للضرورة القصوى:
أ- لست من أولئك الّذين يربّون أظافرهم كي يحفروا قبورًا للآخرين، لدفنهم، وهم ما يزالون أحياء.
الموت حيًّا؛ هذه حال كلّ ممتهنٍ للعملية الكتابية أو الإبداعية، بظنّي، حصل على جائزة، أو شارك بفعالية… إلخ، تشتمّ وراءها رائحة أنفاس مغضوبٍ عليه.
أو رمى على أحدٍ من المغضوب عليهم سلامًا أو كلامًا طيّبًا، أو أغدق مديحًا عليه ليجمّل صورته القبيحة.
ولا بدّ أن تحفر الجائزة هذه أو تلك، الّتي يقف وراءها هذا المغضوب، في ذات الحاصل عليها عميقًا بعذابات العزلة، والألم النفسي، والشعور بالدونية، طالما ارتضى أن يبيع نفسه للشيطان.
هكذا، سيرى نفسه في مراياه، مادًّا لسانه لنفسه، لاعنًا، نادمًا، ألّا تأتيه الحياة الّتي عرفها من بين يديه ولا من خلفه.
ولا شكّ أنّه، بسذاجة، يظنّ أنّه لو حاز جائزة، أو حلّ على مهرجان، أو شهد زورًا لصالح المحتلّ، أو لمصلحة دولة الاحتلال، فإنّ نوبل، بعد هذا، تنتظره كسيّدةٍ تنتظر سيّدها.
ألبير كامو، مثالًا لا حصرًا: حصل على جائزة نوبل في الرابعة والأربعين من عمره، وباعترافاته، ومن كان قريبًا منه، أنّها عمّقت القلق الوجودي، وتعجّلت هاجس الانتحار ليقطن في روحه.
(كثيرون ممّن ارتبطوا بجائزة نوبل أقدموا على الانتحار، أبرزهم: الكاتب الأمريكي همنغواي، والإيطالي بريمو ليفي، والإفريقي كارل شويمان).
ب- لست ممّن يصرخ في وجه أحد كي يرى نفسه كما ينبغي أن تُرى من وجهة نظره، لكنّي أجزم أنّ عاملًا في حقول الإبداع لن يصبح عظيمًا إلّا إذا كان معلّمًا، أي يكرّس القيم الروحية والبشرية، ويدافع عنها، ويقدّم ذاته المبدعة، روحًا ونصًّا، قيمةً عليا، ويبشّر بالخير والجمال والتعايش… إلخ.
لكن، كيف يمكن لأحد أن يتعايش مع قاتل، حتّى وإن كان قاتل غيره، أو يقيم له مأدبة تجميل باللغة، أو اللون، أو اللحن؟
لقد رفض سارتر جائزة نوبل، كونها، برأيه، تحوّلت إلى أداة من أدوات الحرب الباردة، وأنّ قبولها يجسّد انحيازًا، وإن كان صامتًا، للنظام العالمي القائم على الاستغلال، والاستعمار، واستعباد الروح البشرية، واستهلاكها.
(يعتبر جورج برنارد شو أبرز من رفض استلام جائزة نوبل للآداب، واصفًا إيّاها بمثابة طوق نجاة يُرمى لمن وصل الضفّة الأخرى، وقيمتها: “المال الملعون”.. المال نفسه الذي اشترى كامو به بيته قبل انتحاره).
ج- لست ممّن يحدّق في مرآته مرّتين لأكتشف منابع الضوء في عينيّ، وأفاوض قاتلي، الّذي هشّم المرآة، ألّا يفقأهما حتّى أرى أين أوقّع عهدي في اتفاقية أعدّها على هواه.
الضوء في أعينكم أعمى، أيّها السادة العميان!
لا ضوء في عينيّ من لا وطن له.
لا عينين لمن لا وطن له كي يحيا الضوء فيهما.
ولأنّي، وأشهد الله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، لم، ولن، أقايض نفسي، أو جزءًا من نفسي، أو أدنى منه قليلًا أو كثيرًا. ولم، ولن، أقايض أرضي، أو جزءًا من أرضي، أرضي المقدّسة، أمّ المقدّسات، أو أدنى من ذلك قليلًا أو كثيرًا، وإن أتتني، وما تزال، إغراءات (أقلّها جوائز، وترجمات، وتمويل مشاريع… إلخ)، يعلم الله ما بها من سلطان ثقافي لم يحز عليها إلّا نذرٌ يسير من قبل ومن بعد.
ولهذا، لا تهشّ لمن يقتات على ما عفّت نفسك عنه، يا صاحبي، وأنهرها: كيف كنت تتقاسم الوطن، الهواء، والسماء، والماء، والأسماء، والأشياء… إلخ، مع مَن جنح للنوم على سرير قاتلك الفذّ، وما خبت بعد نار القِرى في مآتم إبادة شعبك، وتدنيس ما قدّس الله فيك وفي أرضك المحتلّة.
وسوف نختلف حول مفهوم التطبيع وشؤونه، كما نجتهد جزافًا في كتم سؤالنا بصوتٍ فبكى داخلنا: هل يحقّ لك أن تصافح مَن مدّ يدًا بيضاء من غير سوء لقاتلك المدرّب، منذ أربعة آلاف عام، على قتلك، القتل المقدّس، ولم يجفّ دمك عليها بعد؟
أن تعانق مَن مدّ يدًا جنحت للسِّلم! أيّ سلم، يا سادة، مع محتلّ مدجّج بأعتى عقائد المحو والإلغاء، زمانًا ومكانًا، طالما اختاره ربّه ورفعه علينا درجات في الأساطير؟
أما تبتّ يدا، ويتبّ صاحبها، حمّالة الخزي الأعظم، وهي تقبض حقّ ترجمة ما صنعت، من مؤسّسة، أو دار نشر، في دولة الاحتلال، وبالشيكل، تحت شعار تعريف المحتلّ بروايتنا الفلسطينية؟
الله أكبر!
الجنديّ المحتلّ الّذي يخرج يوميًّا من أسفاره القديمة، ليمارس مهنته المفضّلة: شطب أيّما أثرٍ على أيّما حجرٍ يدلّ علينا.
وسوف يعتذر كثيرًا منّا، ويعيد إلينا مفاتيح بيوتنا القديمة، بعد أن يقرأ رواية أو قصيدة أحدٍ، أيّما أحدٍ منّا، مترجمةً إلى العبرية.
والمدهش حقًّا أنّ منّا من يظنّ، بسذاجة، أنّ روايته (ضرب من الكتابة) المترجمة، أو قصيدته، تؤرّخ للرواية الفلسطينية (التاريخ والسيرة) في ذاكرة أعدائنا.
والمريب أنّهم يكتبون، أو يعدّون ما كتبوا، بما يلائم الترجمة إلى العبرية، وبما لا يغيظ قاتلنا، قاتلنا الّذي لم يقل لأحدٍ من هؤلاء: شكرًا لك على هذا النوع من الحب.
على هذا وذاك أن يدرك أنّ القبّعة ضرورية تحت الشمس والأمطار، فيما الحذاء مسخّر للمشي.


