أخبار تهمكالرئيسيةخدماتفن وثقافات

الكاتبة والسيناريست السعودية ياسمين الفردان لـ «منصة نيوز»: الصحافة علمتني الإصغاء.. والسيناريو يمنحني مساحة لإعادة بناء الحكاية وفهم الإنسان

حوار خاص- منصة نيوز

تخوض الكاتبة والسيناريست السعودية ياسمين الفردان رحلة ثرية تمتد لأكثر من ربع قرن بين أروقة الصحافة والدراما؛ محولةً شغف التقصي إلى نصوص تدق على وتر الصوت الإنساني. وفي هذا الحوار الخاص مع «منصة نيوز»، تفتح الفردان كواليس انتقالها السلس من رصد الحقيقة المباشرة بعين الصحفية إلى استكشاف خبايا النفوس بخيال الأديبة ومخيلة السيناريست. كما تتطرق إلى رؤيتها لتحولات القراءة في العصر الرقمي، ومفهوم الشهرة الحقيقية القائمة على الأثر والتأثير، مارةً بمحطات مسيرتها الحافلة باللقاءات والمؤلفات والأعمال الدرامية التي تختزل رصيداً إنسانياً غنياً.

المحور الأول: الصحافة والأدب والكتابة

بدأتِ مسيرتكِ بـ “عين الصحفي” التي تبحث عن الحقيقة المباشرة، ثم انتقلتِ إلى “خيال الأديب”. كيف أثّرت العمليات الصحفية اليومية وضغوط المواعيد النهائية على لغتكِ الأدبية وأسلوبكِ في السرد، خاصة في السيناريوهات؟

أؤمن أن الصحافة والأدب ليسا مجرد مهنتين، بل رحلتان طويلتان في اكتشاف الإنسان والحياة. وكلما امتدت بك الرحلة، وتقاطعت طرقك مع مئات الأشخاص، وربما آلافهم، أدركت أن ذاكرتك لم تعد مجرد مستودع للأحداث، بل أصبحت مكتبة حية من الحكايات والتجارب والمشاعر.

أدركت ذلك بوضوح حين وجدتني، بعد أكثر من عقدين من العمل الصحفي، أكثر شغفاً بالكتابة، وأكثر امتلاءً بالأفكار والرغبة في الحكي. عندها شعرت بأن استمرار علاقتي بهذه المهنة ليس مجرد مصادفة، بل نعمة تستحق الامتنان، وربما كانت وراءها حكمة لم أكتشفها كاملة بعد.

بدأت رحلتي مع الصحافة كما يبدأ الطفل تعلّم الحروف الأبجدية؛ من الألف والباء. كتبت المقال، ثم الخبر، وانتقلت إلى التقرير والتحقيقات الاستقصائية والجنائية، وخضت تجارب في الصحافة القانونية. كنت أتعلم في كل مرحلة لغة جديدة، وأكتشف أن الصحافة لا تمنحك فرصة الكتابة فحسب، بل تدربك على الإصغاء، والملاحظة، والبحث عما وراء الكلمات.

وكان للفنون الجميلة، ولا سيما الفن التشكيلي، مكان خاص في تجربتي؛ إذ وجدت في الكتابة عن الفنون مساحة تلتقي فيها الموهبة بالمعرفة، ويصبح فيها اللون فكرة، واللوحة حكاية، والفنان عالماً يستحق الاكتشاف. وقد قادتني هذه التجربة إلى تكليف رئيس تحرير صحيفة “الحياة” اللندنية آنذاك، جميل الذيابي، لي برئاسة الصفحة الأسبوعية للفن التشكيلي. ثم توليت مسؤولية صفحتين في صحيفة “الوطن” القطرية بتكليف من رئيس التحرير محمد المري، إلى جانب تجارب صحفية أخرى أضافت الكثير إلى مسيرتي في مختلف الدول العربية.

وخلال تلك السنوات، كانت السيناريوهات تمر بتجربتي بين الحين والآخر، لكن بعض المحاولات لم تكتمل، وكأنها كانت تنتظر نضجاً آخر ووقتًا أكثر ملاءمة.

