ليس التاريخ إلا صدى لاصطدام الأهواء البشرية، ولما ينجم عن التحامها من النكبات ومن الحروب ومن الخرائب، وعلى خلاف ذلك السلام والخير ولفضيلة، فإنها لا يُسمع لها جلبة، وبناء على هذا قد قال القائل: طُوبى للأمم التى ليس لها تاريخ وهذا لا يصح فى سورية وكان الأولى بها وبأهلها أن تبقى فى عزلتها ، دون أن تستلفت إليها نظر العالم، لكن الشعوب كما الأفراد لا يمكنها أن تؤثر لها خطة تجرى عليها باختيارها، وتنسج على منوالها حياتها العمومية؛ لأن الشعوب فى التفكير والله فى التدبير.
يقول المستشرق البلجيكى هنرى لامنس فى كتابه المذكرات الجغرافية فى الأقطار السورية إن لسورية- فضلا عن كونها من مواطن البشرية الأولى- فضل آخر، وهو موقعها العجيب وسط المعمور، فإنها قائمة فى حدود الشرق كالحارس يصونها ، وهى مع ذلك قسم صالح من حوض البحر المتوسط الذى يوصلها بأقطار الغرب، تراها منفصلة عن آسية المتقدمة بجبال طورس الشامخة وبصحارى جزيرة العرب ، يصلها بأفريقية برزخ دقيق(برزخ السويس)، واقعة على سواحل البحر المتوسط ، الذى كان يُعد إلى أواسط القرن السادس عشر كبحر المسكونة كلها، والذى أضحى منذ 3000 سنة من أخص سبل التمدن، مما جعل أهل سورية فى مقدمة رواد المدنية ونقلة الأُلفة، فقاموا بهذه المهمة أحسن قيام لمدة نيف وألف سنة.
ولذلك تراها إذا تصفحت تاريخها القديم كمعبر ومجتمع كانت تتصافح فيهما كل الأمم القديمة، فتتلاقى فيهما كأنها فى بلادها جميعا، وكأن الله سبحانه وتعالى قد قضى أن يكون هذا الالتقاء سلميا جامعا للقلوب، وربما تبلبل نظام الخالق بُسوء نيات الشعوب ، فصارت سورية ساحة للقتال ، وجرت فيها الدماء سيولا بدلا من أن تصير سوقا لتجارة الأرض، ومرسحا للأُلفة والتحاب، فكم من أمة طمعت فى اقتناء سورية وبذلت دونها كل غال ونفيس خصوصا فى أيام الآشوريين وفى عهد الفراعنة ، فكانت منافعها الجغرافية تتحول لها إلى ويلات وشرور. وقد قامت بعد هذه الدول دول أخرى تختلف اسما وجسما، لكنها لم تختلف فعلا، وكما قدم إلى سورية رعمسيس الثانى وبنوخنصر ، كذلك جاءها الإسكندر وكثيرون غيره.
أما فى وقتنا الحالى فالأطماع تتزايد والساحة السورية ملآى بالقوى السياسية الداخلية والخارجية ووفقا
لأركيولوجيا هنرى لامنس السابقة ، سأكتفى بعرض تكالب القوى السياسية الخارجية وأطماعها فى سورية، جاء فى كتاب د.جيهان عبد السلام عوض المعنون بـ التدخل الإيرانى فى منطقة الشرق الأوسط أن إيران
تبنى قاعدة عسكرية سرية جديدة فى سوريا، ويشير تقرير شبكة فوكس نيوز الأميريكية
فى 3 سبتمبر 2019 إلى أن هذه ستكون من أكبر القواعد التى تبنيها إيران فى سوريا وسيطلق عليها اسم
قاعدة الأمام على..والأمر لا يتوقف على إيران فقط فتوجد قاعدة أمريكية تبعد عن القاعدة الإيرانية 200
ميل فقط !! وكما تتواجد إيران وأمريكا فى الساحة السورية ، فهناك تركيا وروسيا وإسرائيل أيضا .
فتسعى الولايات المتحدة لاستغلال مشكلة الأكراد لتحقيق مصالحها، كذا تركيا التى أعلن رئيسها رجب
طيب اردوغان فى 18 أكتوبر 2019 أن أنقرة تعتزم إقامة 12 موقع مراقبة داخل سوريا، محذرا من أن
بلاده ستستأنف عمليتها العسكرية ضد القوات الكردية فى سوريا، إذا لم تنسحب من منطقة أمنة تسعى
لإقامتها بمحازاة حدودها. ما زال الجيش الروسى مسيطرا على قاعدة حميميم الجوية وقاعدته البحرية فى
طرطوس ، مع غموض مستقبلهما !! ودخلت إسرائيل -حاليا -على الخط دعما لطائفة الدروز!! بعد أن
كانت حجتها دائما منع إيران من إقامة فرع لـ”حزب الله” اللبنانى فى الجنوب السورى، قرب الحدود مع
إسرائيل. فقد أفاد المرصد السورى لحقوق الإنسان 9 سبتمبر 2020 ، بأن الغارات الإسرايئلية استمرت
خلال 23 شهرا ضد مواقع إيرانية فى سوريا.

والحل الوحيد هو إقامة دولة سورية قوية لا تقوم على أثنية ولا طائفية( عشرة أعراق وثلاثين معتقدا)،
والفكرة القومية السورية حظيت من قبل بداعية ومؤسس لحزب ومفكر من طراز خاص هو أنطون سعادة
(1904-1949) ، الذى قام بتأسيس حزبه القومى الاجتماعى 1932، ويقوم الحزب القومى السورى
الاجتماعى على مبادىء وأجهزة مستمدة من تجربة القومية الاشتراكية الألمانية .
والنهضة السورية التى دعا سعاده إليها تستند إلى تاريخ مغرق بالقدم سابق للعرب والإسلام ، ولا تقوم على
أسس ثقافية أو دينية أو لغوية.. تقوم على أساس وحيد هو الجغرافيا المدعوم بأساطير ما قبل التاريخ، وهو
أول مسيحى يسعى إلى تأسيس حزب لا يمت بصلة إلى معتقد الأغلبية. وقد وجدت دعوته استجابة لدى
أقليات مسيحية وإسلامية على السوء، وبالرغم من علمانيته فإنه كان شديد العداء لليهود. وقد نادى بمدرسة
مدرحية(مادة وروح) تتجاوز المسيحية والإسلام ولا مكان فيها لليهود.



