١-التنزّهُ في حدائقِ القتلى :
لم يكترثْ ساعي البريدِ بما تأخّرّ من رسائل
في الصناديقِ الّتي كلحتْ ببرقيّات نعي الأوّلين،
ولم يجد أثراً يدلّ على العناوين التي اندثر ت بسيرة ساكنيها تحت أنقاض البيوت المهملةْ .
لكأنّ تشرينَ الأخيرُ من الشهورِ
يَسُوطُنا من بين أرجلنا إلى سورِ القيامةِ ،
يُخرجُ القتلى من العهدِ القديمِ
مصدّقاً بالطينِ في أفواههِمْ
و مبشّراً بهلاكِهِ بينَ الهوامشِ في الأساطيرِ القديمةِ ،
والجراذين التي نبشت قبورَ الميّتين
ويُنبتُ القيصومَ تحت أظافرِ الجثثِ الّتي كانت جنوداً أمطرونا بالحرائقِ والظلامِ .
رأيتُ سيّدةً أرادتْ أن تواري طفلَها في بطنها.
حتّى المقابر غيرُ آمنةٍ ، تصيحُ .
رأيتُ طفلاً لم يجدَ ظِلّيْ ذراعيهِ على كَتِفَيْ أخيهِ في عناقِهِما الأخير
كأنّ موت الضوءِ في عينيهِ
أشبه بارتطامِ قذيفةٍ أخرى برأسِكَ كلّهِ.
وصبيّةً ترثي أمامَ الكاميراتِ حياتَها :
هذا حبيبي . أحضروه في الحقيبةِ .
لا أصدّقُ ما روى الموتى،
يقولُ معلّمُ التاريخِ. ،
للجغرافيا جدوى مكوثكَ في الحنينِ إليكَ ،
حيثُ هناكَ
أنتَ
تقيمُ مأدبة لقتلى العائلةْ،
وتُطاردُ الظلماتِ
في أثرِ الًّذينَ تربّصوا بظلالِنا
بيضاء
في الأسفارِ .
لا تدفنْ بقايا زهرة الدفلى على طرف البحيرةِ تلكَ ،
لا تَرْثِ احتضاركَ قبلَ أن تُبلى بشوكِ التاجِ تنتظر ُالقيامةَ في الطريقِ إلى السماءِ
تقولُ راهبةٌ لجنديّ
رأتْ سبّابةَ الشيطانَِ فوقَ زنادِهِ .
ما عدتُ جائعةً وخائفة تماماً
لا أريد رغيفَ خبزٍ ساخنِ
أو كأس ماءِ باردٍ
لا ملجأً
أو شمعةً
بل محضَ قبرٍ ،
وليكنْ جماعيّاً
تشاركنا دساكرهُ العصافيرُ الّتي حلمتْ بأشجارٍ وأنهارٍ تؤاخينا ،
وأحراشٌ تصلّي في الجبالِ لنا ،
ومكتشفو كهوفٍ أورثتْ أنسابَها لرسومِنا الأولى ،
وشعبْ بين مذبحتينَ يلعنُ قاتِلَهْ.
٢- جباة القبور
لن يذكر الناجون أنّ مقابرَ الأحياءِ ، وسط مدينةِ الأشباحِ،
( كانت أشبهَ بِسِجِلّ دفنِ الميّتينَ جماعةً بشرائطٍ سوداءَ) ، لمْ تحفلْ بقتلى الحربِ ،
لن يتذكّروا بين الخرابِ تخثّرَ الأنًاتِ فوق شفاهِهِمْ،
والضوءَ يذبلُ في أصابعهمُ وقد ضجروا من النفسِ الأخيرِ.
ونسوةً يمددن أذرعهنّ للأطفالِ كي تغفو دُماهُمْ مثلهم تحت الركامِ،
ولا يُطيلونَ المُكوثَ هناكَ
حيث رأى الرواةُ العشبَ ينمو في ظلالِ قبورهمْ,
قُتلَ الشهودُ،
وبرّأتْ يدُ قاتلي يدَ قاتلي من إثمِ قتلي،
بويعتْ جثثُ الضحايا فوق نصبِ المتحفِ الحربيّ ” ملحَ دمائنا”،
ورمى القضاةُ على المطارقِ حبرَهمْ ، وعلى الحُشودِ صوابَ قفّازاتِهمْ.
أفَلَمْ يئِنْ لنا
نحنُ
مَنْ فُزنا بما تركتْ بقايا مِنْ حياةٍ تحتَ أنقاضِ المدينةِ
أنٍْ نصدّقَ أنّنا بشرُ تماماً مثلكمْ
بشرٌ تماماً
ليسَ إلا ..
أنّ مِنْ حقّ الطرائدِ مثلَنا، أن تلعنَ الصيّادَ،
مَنْ حقّ الفراشهِ أن تقلّدَ إذٍ ترى أطفالَنا يتنفّسونَ كما الزهورِ ،
وأنّ مِنْ حقّ سنونوةٍ مهاجرةٍ رماها الخوفُ أن تأوي إلى شُرُفاتِنا
تلكَ الّتي لمّا تعُدْ شُرُفاتِ شيءٍ ،
أيّ شيءٍ.
