رأي

سمير السيد يكتب: المتحف الكبير.. تحوّلات المقدّس في الوجدان المصري من المولد الشعبي إلى المولد الرقمي

لم يكن احتفال المصريين بافتتاح المتحف المصري الكبير حدثًا ثقافيًا عابرًا، بل طقسًا جمعيًا أعاد صياغة العلاقة بين المصريين وموروثهم الرمزي. ففي الفضاءين الواقعي والافتراضي، تماهت مشاعر الفرح والافتخار بالحضارة القديمة مع رغبة دفينة في استعادة الذات، لتصبح لحظة المتحف أكثر من احتفال بالآثار؛ إنها استدعاء للذاكرة الجمعية بوصفها طاقة رمزية أو رأسمال رمزي تسعى الجماعة من خلاله إلى إعادة بناء هويتها في زمن التحوّل.

المتحف المصري الكبير

الطقس الجمعي هنا يعمل بوصفه آلية اجتماعية لإنتاج المعنى وترميم الجماعة. فالمصري الذي كان يشارك في «المولد الشعبي» حول مقام وليّ أو رمز ديني، بات اليوم يمارس طقسًا مشابهًا عبر الشاشة: طقسًا جمعيًا رقميًا يشارك فيه الصور والتعليقات والرموز الرقمية، ويؤدي من خلاله دوره في مشهد جماعي يعيد إنتاج الإحساس بالانتماء، وإن بدرجات تتباين بحسب الانتماء الطبقي والثقافي والجيلي.

في الفضاء العمومي الرقمي، لم يكتفِ قطاع واسع من المصريين بنقل طقوسهم إلى الشاشة، بل ابتكروا شكلًا جديدًا للطقس يتجاوز الصورة والمشاركة، ليؤدي وظيفة رمزية في إعادة بناء الهوية والذاكرة الجمعية. فالطقس هنا ليس مجرد تواصل أو أداء اجتماعي، بل «فعل شفاء رمزي-نفسي» – تستعيد فيه الجماعة توازنها عبر اشتباكها مع رموزها التاريخية؛ ويعيد ترتيب المعاني الجماعية، ويُرمّم صورة الذات الوطنية، ويمنح الأفراد شعورًا بالتماسك في مواجهة تسارع التحولات الاجتماعية بعد فترات من القلق أو الاضطراب.

في هذا السياق، يغدو المتحف الكبير فضاءً مقدّسًا مدنيًا، أو «معبدًا مدنيًا» يستمد قوته من القيمة التاريخية للرمز ومن الإجماع الوطني حوله، ويهيمن عليه منطق التبجيل للإنجاز البشري والجمال والتاريخ والهوية الوطنية. فالمقدّس هنا ليس دينيًا بمعناه اللاهوتي، بل رمزًا حضاريًا مشتركًا تتجسد فيه الذاكرة الجمعية وتتماهى معه الجماعة في فعل احتفالي يوحّد الوجدان حوله.

في الموالد الشعبية القديمة، كان الرمز يُنتج داخل فضاء مكاني محدود وتحت سلطة دينية أو محلية. أما في «المولد الشبكي»، فقد تحرر الرمز من سلطته الرأسية ليصبح مشاعًا أفقيًا بين الأفراد؛ حيث يستطيع كل مستخدم أن يشارك في إنتاج المعنى بالصورة أو الكلمة أو الأداء الرقمي. لم يعد الوسيط ناقلًا للطقس، بل صار هو الطقس ذاته، في تجسيد لعصرٍ تتداخل فيه الوسائط والرموز وتتحول فيه التقنية إلى ساحة شعائرية جديدة.

في العمق النفسي، يكشف هذا الاحتفال عن استدعاء عميق لـ«اللاوعي الجمعي»، حيث تعود الرموز التأسيسية – حورس، إيزيس، أوزوريس، النيل، الهرم – لا كرموز موروثة تسير في خط زمني متصل، بل كنماذج رمزية يجري استحضارها من مخزون اللاوعي الجمعي، كلما تعرّضت الجماعة لقلق هوياتي أو لتحوّل اجتماعي واسع. فحين تهتز صورة الذات، تُستدعى الرموز لكي تعمل كأدوات لتثبيت المعنى واستعادة التوازن النفسي للجماعة، فالإنسان لا ينسى صور الأمان الأولى التي شكلت وعيه بالوجود.

لقد كانت الحضارة المصرية القديمة من أكثر الحضارات قدرة على صوغ رموزها وتحويلها إلى طقوس وأساطير وفنون شكّلت نواة الوعي الجمعي عبر العصور. فـ«إيزيس» تجسّد صورة الأم الكبرى الحامية، رمز الخصب والرحمة والوفاء، والقوة الأنثوية الخلّاقة التي تمنح الحياة وتحرسها من الفناء؛ وهي صورة ما زال صداها حاضرًا في تمثّلات الأم والقديسة والسيدة والوطن.
أما «أوزوريس»، فيمثّل الصورة الأوّلية للموت والانبعاث، أي الإيمان بأن الحياة تتجدّد وأن العدالة الكونية تنتصر على الفوضى والشر، وهي الفكرة التي تتكرّر في الطقوس الحديثة من الموالد إلى الاحتفالات الوطنية التي تحتفي بالتجدّد بعد الأزمات.
وفي «رع» و«حورس» تتجسّد فكرة الحاكم-الرمز الذي يضمن النظام الكوني والعدل (ماعت)، وهي مبدأ كوني وأخلاقي يعبر عن إيمان المصري بالتوازن لا مجرد السلطة.