وفي عام 2026، وجدتني أعود إلى السيناريو التلفزيوني والسينمائي بشغف مختلف. لم أشعر أنني أبدأ من الصفر، بل كأنني أستدعي كل ما عشته وقرأته وكتبته، وكل الشخصيات التي التقيتها والحكايات التي حملتها في ذاكرتي، لأمنحها حياة جديدة على الورق. عندها أدركت أن السنوات التي أمضيتها في الصحافة لم تكن بعيدة عن السيناريو، بل كانت تهيئني له دون أن أشعر.

فالصحافة تحتاج إلى الهمة والشغف والانضباط والاستعداد الدائم للتعلم، أما السيناريو فيحتاج إلى ذلك كله، ويضيف إليه رصيداً من الخبرة الإنسانية والقدرة على فهم دوافع الشخصيات وتناقضاتها. فليس كافياً أن تعرف كيف تكتب حواراً جيداً؛ عليك أن تعرف لماذا يصمت الإنسان، ومتى يكذب، وكيف يحب، وما الذي يدفعه إلى اتخاذ قرار يغيّر حياته.

ولهذا أرى أن العمر في الكتابة ليس مجرد عدد من السنوات، بل حصيلة ما تمنحه لنا الحياة من خبرات وأسئلة وخيبات واكتشافات. فالموهبة قد تفتح الباب أمام الكاتب الشاب، لكن التجربة تمنحه أدوات أعمق لفهم شخصياته وبناء عوالمه.

وأجمل ما في رحلتي أنني لم أشعر يومًا بأنني أغادر الصحافة إلى الأدب، أو أترك الأدب لأذهب إلى السيناريو؛ بل أشعر أنني أواصل الحكاية نفسها، وأغيّر فقط الطريقة التي أرويها بها.

بين صناعة التقرير الصحفي المنشور وكتابة السيناريو الدرامي (مثل سباعية “مهيرة وأميرة وتختخ” ومسلسل “حوبة وكوبة”)؛ أين تجد ياسمين الفردان مساحتها الأكبر للتعبير عن الصوت الإنساني؟

على مدى خمسة وعشرين عاماً من العمل الصحفي، لم أكن أكتب التقارير فحسب، بل كنت أراكم في داخلي ضوءاً يتسع مع كل تجربة، وكل شخصية ألتقيها، وكل حكاية أقترب منها. ومع مرور السنوات، اكتشفت أن الصحافة لا تعلّمنا كيف ننقل الأحداث فقط، بل كيف نصغي إلى الإنسان، ونفهم ما يقوله وما يعجز أحياناً عن التعبير عنه.

وبوصفي صحفية ديجيتال مالتيميديا، لم أكتفِ بالكلمة المكتوبة، بل عملت على توظيف الصورة والصوت والحوار في صناعة تقارير صحفية حصرية تصل إلى الجمهور من أكثر من نافذة. وقد لفت انتباهي أن التقارير التي تمنح الناس مساحة للتعبير عن آرائهم ومشاركة تجاربهم تحظى بتفاعل لافت؛ لأن الإنسان يشعر بقيمة ما يُقال حين يجد صوته حاضراً، ورأيه ممثلاً، ومشاعره مفهومة.

ومن هنا بدأت تتشكل لديّ علاقة مختلفة بالسيناريو؛ إذ أدركت أن المشاهد لا يبحث عن حكاية يتابع أحداثها فحسب، بل عن تجربة يرى فيها شيئاً من نفسه؛ قد يجد فيها من يؤكد مشاعره، أو يجادله، أو يكشف له جانباً لم يكن يراه في ذاته. فالفن لا يكتفي بأن يروي لنا ما يحدث، بل يدفعنا أحياناً إلى إعادة النظر فيما نشعر به ونؤمن به.

وحين تأملت هذه العلاقة، وجدت أنني مارست جوانب مهمة من صناعة السيناريو خلال عملي الصحفي، ولا سيما في إنتاج التقارير الحصرية؛ إذ كنت أبحث عن الفكرة، وأختار زاوية المعالجة، وأبني تسلسل الأحداث، وأنتقي التفاصيل التي تمنح الحكاية معناها، وأوازن بين الصورة والصوت والكلمة حتى أصل إلى الأثر الذي أريده لدى المتلقي.