صاحَ صيّادٌ عجوزْ تاهَ قاربُهُ بهِ
خمسين عاماً
كانَ يقتلُني كثيراً أنْ أرى أحلامَ أحفادي تموتُ على الشواطئِ
في الحصارِ ،
كأنّهم هرموا بعيداً عن طفولتِهمْ.
تدوّن في مذكّرةِ ادّعاءِ جنوبِ إفريقيا مؤرخةٌ ملاحظةً:
و هُمْ كذلكَ! كلّهمْ
جاءوا بأسلحةٍ مدرّبةٍ على القتلِ المقدّسِ كي يبيدوا كلّ شيءٍ فوقَ هذي الأرضِ أسمرَ مثلَنا ؛
حتّى المسيحَ ، كمثلِهِمْ ، جعلوهُ أبيضَ.
لنْ أسامحَ أنّهمْ ، بلهاثهِمْ خلفي، أغاظوا قطّتي السمراءَ
أهدتها إليّ وزيرةُ التعليمِ في النرويجِ ،
قالتْ ، بعد أن مالتْ عليّ بضحكةٍ صفراءَ راعشةٍ ؛” خذيها اليوم حتّى لا تصيرَ عميلةً سريّةً لكلابِ كاوبويٍ يربّي النفطَ في صحراءِ موهافي ، ويكرهُ إسمَ مانديلا “.
سمعنا أنّ شرطةَ بايدنَ اعتقلتْ ثمانيةً مِنَ المتظاهرينَ لأجلِ غزّةً، هلْ حفيدي بينهم؟ ”
ترمي عجوز تعتني بحضانةِ الأيتامِ في أريافِ موناغوا سؤالًا عابراً على عابرٍ يقلّدُ ظُلٍمَةً تتأوّهُ بينَ المقابرِ في مرايا آكلي لحومنا
نحنُ الّذينُ ، كَمِثلِكُمْ ، بشراً سويّاً
نسألُ الشاةَ الّتي اقتيدتْ إلى ذبحٍ :
لماذا يزرعونَ على أسرّتنا المزيدَ منَ الحرائقِ كلّما اغتالوا زهورَ الحقلِ ،
فيما لم نجدْ أثراً بدلّ على ظلالِ عُبورِهمْ.
٣- رقصةُ العراةِ:
عارياً يرتدي ربطةَ العنقِ حتّى يخبّئ سوأتَهُ بجلودِ الضحايا،
يُهيّئُ خطبتَهُ في مراسيمِ تشييعِهِ
مبتلىً بالخرائبَ واليأسِ،
في ظلّ مقلاعِ داوودَ،
ما كنتُ أبدأ حرباً لكي تنتهي
مندُ قرنَينِ
أسندُ أرضاً وُعِدٍتُ بها دون غيري بِقرنَيْ خروفٍ
أتاني به فديةً لي رعايا السماءِ ،
و أرضونُ هذي الرعايا .
وما عدتُ ، ربّاً لجُنديْ ، لأبصرني في دساكِرَ معجزةٍ لا تجيءُ .
فلا يطمئنّ نبيّ بأنْ يزرعَ الآسَ في ظلّ قبري
ولا فائزٌ بكراهيَتي ، وليكنْ قيدَ أنمُلةٍ ،، أنْ يحدّقَ في أعينِ التعساءَ،
المُعاقينَ ،
أو فاقدي أملٍ ، أيّما أملٍ ، بالحياةِ ،
ولا مبغضيّ ،
عديمو الوسيلةِ من أيّ جدوى
الّذين يقودونَ شعبي إلى جنباتِ المهالكِ،
لاشيءَ يشبهني غيرُ مملكتيَّ
وصاحتْ بهِ امرأةٌ هاجرتْ ، قبلَ عشرينَ عاماً ، من القِرمِ، واستوطنتْ في الخليلِ، وكلبتُها معها:
رُدّ لي جثّةَ ابني الّتي تتألّمُ في حربِ أكرانيا،
وحياةَ حفيدي الرهينةَ في قلبِ غزّةَ ! .
أنتَ الّذي قدتَ شعبي بسياطِ الخطايا
رمى أحدٌ صوتَهُ في المسافةِ بينهما
لا مكانَ لنأمنَ فيهِ على غدِنا غيرُ أسفارِنا ,
لا ملاجئَ تكفي لنُدفَنَ فيها ،
ولا أُحجياتٍ فتُجعلُ ، مِنْ بعدِ موتِكَ ، معجزةً لمكوثِكَ في سِيَرِ الأوّلينَ.
ويصرخُ طفلٌ رأى ما رأى في ممرّاتِ ” مشفى الشفاءِ”:
انظروه!
إنّهُ ذاكَ
عارِ
يسوقُ بما صنعتْ يدُهُ راجِمي الأنبياءِ
عرايا …
( من ديوان ” وآيتُكَ اليومَ..”. يصدر قريباً).