أما «حتحور»، فهي رمز الأنوثة الكونية، والجمال والموسيقى والفرح، ومنها اشتُقّ في الوعي المصري تقديس النيل والطبيعة والنزعة إلى الاحتفال حتى في أحلك الظروف. ويظهر «حورس» في صورة البطل الذي يهزم «ست»، رمز الفوضى، ليصبح النموذج الأسطوري للبطل المصري: المنقذ، القائد العادل، أو الابن الذي يعيد النظام بعد الاضطراب.

تلك الصور الأوّلية كوّنت البنية الرمزية العميقة للهوية المصرية واستمرّت بأشكال جديدة عبر التحولات التاريخية. ففي المسيحية القبطية تجلّت في صور مريم والقيامة والعدل الإلهي؛ وفي الإسلام الشعبي في الأولياء والكرامات والموالد؛ وفي العصر الحديث في رموز النهضة والأبطال والوطن الأم. إنها ليست استمرارية عقائدية بل استمرارية رمزية نابعة من البنية الثقافية ذاتها: إيمان المصري بالحياة والعدل والخصب والفرح والقيامة المتجدّدة.

من هذا المنظور، يمكن فهم ديناميكية الرموز في مصر بوصفها عملية مستمرة لإعادة إنتاج المعنى الثقافي وتجديده؛ إذ تعيد الجماعة – عبر ممارساتها الاجتماعية مثل السرديات الجماعية، والطقوس، والفنون – تأويل مضامينها الروحية والمعرفية، بما يرسّخ تماسكها الهوياتي في مواجهة التحولات التاريخية والاجتماعية. فالرمز، في الوعي الجمعي المصري، لا يندثر، بل يخضع لعملية تأويل متجدد تمكّنه من الاستمرار في أداء وظيفته الأساسية المتمثلة في تحقيق التوازن بين الذاكرة الشعبية والتاريخ الرسمي، وبين المقدّس واليومي، وبين الفرد والجماعة.

وهكذا، يظل الحقل الرمزي المصري فضاءً حيوياً لإعادة إنتاج المعنى؛ إذ يعيد كل جيل تأويل الرموز الموروثة بما يتلاءم مع شروطه الاجتماعية والتاريخية، وتظل القيمة المعنوية والحمولة العاطفية الكامنتان في هذه الرموز، هي الرابط النفسي-الاجتماعي الأعمق الذي يصل المصري المعاصر بطبقات تجربته الحضارية المتراكمة، في ما يشبه آلية مستمرة لحفظ الذاكرة الثقافية وتجديد شرعيتها عبر الزمن.

إن ما يحدث في الفضاء الشبكي هو نوع من «التحويل النفسي-الثقافي» للرمز؛ فبدل أن يبقى الرمز حبيس النصوص والأساطير القديمة، يستعيد وجوده في الوعي المعاصر عبر الأداء الجماعي للهوية في الوسائط الرقمية، أي عبر صورٍ واحتفالاتٍ تُفعِّل الرمز في الوجدان الحي وتربطه بالحاضر. هذا التحويل – الذي لا يخلو من توتر أو صراع – يعد إحدى الآليات المركزية لتطور النظام الرمزي المدني بما هو شبكة من الرموز المستمدة من قيم المواطنة والتاريخ الجماعي، حيث يُعاد توظيف الرموز القديمة عبر الوسائط الحديثة، وبما يضمن استمراريتها وحيويتها في الوجدان المعاصر.

فالمصري في فضائه الرقمي لا يحتفل بالماضي كما هو، بل يعيد إنتاجه وفق حاجات زمنه الراهن، محاولًا تخفيف التوتر الناتج عن تداخل عناصر هويته المتعددة (الفرعونية، القبطية، والعربية-الإسلامية)، في مسعى للمصالحة الرمزية بينها. هذه المصالحة ليست واقعًا مكتملًا بالطبع، لكنها تسير داخل الذاكرة الجمعية عبر عملية تفاوض رمزي، تتجدد محفزاتها كلما اهتزت صورة الذات الوطنية.

هكذا يعمل الوجدان المصري لتحقيق «مصالحة رمزية» بين طبقات وعيه التاريخي المتراكبة؛ وهي عملية شفاء ثقافي تدمج بين الماضي والحاضر لتولّد وحدة وجدانية متجددة. فالرموز القديمة لا تُستعاد بوصفها حنينًا جامدًا، بل طاقة رمزية تتيح للمصري أن يواجه التغير السريع دون أن يفقد إحساسه بالثبات. ومن ثمّ يصبح الطقس الشبكي وسيلةً للاتزان النفسي الجمعي، تُؤدي فيه الجماعة فعلًا من أفعال التعويض والتحرر معًا.

