هل أصبحت حماية المرأة والطفل مسؤولية مؤجلة؟
في كل مرة تهتز فيها ضمائر المجتمع على وقع جريمة جديدة، يتردد السؤال ذاته: أين المجالس ومؤسسات الحماية؟
وأين الجهات التي أُنشئت لتكون حصنًا للمرأة والطفل قبل أن يتحولا إلى مجرد أرقام في سجلات الحوادث؟
لقد شهد المجتمع خلال السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من الوقائع المأساوية التي استهدفت النساء والأطفال؛ بدءًا من جرائم القتل والعنف الأسري، مرورًا بالانتهاكات النفسية والجسدية، وصولًا إلى جرائم هزت الرأي العام وأثارت حالة من الغضب والقلق. ومن بين هذه الوقائع جاءت جريمة مقتل المحامية سالي الجباس لوالدتها لتعيد إلى الواجهة سؤالًا بالغ الأهمية: هل تؤدي المؤسسات المعنية بحماية المرأة والطفل الدور الذي ينتظره المجتمع منها؟
على مقصلة العنف نزيف لا يتوقف.. والمرأة والطفل يدفعان الثمن
إن إنشاء المجالس والهيئات المختصة لم يكن غاية في ذاته، وإنما وسيلة لبناء منظومة وقاية وتدخل مبكر، ونشر الوعي، واستقبال الشكاوى، وتقديم الدعم القانوني والنفسي والاجتماعي، والعمل على منع المأساة قبل وقوعها، لا الاكتفاء بإصدار البيانات بعد حدوثها.
ولا يمكن إنكار ما قدمته هذه المجالس من مبادرات وبرامج وجهود في مجالات التوعية والدعم، إلا أن تكرار الحوادث يفرض تقييمًا جادًا لمدى فاعلية تلك الجهود، ومدى وصولها إلى الفئات الأكثر احتياجًا، ومدى قدرتها على التدخل قبل أن تتحول الخلافات الأسرية أو المؤشرات الخطيرة إلى جرائم تهز المجتمع.
إن تزايد الجرائم وارتفاع معدلاتها يحتاج إلى دراسة علمية دقيقة؛ حيث إن الشعور المجتمعي بعدم كفاية الحماية أصبح حاضرًا بقوة، وهو شعور يستحق الاستماع إليه ومعالجته بجدية وبشكل سريع.
ولعل القضية لم تعد تقتصر على إصدار التشريعات، بل أصبحت تستدعي منظومة متكاملة تبدأ بالتوعية، وتمر بالتدخل المبكر، وتفعيل آليات الإبلاغ والتنسيق بين الجهات المعنية، ومتابعة الحالات المعرضة للخطر، مع مراجعة مستمرة لمدى كفاءة السياسات المتبعة.
إن دماء الضحايا ليست مجرد أخبار تتصدر العناوين، بل هي جرس إنذار يدعو إلى مراجعة شاملة، وإلى انتقال مؤسسات الحماية من رد الفعل إلى الفعل، ومن التعامل مع النتائج إلى معالجة الأسباب.
فنحن لسنا بحاجة لبيانات تعزية، وإنما ننتظر منظومة تمنع المأساة قبل وقوعها، وتحفظ للمرأة أمنها، وللطفل حقه في حياة آمنة وكريمة.
لا تتمثل المشكلة في وجود مؤسسة أو غيابها، وإنما في مدى فاعلية منظومة الحماية بأكملها؛ فالعنف الأسري لا يولد في لحظة، بل تسبقه في كثير من الأحيان مؤشرات واضحة، وتهديدات واعتداءات متكررة، ونزاعات حادة، أو استغاثات لا تجد من يستجيب لها بالسرعة المطلوبة.
ولذلك فإن المطلوب اليوم ليس مجرد إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل بناء منظومة وقاية حقيقية تقوم على التدخل المبكر، والمتابعة المستمرة، والتنسيق بين جميع الجهات المعنية.
ومن أبرز الخطوات التي يمكن أن تعزز هذه المنظومة:
- إنشاء وحدات تدخل سريع في كل محافظة للتعامل مع بلاغات العنف الأسري، تضم متخصصين قانونيين ونفسيين واجتماعيين، وتعمل على مدار الساعة.
- تطوير قاعدة بيانات موحدة بين الجهات المختصة لرصد البلاغات المتكررة والحالات الأكثر عرضة للخطر، بما يسمح بالتدخل الوقائي قبل وقوع الجريمة.
- توسيع نطاق حملات التوعية لتصل إلى القرى والمناطق الأكثر احتياجًا، مع التركيز على حقوق المرأة والطفل وطرق الإبلاغ الآمن.
- تعزيز خدمات الدعم النفسي والقانوني المجانية للضحايا، وضمان سهولة الوصول إليها.
- تدريب العاملين في الجهات المعنية على اكتشاف مؤشرات العنف والتعامل معها بسرعة وكفاءة.
- دعم مراكز الإيواء والخدمات الاجتماعية لتكون قادرة على استقبال الحالات المعرضة للخطر وتوفير الحماية الفورية لها.
- إجراء تقييم دوري وشفاف لأداء المؤسسات المعنية، ونشر مؤشرات واضحة عن نتائج برامجها، بما يعزز المساءلة والثقة المجتمعية.
- تعزيز التعاون بين مؤسسات الدولة، ومنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والمؤسسات التعليمية؛ لأن حماية المرأة والطفل مسؤولية جماعية وليست مسؤولية جهة واحدة.
كما أن مراجعة بعض التشريعات والإجراءات قد تكون ضرورية لضمان سرعة الاستجابة للبلاغات، وتشديد الحماية في الحالات التي يثبت فيها وجود تهديد جديد، مع استمرار تطوير السياسات بما يحقق التوازن بين الردع والوقاية.
إن المرأة ليست مجرد رقم في سجل الضحايا، والطفل ليس خبرًا عابرًا تتناقله وسائل الإعلام؛ إنهما أساس الأسرة واستقرار المجتمع، وأي تقصير في حمايتهما هو تقصير في حماية الوطن بأسره.
لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة رد الفعل إلى مرحلة الفعل، ومن الاكتفاء بإحصاء الضحايا إلى منع سقوط ضحايا جدد؛ فنجاح أي منظومة حماية لا يُقاس بعدد البيانات التي تصدر عقب الكوارث، بل بعدد الأرواح التي استطاعت أن تنقذها قبل أن تقع الكارثة.
ويبقى السؤال الذي ينتظر إجابة عملية لا نظرية: هل نكتفي ببيانات الحزن والإدانة بعد كل جريمة، أم نجعل من كل مأساة نقطة انطلاق لإصلاح حقيقي يضمن عدم تكرارها؟
د. سحر محسوب
طبيبة وكاتبة


