ارتبطت صناعة الفخار في منطقة جازان بملامح الحياة اليومية، حين شكّل الطين الأحمر موردًا طبيعيًا طوّعه الحرفيون بأيديهم لصناعة أوانٍ لبّت احتياجات المنازل في الطهي وحفظ المياه وإعداد القهوة، لتتحول مع مرور الزمن إلى جزء من الذاكرة الاجتماعية ومشهد الحياة التقليدية في المنطقة.
ولم تكن الأواني الفخارية أدوات للاستخدام المنزلي فقط، بل عكست معرفة متراكمة بخصائص البيئة المحلية وطرق الاستفادة من خاماتها، إذ تنوعت أشكالها ووظائفها وفق احتياجات الأسرة، ومن أبرزها “الجرة” التي استُخدمت لحفظ المياه وتبريدها، و”الميفا” أو التنور لطهي الأطعمة الشعبية، و”الجبنة” وهي الدلة الفخارية التي ارتبطت بإعداد القهوة، إلى جانب الفناجين الطينية و”المركّب” الذي استُخدم موقدًا، و”المشهاف” لتحميص البن والقشر.
وتبدأ صناعة الفخار التقليدي باستخراج الطين الأحمر وتهيئته، ثم عجنه بمواد من البيئة المحلية، ومنها تراب الأودية، للوصول إلى قوام مناسب للتشكيل، قبل تحويله بالمهارة اليدوية إلى أوانٍ مختلفة، وتركها لتجف، ثم حرقها في أفران مخصصة لاكتساب الصلابة والقدرة على الاستخدام، في سلسلة من المراحل التي تتطلب معرفة بطبيعة الطين ودرجة تحمله وخصائصه.
وتكشف هذه المراحل عن جانب من المهارات الحرفية التي ارتبطت بالمعرفة العملية المتوارثة، إذ لم يكن تشكيل الإناء قائمًا على الجانب الجمالي وحده، بل على تحقيق التوازن بين الشكل والوظيفة، بما يضمن ملاءمته للاستخدام اليومي، وهو ما منح الأواني الفخارية تنوعًا في أحجامها وتصاميمها واستخداماتها.
ومع دخول أدوات الطهي الحديثة وتغير أنماط المعيشة، تراجعت بعض الاستخدامات اليومية للفخار، غير أن الحرفة لم تفقد حضورها بالكامل، إذ لا تزال معامل تقليدية في أطراف بعض القرى بمحافظات المنطقة تحافظ على جانب من ممارساتها، فيما تمثل الأسواق الشعبية منافذ لتداول منتجاتها والتعريف بها.
وفي موازاة المحافظة على الأساليب التقليدية، ظهرت محاولات لتطوير صناعة الفخار والاستفادة من تقنيات الخزف الحديثة، مع الاحتفاظ بالملامح المستوحاة من الأواني الجازانية، من خلال استخدام طينة البورسلين والعجلة الكهربائية والأفران الحديثة لإنتاج قطع خزفية تجمع بين الطابع التقليدي والتصاميم المعاصرة، في توجه يسعى إلى نقل الحرفة من نطاق الاستخدام المنزلي إلى مجالات أوسع من الإنتاج الفني والتصميم.
وامتد الاهتمام إلى البرامج التدريبية والتجارب التطبيقية، إذ نظم بيت الثقافة بجازان في أكتوبر 2025 ورشة “خزف من تربتنا.. رحلة في صناعة الخزف”، تناولت مراحل العمل بدءًا من استخراج الطين ومعالجته وتحضيره، مرورًا بالتشكيل وتنفيذ التصاميم وبناء الفرن البلدي والحرق الأول، وصولًا إلى تطبيق البطانة والتزجيج، بإشراف المدرب في فنون الخزف يحيى حكمي.
وشهدت المنطقة في سبتمبر 2026 تجربة تدريبية لصناعة الفخار ضمن ورش نادي الحرف الثقافي ببيت الثقافة في جيزان، وشهدت مشاركة نحو (50) متدربًا من مختلف الفئات العمرية، في مشهد جمع الأطفال والشباب والكبار حول ممارسة الحرفة والتعرف على إمكاناتها الفنية، بما يعكس امتداد الاهتمام بها من التوثيق إلى التعلم والتطبيق.
وتبرز أهمية هذه التجارب في أنها لا تكتفي بإعادة إنتاج أشكال الأواني القديمة، بل تتيح نقل المعرفة المرتبطة بالطين وخصائصه وتقنيات تشكيله إلى أجيال جديدة، وتفتح المجال أمام تطوير منتجات تستلهم الهوية المحلية وتستجيب للاستخدامات والذائقة المعاصرة.
وبين ذاكرة الأواني التي رافقت تفاصيل الحياة الجازانية، والتجارب الحديثة التي تعيد تقديم الطين في قوالب فنية جديدة، تظل صناعة الفخار نموذجًا لحرفة تستمد قيمتها من ارتباطها بالإنسان والمكان، فيما يرتبط مستقبلها بقدرتها على استدامة المعرفة الحرفية، وتوسيع فرص التدريب والإنتاج والتسويق، لتبقى جزءًا حاضرًا من المشهد الثقافي والاقتصادي في منطقة جازان.


