رأي

حلا البحري تكتب: تونس والخط العربي.. رسالة عالمية.. بمفردات جمالية 

شهدت تونس ماضي عريق وتجدد دائم ولبست حلة مختلفة عند دخول اللسان العربي قرطاج…

فقد احتضنت تونس اللغة العربية عبر التاريخ مثلما احتضنت عديد من اللغات التي تعاقبت عليها بتعاقب الحضارات
ولقد مكن ذلك الانسان في تونس من التعلم والتمرس على ألسن متعددة  مما ولد لدى التونسي ذكاءا كونيا …

لم يكن الخط العربي في تونس مجرد رمز للهوية بل كان تجلي للوعي فتمكن الفنان من تقنيات الخط وبفهم رسالته في الحياة طوع الخط ونشرها من خلاله لأن «الخط هندسة روحية ظهرت بآلة جسدية»

لقد تحول الانسان في تونس من مجرد انسان رامز .. إلي رمز إنساني متجسد..

اعتلى الخط العربي في تونس الساحة العالمية من خلال أسماء عديدة فقد رسم نهج خاص به وبصمة مختلفة.

انه ابداع روحي انفجر باسرار الكيان الوجداني للانسانية التي اختزلتها الجينات التونسية.

بالخط تجلت جوهر رسالة الفنان الكونية من خلال تحرير الخط والوانه ودمجه في مجالات متعددة.

فتونس ارض التسامح و التجلي وهي الأرض التي حملت بين طياتها وجيناتها رسالة حرية الوعي والوعي الحر …
الحرية في تونس لم تكن خيارا بل قدر ..

فهي من اول البلدان التي منعت الرق وحررت العقل والانسان بالقانون في  1846… وحررت المرأة … كما حررت الكلمات والرموز ..

الحرف أيضا أصبح حرا حيث خرج من قفص الأداء التقليدي الي آفاق الابداع.. فالإبداع التونسي هو شكل عربي بباطن كوني.

ومن أهم الاعلام التونسية التي اشرق اسمها في سماء الابداع العالمي سأذكر من سعدت بلقائهم في حياتي وجمعني بهم القدر :

– الفنان العالمي نجا مهداوي..
ولد بتونس العاصمة خطاط وفنان تشكيلي تونسي تخرج من أكاديمية الفنون بروما ومن مدرسة اللوفر.
هو عضو لجنة تحكيم جائزة الفنون لليونسكو.
عرض بالبلدان التالية: ألمانيا، إيطاليا، الدانمارك، تونس، الأردن، فرنسا، كندا، اليابان. وبلدان الخليجية كالبحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وسلطنة عمان
وتولى تزويق عدد من المنشآت الكبرى كمقر فايسبوك مثلا  والمطارات …

– المربي الفاضل عمر الجمني ،
خطاط و فنان تونسي مبدع أحرز على عدد من الجوائز بتونس والخارج ، استاذ اكاديمي ومؤطر بالجمعية التونسية لفنون الخطّ عشق الخَطْ المغربي منذ طفولته وتمكن من تطويع هذا الخط وتحويله الي رؤى فنية معاصرة كما انه اشتغل في بحوث اكاديمية عديدة على انواع عديدة من الخطوط كالخط القيرواني
كما انه يسعي لتطوير المناهج التعليمية  والعلمية للخط في تونس والخارج

– الانسان الرائع إل سيد eL Seed : انه اسمه الفني ، ولد في باريس هو فنان من أصل تونسي مقيم بمنتريال
ابتكر الكاليغرافيتي (calligraffitis) : هو خليط بين الخط عربي وفن الجرافيتي.
لوحاته الجدارية تعبر عن الحاجة إلى العيش في سلام واحترام الآخرين.
له رسوم عديدة ضمن فن الشارع بتونس بقابس وجربة ، كما  اشتغل 52 لوحة ورسم فني على الطريق الرئيسي في الدوحة – قطر
وقام  بالعديد من الأعمال والرسوم حول العالم في نيويورك وباريس وجدة والمدينة المنورة ودبي وجربة والجزائر
كما سخر  ضمن رسالته الفنية  طريقة  لدعم للاعمال الخيرية على المستوى العالمي كالنيبال ومصر وتونس …

ان الساحة الفنية التونسية تضج باسماء عديدة  من الخطاطين المعروفين كالاستاذ مختار علي
وسمير قويعة و عبد السلام البجاوي  وسامي الغربي وعبد الرزاق بن حمودة و طارق عبيد ومحمدأنورالطرابلسي وكمال البحري وغيرهم من الأعلام  ….

انهم مبدعون تألقوا وثابروا في نشر القيم التي يورثها  الخَطْ العربي ويزرعها في الانسان من صبر و مثابرة و عمل دائم لبلوغ الكمال وتعزيز الثبات فتتجلى الروح عبر منحنيات الرسم و تماسك المبنى وروعة المعنى …

انها رحلة بين الانسان وذاته عبر ما يسطره بالقلم من بحر النون ..

كما انه من المتعارف عن الاساتذة الاجلاء الذي اتقنوا العمل وتفانوا فيه السعي لتعليمه بتطوع و شغف
واحيانا دون اجر لطالبي هذا العلم والفن  ..

ولقد تم اعتماد الخطّ العربي عام 2021 لدى منظّمة الأمم المتّحدة للتربية والعلوم والثقافية (يونيسكو) على قائمة التراث اللامادي باعتبار الخط  هو فن وتصميم الكتابة  وآلية تعبير عن التناسق والايقاع والجمال.

ان الخط العربي معلم من معالم الحضارة الانسانية.. فهو وسيلة مهمة لتعزيز الحوار بين الثقافات العالمية.. فمن يجهل لغته وجمالها يجهل جمال روحه..

إن كان البحر ثلاثة احرف في اللغة..

فان الحرف في العربية بحر من المعاني …

ولقد تعلم الخطاط التونسي السباحة في هذا البحر كتعلمه السباحة في البحر المتوسط ..
فقد ابرز تميزه وقدرته على جعل لغته لغة الجمال والابداع فهو لا يحتاج للغة حتى يفهمه الاخر ..
انما يحتاج فقط الي الشعور … لفهم و احتواء الاختلاف الانساني بطريقة مبتكرة ..

إن عالم الفنان التونسي ووعيه  تجاوز الحدود
لانه يتحدث لغة عالمية..
إنها لغة الجمال والمعنى..

 

** كاتبة تونسية

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى