كنت أظن أن الأكسجين والماء فقط، يجعلاني على قيد الحياة، إلى أن عرفت القراءة.
من مكتبة وليدة بالبيت بدأت رحلتي، ومن معارض الكتب، عرفت القراءة الحرة، وشاهدت لأول مرة كتبًا ملونة من عالم آخر، غير كتب المدرسة والقراءة الإلزامية لدواعي الاختبار والتقويم، فكتب المعارض هي كتب الحرية في كل شيء، في اختيارها واختيار مواضيعها وكتابها وتوقيتات وأماكن قراءاتها، حتى التخلي عنها إن مللنا الرحلة في منتصف الطريق، نتوقف ونغير الوجهة لكتب أخرى ورحلة قراءة أخرى.
كلما نكبر تتسع دائرة الحلم وتصبح القراءة أكثر متعة وإثارة، كونها قرينة الشغف والخيال والحرية، وبتوافر الكتب الورقية والرقمية، ومنصات وقنوات وبودكاستات قراءة وتلخيص ومناقشة الكتب، صارت لي رئة ثالثة اتنفس بها ما أريد من الأفكار، وأحلق بعيدًا في لقاءات متجددة مع رموز الفكر والفن والأدب والعلم والثقافة وشتى صنوف المعرفة.
علمتني المدارس والجامعات بعض الدروس ونلت منها بعض الشهادات، ومن الحياة تعلمت بعض التجارب والخبرات، ومن جدتي تعلمت حكمة السنين، ومن الكتب عرفت نفسي والعالم، وكانت جملة واحدة من أبي، تختصر لي سنوات من التيه والحيرة والضياع، ومن أمي تعلمت كل شيء.
تأثرت في شبابي بكتاب الأيام للدكتور طه حسين بأجزائه الثلاثة، أقبلت على قراءة هذه السيرة بروح منفتحة على ضبط إيقاع الألم والتماهي مع صاحبها ومعاناته، التي كانت هي السقف لكل ألوان المعاناة التي أمر بها طوال حياتي، فكنت إذا مرضت أقول أهون من العمى وكف البصر، وكنت حين أتأفف لعدم عثوري على كتاب، أتذكر عدم تهيئة الكتب ليقرأها المكفوفون في زمان طه حسين، فكانت هذه السيرة تهون عليَّ كل مشكلة أو محنة أمر بها، فإذا ما قست ألمي ومعاناتي بما عاناه عميد الأدب العربي، أدركت أنني في نعيم، وأن هشاشتي تستوجب أن أخجل من نفسي لا أن أشكوى.
وقعت في غرام القراءة والكتب، ودون مقاومة عشقتها، سلبتني إرادتي واستسلمت لها تمامًا، واكتشفت مع الوقت أن القراءة تكسب حياتي معناها، وتمنحها العمق والقيمة، كنت باستمرار في سفر وترحال في أزمنة وأمكنة وعوالم بعيدة، هكذا بدا لي أثر القراءة، وكأنه وشم أبدي في العقل والوجدان والذاكرة، وتأتي النسخة العاشرة من مسابقة أقرأ للعالم العربي هذا العام تحت شعار: “أثر القراءة لا يزول”، لتؤكد المعنى نفسه، وتختتم رحلة طويلة بتتويج صاحب لقب “قارئ العام”، في الحفل الختامي للمسابقة على مدى يومين؛ في الخامس والسادس من ديسمبر 2025م، على مسرح (إثراء)، حسبما أعلن مركز الملك عبد العزيز الثقافي العالمي.
هذا العام، نحن على موعد مع نسخةٍ استثنائية من المسابقة، إذ تأتي احتفالًا بعقدٍ من الشغف والأثر، وعشرات الألوف من القرّاء العرب، بأصوات وتجارب خاصة، تحولوا فيها من متلقين إلى صناع للمعنى والأثر.
شخصيًا لم تنته رحلتي مع القراءة، لم أشبع بعد، يحزنني أن ينقضي العمر، وفوق عمري عمر، لا يتسع لقراءة كل الكتب في العالم!
د. سمير محمود
كاتب صحفي مصري