لهذا لم أشعر بأن السيناريو عالم غريب أقتحمه، بل مساحة جديدة أستثمر فيها خبرة سنوات طويلة من الاقتراب من الناس وقصصهم. فالصحافة منحتني القدرة على التقاط الحكاية من قلب الواقع، أما السيناريو فيمنحني مساحة أوسع لإعادة بنائها، والتعمق في شخصياتها، واستكشاف ما يدور خلف أفعالها من رغبات ومخاوف وتناقضات.

أعتقد أن أجمل ما تمنحه لنا الصحافة هو أن تعلّمنا الإصغاء إلى الناس، وأجمل ما يمنحنا إياه السيناريو هو أن نعيد إليهم أصواتهم في حكايات قد يرون فيها أنفسهم، أو يكتشفون من خلالها حياة لم يعرفوها من قبل.

تناولتِ في تحقيقاتكِ الصحفية قضية تراجع القراءة الورقية وصعود الشاشات. ككاتبة وأديبة، كيف ترين مستقبل الكلمة المكتوبة في العالم العربي وسط طوفان المحتوى الرقمي السريع؟

أعتقد أن الجيل الجديد قارئ أكثر شراسة مما يتصور البعض، لكن المشكلة تكمن في أن كثيرين ما زالوا يقيسون شغفه بالمعرفة بمقاييس الجيل القديم. لا يزال البعض يستحضر صورة قهوة الصباح والجريدة الورقية، وكأنها المعيار الوحيد للقارئ الحقيقي، بينما تراجعت تلك الصورة اليوم إلى مساحة من الحنين والذكريات.

الحقيقة أن الإنسان لم يفقد شغفه بالمعرفة، وإنما تغيّرت الطرق التي يبحث بها عنها. هذا الجيل قارئ، بل نهم أيضاً، لكنه يريد المعلومة أسرع، والوصول إليها أسهل، ويحب أن يختار متى يقرأ، وأين يقرأ، وبأي وسيلة يتابع الأحداث.

المفارقة أن هذا التحول فاجأ بعض العاملين في الإعلام، ممن اعتادوا دورة عمل تبدأ بتحرير الخبر وتنتهي بانتظار صدور الصحيفة في صباح اليوم التالي. أما اليوم، فقد تغيّر إيقاع المهنة بالكامل؛ فالخبر لم يعد ينتظر المطبعة، والجمهور لم يعد ينتظر ساعي البريد، والحدث قد يصل إلى ملايين الأشخاص قبل أن ينتهي الصحفي من إعداد نسخته الورقية.

الإعلام اليوم يشبه تلك الجارة التي يصل صوتها إلى العالم كله؛ لا تعرف حدوداً لمجال حركتها، ولا تنتظر أن يطرق أحد بابها كي يسمع حكايتها! لكن الفارق أن الإعلام المحترف لا يكتفي برفع صوته، بل يحتاج إلى المصداقية والدقة والقدرة على جذب انتباه الجمهور وسط هذا الزحام الهائل من المعلومات.

لذلك، لا أعتقد أننا أمام جيل أقل قراءة، بل أمام جيل أعاد تعريف القراءة نفسها. والتحدي الحقيقي ليس في إقناع هذا الجيل بأن يقرأ، وإنما في أن نفهم كيف يقرأ، وماذا يريد أن يعرف، وكيف نقدم له المعلومة التي تستحق وقته وثقته.

المحور الثاني: الفن والدراما والشهرة

كان أول إصداراتكِ كتاب “الطريق إلى الشهرة” الذي وثّق تجارب مع نجوم ومشاهير؛ بعد هذه السنوات ومن واقع تجربتكِ الإعلامية، كيف يتغيّر مفهوم “الشهرة” اليوم في عصر مواقع التواصل الاجتماعي مقارنة بالماضي؟

الشهرة تقاس بالقيمة لا بالانتشار، حتى في زمن السرعة؛ فأصحاب القيمة الحقيقية في الماضي لم تتزحزح مكانتهم رغم مرور مئات وأولاف السنين.

