أخبار تهمكخدماترأي

الإسلاموفوبيا، كيف أعادت الجغرافيا السياسية إنتاج “العدو”؟

بقلم: سحر محسوب:

لم تعد الإسلاموفوبيا ظاهرة اجتماعية يمكن تفسيرها في إطار التعصب الديني أو الأحكام المسبقة فحسب بل أصبحت قضية ترتبط ببنية النظام الدولي وبكيفية صناعة السرديات السياسية وإدارة الأزمات، وتشكيل الرأي العام.

فكلما شهد العالم اضطرابًا أمنيًا أو اقتصاديًا أو تصاعدًا في الاستقطاب السياسي عاد الخطاب المعادي للإسلام إلى الواجهة، وكأنه أحد الأدوات الجاهزة لإعادة رسم حدود “نحن” و”هم”.

لقد أثبت التاريخ أن القوى السياسية في مختلف الدول كثيرًا ما تلجأ إلى بناء صورة “العدو” عندما تواجه تحديات داخلية أو خارجية.

فالخوف يوحد الجماهير أكثر مما توحدها البرامج السياسية والتهديد الخارجي يمنح الحكومات مساحة أوسع لتبرير سياسات استثنائية ويمنح التيارات السياسيه فرصة لاستقطاب الناخبين عبر خطاب يقوم على الهوية والانقسام.

في هذا السياق جاءت هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتشكل نقطة تحول مفصلية في إدراك العالم للإسلام لا بسبب الدين ذاته وإنما بسبب الطريقة التي أُعيد بها تشكيل الخطاب السياسي والإعلامي بعد تلك الأحداث.

فقد أصبحت “الحرب على الإرهاب” إطارًا مهيمنًا في العلاقات الدولية ومع مرور الوقت وقع في بعض الخطابات والإنتاج الإعلامي خلط بين مكافحة التنظيمات الإرهابية وبين الصورة العامة للمسلمين، رغم أن الإسلام كغيره من الأديان لا يمكن اختزاله في ممارسات جماعات متطرفة.

ومع اتساع نطاق الحروب في الشرق الأوسط وتزايد موجات اللجوء والهجرة وتفاقم الأزمات الاقتصادية في عدد من الدول وجدت بعض التيارات السياسية في الإسلاموفوبيا خطابًا جاهزًا لتفسير مشكلات معقدة عبر رواية مبسطة.

وهكذا تحولت قضايا البطالة والاندماج والهوية الوطنية وأمن الحدود إلى ملفات يُستدعى فيها الدين بوصفه عنصرًا للصراع بينما تتداخل في حقيقتها عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية أوسع.

ويلعب الإعلام وخصوصًا الإعلام الرقمي دورًا بالغ التأثير في تكريس هذه السرديات. فالخبر الذي يربط الإسلام بالعنف يحظى غالبًا بانتشار أوسع بينما لا تحظى قصص التعايش أو مساهمات المسلمين في مجالات الطب والعلوم والاقتصاد والتعليم بالاهتمام ذاته.

ومع عمل خوارزميات المنصات الرقمية على تعزيز المحتوى المثير للانفعال أصبح من السهل أن تتكرر الصور النمطية حتى تبدو للبعض وكأنها حقائق ثابتة.

ومن منظور جيوسياسي لا يمكن فصل الإسلاموفوبيا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي.

فمع انتقال العالم نحو تعددية أكبر في مراكز القوة واحتدام المنافسة الاقتصادية والاستراتيجية أصبحت الهوية والثقافة والدين أدوات ضمن ما يُعرف بـ”القوة الناعمة” و”حروب السرديات”.

وفي مثل هذه البيئات، قد يُستغل الخطاب الديني أو الثقافي لتبرير سياسات أو لتعبئة الرأي العام أو لتعزيز الانقسامات بدلًا من معالجة أسباب وجذور الأزمات.

غير أن أخطر ما في الإسلاموفوبيا ليس أثرها على المسلمين وحدهم وإنما تأثيرها في بنية الدولة الحديثة نفسها.

فحين يصبح الانتماء الديني معيارًا للخوف أو الإقصاء تتراجع فكرة المواطنة المتساوية ويضعف مبدأ سيادة القانون وتزداد قابلية المجتمعات للاستقطاب.

كما أن الخطابات الإقصائية قد توفر بيئة يستغلها المتطرفون من مختلف الاتجاهات لتغذية رواياتهم فتدخل المجتمعات في دائرة متبادلة من الخوف والتشدد.

ولا يمكن إنكار حق الدول في حماية أمنها القومي أو مكافحة الإرهاب بكل حزم فذلك واجب سيادي مشروع.

لكن نجاح هذه الجهود يتطلب التمييز الدقيق بين الأفراد الذين يرتكبون الجرائم وبين المجتمعات الدينية التي لا يجوز تحميلها مسؤولية أفعال قلة غير إسلاميه الإسلام الحقيقي.

فالدولة التي تحارب الإرهاب بسيادة القانون تعزز أمنها أما الدولة التي تسمح للتمييز بأن يحل محل العدالة فإنها تخاطر بإضعاف الثقة الاجتماعية التي تُعد أحد أهم مقومات الاستقرار.

إن مواجهة الإسلاموفوبيا لا تعني الدفاع عن دين بعينه بقدر ما تعني الدفاع عن مبدأ عالمي وهو ألا يكون الدين أو العرق أو الأصل سببًا للتمييز أو الإقصاء.

وهي معركة تتعلق بالديمقراطية واستقلالية الإعلام ومسؤولية الخطاب العام بقدر ما تتعلق بحقوق المسلمين.

لقد علمتنا تجارب التاريخ أن الكراهية قد تحقق مكاسب سياسية قصيرة الأجل لكنها لا تبني سلامًا دائمًا وأن المجتمعات
التي تُدار بالخوف تظل أكثر هشاشة من المجتمعات التي تُدار بالعدل.

فالأمن الحقيقي لا يصنعه اختلاق الخصوم بل تصنعه المؤسسات القوية والتعليم والعدالة والإعلام المسؤول واحترام كرامة الإنسان دون تمييز.

واليوم، يقف العالم أمام مفترق طرق واضح إما أن يستمر في توظيف الهويات الدينية ضمن معادلات الصراع السياسي بما يحمله ذلك من مخاطر على السلم الاجتماعي والاستقرار الدولي وإما أن يعيد الاعتبار لقيم المواطنة وسيادة القانون والتعددية باعتبارها الضمانة الحقيقية لأمن المجتمعات.

فالإسلاموفوبيا ليست أزمة المسلمين وحدهم بل اختبار لقدرة النظام الدولي على التمسك بالمبادئ التي يعلن الدفاع عنها وفي مقدمتها العدالة والمساواة وكرامة الإنسان.

سحر محسوب
كاتبة مصرية

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى