرأة فارسية في تبريز تحوك الخرز الفضية على أبواب المجوس و تحضر أرواح رؤساء القبائل الأفغان ، و توقظ النساء حوامل من سلالات الجن
قالت هذا ملاك و شيطان
و ما بينهما لا يموت
قبلتني طبيبة نفسية في الجلسة الثالثة لم تتمالك جسدها و أنا أقص عليها ، زعمت نظريات عن الإيحاء و أسهبت في مدارس الجشتالت و بافلوف و جبال الجليد الغائرة في الروح و عندما فرغت من شهوتها بي قالت هذه لا تموت
إنها لا تموت
تعمدت في نهر الصابئة
و عمدني قس مثلي الجنس اسموني شمعون المقطع
ركلتني أقدام أبقار الهندوس
و جلست ألف ليلة صامتا على طريقة البوذيين و المصريين القدماء
و فركت سبح داخل حسن كلها
سحقت دروب أغاني العمارة كلها
ضربت زناجيل بالأمواس من الطف إلى الطف
و هذا الحب لا يموت ….
صرت واثقا أني سأموت
و أن حبك لا يموت