كيف تفصلين بين “الشخصية الواقعية” التي تقابلينها في تحقيق صحفي، و”الشخصية الدرامية” التي تتخيلينها عند كتابة سيناريو مسرحي أو تلفزيوني؟ وهل هناك شخصيات حقيقية عبرت من تحقيقاتكِ إلى سيناريوهاتكِ؟

الشخصيات التي تسكن سيناريوهاتي لم تكن بالضرورة من بين مئات الشخصيات التي التقيتها على امتداد مسيرتي الصحفية؛ فالصحافة شيء، والسيناريو شيء آخر، وإن التقيا في رحابة الأدب. الصحافة تُعنى بالتقاط الحقيقة من قلب الواقع، أما السيناريو فيذهب إلى ما هو أبعد من رصدها؛ يغوص في دوافع الإنسان، ويعيد تشكيل الواقع، ويمنح الخيال القدرة على خلق عوالم وشخصيات لم توجد من قبل.

وأؤمن أن الصحافة تمنح الكاتب أدوات ثمينة، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على كتابة السيناريو؛ فامتلاك ناصية اللغة والقدرة على سرد الوقائع لا يكفيان لصناعة حكاية درامية متماسكة. قد يمتلك السيناريست أدوات الصحفي، لكن ليس كل صحفي يمتلك روح السيناريست؛ فالأول يتعلم كيف يروي ما حدث، والثاني عليه أن يعرف كيف يجعل ما يرويه يستحق أن يُعاش.

السفر والترحال واكتشاف الذات

يُقال إن السفر هو المدرسة الأولى للصحفي والروائي؛ كيف أثرت تجارب الانتقال والترحال في تشكيل ذائقتكِ الثقافية، وما هي المدينة التي تركت أثراً لا يُمحى في مخيلتكِ؟

للسفر أثر بالغ ولا شك، إلا أنني أفضّل وبدون تحيز مدينة “الرياض”؛ فهي ليست مدينتي فحسب، بل مساحة تسكن قلبي وعقلي معا، وتمنحني دائماً الشعور بالتجدد والانتماء.

 عن أدب الرحلات:

هل تفكرين مستقبلاً في التوثيق لرحلات السفر والترحال في كتاب خاص ينتمي لأدب الرحلات، أم أنكِ تفضلين دمج هذه المشاهدات تلقائياً داخل نصوصكِ القصصية والدرامية؟

دمج مشاهدات السفر والترحال داخل النصوص القصصية والدرامية يكفي ويوفي بالغرض.

رواية على قد القياس.. ياسمين الفردان
رواية على قد القياس.. ياسمين الفردان

المحور الرابع: الحياة الشخصية والرؤية الذاتية

ين أروقة الصحافة المزدحمة، وإعداد البرامج، وكتابة النصوص الأدبية، والمسؤوليات الشخصية؛ ما هي الطقوس الخاصة التي تلجأ إليها ياسمين الفردان لاستعادة هدوئها وشحن طاقتها الإبداعية؟

أمارس ممارسة رياضة السباحة، وأكتب في كل الظروف؛ فهدوء العقل بالنسبة لي أهم بكثير من هدوء المكان.

مسيرة ياسمين الفردان.. بالأرقام:

شخصيات قابلتها خلال المسيرة:

نحو 3000 شخصية من مختلف أنحاء العالم، شملت دولاً عديدة منها الصين، وروسيا، وناميبيا، وكيب تاون، والإمارات العربية المتحدة، وسويسرا، وفرنسا، واليابان، وهولندا، وتونس، والمغرب، وغيرها.

إعداد البرامج التلفزيونية:

4 برامج؛ اثنان منها على قناة “روتانا خليجية” (حيث كنتُ أول معدّة برامج سعودية على شاشة القناة فور انطلاقتها عام 2005)، واثنان على قناة LBC اللبنانية.

أهم مطبوعة صقلت الموهبة:

صحيفة “الحياة” السعودية اللندنية.

عدد المؤلفات الثقافية:

5 مؤلفات، وهي: كتاب “الطريق إلى الشهرة”، قصة “الجوهرة”، قصة مسرحية “عليا”، رواية “على قد القياس”، وقصة “قلب للإيجار”.

السيناريوهات المسجلة لدى الهيئة السعودية للملكية الفكرية:

سيناريو سباعية “مهيرة وأميرة وتختخ”، وسيناريو مسلسل “حوبة وكوبة”.

yasmine elferdan
ياسمين الفردان

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى