الإيتوس Ethos، كما يعرّفه الناقد الكبير د. براك القعيط في كتابه المصابيح المنيرة، هو تقنية أدبية تقوم على إكساب الشخصية أو المتحدث مصداقية أخلاقية تجعلها جديرة بالتصديق داخل السرد؛ هذه التقنية ليست مجرد أسلوب لغوي، لكنها روح الشخصية نفسها التي تجعل القارئ أو المستمع يثق بها ويقبل ما تقدمه من خطاب أو أفعال.
الإيتوس يعكس العمق الداخلي للشخصية ويجعلها حقيقية وموثوقة في نظر المتلقي بحيث تصبح قراراتها وتصرفاتها مقنعة بطبيعتها.
في الأدب العربي الحديث، نجد الإيتوس حاضرا بشكل بارز في رواية “عائد إلى حيفا” لغسان كنفاني، فشخصية الأب سعيد تقدم نموذجا واضحا؛ الرجل الذي عاد بعد النكبة ليبحث عن ابنه المفقود يقدم نفسه للآخرين والقراء عبر تجربة حياة مليئة بالألم والمعاناة، لغته وهدوءه وثقته في نفسه تجعله شخصية جديرة بالتصديق، فلا يحتاج السرد إلى تبريرات إضافية أو تصاعد درامي لإقناع القارئ بمصداقيته، ما يقدمه سعيد من كلمات وأفعال ينبع من مكانة أخلاقية واضحة ومن قدرة على مواجهة الحقيقة بصدق، وهذا هو جوهر الإيتوس: الشخص الحقيقي في النص يقنع لأنه يمثل الأخلاق والجدية في ذاته.
مثال آخر يظهر قوة الإيتوس في الأدب العربي هو شخصية أبو الخيزران في رواية رجال في الشمس لغسان كنفاني أيضًا، في حديثه مع الفلسطينيين الثلاثة، يقدم أبو الخيزران نفسه كخبير مطلع على طرق العبور ومعابر الحدود، شخص موثوق يُعتمد عليه.
إن هذه المصداقية الداخلية للشخصية تجعل قراراته مقنعة وتمنح القارئ شعورًا بأن الأفعال التي يقوم بها يمكن أن تكون صحيحة وموثوقة، إذ تتكامل صورة الشخصية مع الخطاب لتولّد تأثيرا مقنعا ومتجانسا في النص.
حتى في الأدب الكلاسيكي الحديث، نجد الإيتوس حاضرا في الزيني بركات لجمال الغيطاني، حيث تقدم الشخصية نفسها بصفتها رجل عدلٍ صارم، لا يتحدث إلا بلغة تفيض بالهيبة والمصداقية الأخلاقية، القارئ يصدق ما يقوله الزيني لأنه يعكس صورة شخصية متماسكة ومتسقة مع أفعاله ونبراته، ومبنية على مصداقية أخلاقية واضحة، كل هذه العناصر تجعل شخصية الزيني نموذجا حيا على كيفية استخدام الإيتوس لإقناع الآخرين داخل السرد.
من خلال هذه الأمثلة، يتضح أن الإيتوس ليس مجرد أداة بلاغية بل تقنية أساسية لبناء الشخصية في الأدب العربي، الشخصيات التي تمتلك الإيتوس تصنع ثقلها الخاص في النص وتجعل القارئ يتجاوب مع قراراتها وتصرفاتها بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى الحيل السردية أو التصعيد الدرامي، الإيتوس هو الضمان الأخلاقي للشخصية، وهو الذي يمنح السرد قوة وتأثيرًا مستداما.
باختصار، الإيتوس كما استدعاها د. براك القعيط، يثبت أن المصداقية الداخلية للشخصية وأخلاقيتها الظاهرة في السرد، هي قوة تحويلية تجعل من الخطاب والسرد كلّهما مقنعا.
في الأدب العربي الحديث، يظهر الإيتوس بجلاء في شخصيات كـ سعيد في عائد إلى حيفا، أبو الخيزران في رجال في الشمس، والزيني بركات، ليؤكد أن الشخصية الجديرة بالتصديق تصنع النص وتمنحه الحياة والتأثير.
*ناقدة أدبية