في هذا السياق، تبدو اللحظة أكبر من مجرد «طقس رقمي» يخلق انتماءً افتراضيًا سطحيًا؛ إنها إعلان عن بداية تشكّل نظام رمزي مدني جديد، أي شبكة من الرموز والطقوس والمعاني المشتركة المستمدة من قيم المواطنة والمشاركة والتاريخ الجماعي، تُعيد إنتاج المقدّس في صيغة مدنية بعيدة عن المرجعيات الدينية أو الأيديولوجيات المغلقة حين تمارس كسلطة عقائدية لا كبنية ثقافية حاضرة في الوجدان الشعبي.

هذا النظام الرمزي الجديد لا يقوم على عقيدة لاهوتية، بل على مقدس مدني جديد: نصوصه هي السردية الوطنية، وطقوسه هي الزيارة والمشاركة الرقمية، وأماكن تقدّسه هي المتاحف والمواقع الأثرية. أما وظيفته فهي خلق تماسك اجتماعي في مجتمع تعددي عبر لغة رمزية مشتركة تسمح لأغلبية مكونات المجتمع بالتعبير عن الانتماء دون تعارض مع معتقداتهم الخاصة. وهنا يعمل النظام الرمزي المدني على تحييد الصراع الرمزي، فبدلاً من الصراع بين الرموز الدينية المختلفة، يقدم رمزًا «محايدًا» نسبيا يُمْكِن للأغلبية التمركز حوله، فيخلق بذلك منطقة رمزية آمنة للتعبير عن الانتماء.

المتحف المصري الكبير.....
المتحف المصري الكبير…..

في هذا النظام الجديد، تجري عملية توحيد الرموز التاريخية والدينية بمعناها الثقافي والنفسي داخل فضاءٍ رقمي واحد. هذا التحول من الرأسية إلى الأفقية يعكس نزعة الثقافة المصرية المعاصرة إلى دمقرطة الرموز وإعادة توطين المقدّس داخل التجربة اليومية. لكن نجاح هذا النظام الرمزي يظل رهينًا بقدرته على تمثيل إرادة جماعية حقيقية، تتجاوز التباينات الداخلية للجماعة.

في هذا الإطار، يصبح افتتاح المتحف الكبير حدثًا مركّبًا: فهو من جهة مشروع وطني ذي أبعاد سياسية واقتصادية، ومن جهة أخرى ممارسة رمزية تولّد حالة وجدانية مشتركة. فقد مارس المصريون طقسًا للأداء الهوياتي الجمعي، حيث تنتقل الهوية من جوهرٍ ثابت أو خطابٍ يُعلَن إلى فعل رمزي يُؤدَّى ويُعاد إنتاجه بالصورة أكثر من الكلمة في فضاء تتنازع فيه المعاني الثقافية والوطنية. إنها محاولة لإنتاج قداسة مدنية جديدة، قوامها الفخر والفرجة والاحتفاء بالحضارة بوصفها ذاكرةً وحلمًا في آنٍ واحد.

إن التحول من «المولد الشعبي» إلى «المولد الشبكي» ليس انقطاعًا عن التراث، بل امتدادٌ موازي له في وسيط جديد. فالاحتفال الجماعي، سواء في الموالد أو على المنصات الرقمية، يظل لحظةً نفسية-ثقافية يعيد فيها المصري اكتشاف ذاته في الجماعة، والجماعة في ذاتها. هكذا تتواصل مصر مع نفسها عبر الزمن، وتؤدي وجودها الرمزي كما تُؤَدِّي الصلاة أو الأغنية أو الفرحة العامة، فعلًا من أفعال البقاء.

وعبر هذا الأداء الجمعي، تُترجم مصر ذاتها إلى فعل رمزي دائم الحضور؛ إذ تتحول المشاركة إلى لغةٍ للتعبير عن الوجود الجمعي، ويتحوّل الفضاء الرقمي إلى مسرح لتمثيل الذاكرة واستعادتها في صور جديدة، فيتجدد المعنى الجمعي للانتماء من خلال الصورة والاحتفال والرمز.

افتتاح المتحف الكبير، إذن، لم يكن حدثًا في الذاكرة الثقافية فحسب، بل مولدًا حضاريًا بالمعنى الأصيل للكلمة: طقسًا جمعيًا يربط الماضي بالحاضر ويمنح الجماعة معنى الاستمرار وسط التحول. ومن خلاله، يعيد المصري إنتاج ذاته كفاعل رمزي لا كمجرد وارث للماضي. إنه احتفال بذاكرة تتجدد، وهوية تُؤدَّى أكثر مما تُقال، وقداسة تنتقل من المعابد والمواكب إلى الشاشات، لتقول إن المصري، في كل عصر وعبر كل وسيط، لا يتخلى عن طقوسه، بل يطوّعها لتعبّر عن قدرته الأبدية على تحويل التاريخ إلى وجدان، والوجدان إلى طقس، والطقس إلى هوية حيّة لا تنطفئ.

سمير السيد،
كاتب مصري يعمل مديرا لتحرير جريدة “الأهرام” 

المتحف المصري الكبير.....
المتحف المصري الكبير…..

 

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى