
المتأمل في رواية “عطش الشيطان” للأديب محمد هلال ــ الكاتب الصحفي وعضو اتحاد كتاب مصر ــ سيجد نفسه في مواجهة نص ملحمي متعدد الرؤى ، وليس مجرد سرد روائي تسرى في شرايين كلماته فلسفات كونية تتعلق بالإنسان في مواجهة مع قدره المحتوم المفروض عليه أوالمصنوع بيديه، ومع الشيطان في وسوسته من جانب آخر.
تلك الحالة التي واكبت إرادة الخالق في عمران الأرض وبدأ عجلة الحياة في دورانها، في أن يكون الليل والنهار، الظلمات والنور.. أن تدورأيضًا رحى القدر بتجلياته المتعددة الصوروالأشكال لنرى الإنسان والشيطان ؛ إذا خلت الدنيا من أحدهما ماعادت دنيا ، كلاهما يحتاج الآخر لتستمر حياته، ويكتمل دوره ..فنرى الشيطان يوسوس قدر طاقته.. والإنسان ينفذ، مخدرًا باللذة والطمع، لكن بعد أن تزايله النشوة يلعن الشيطان، ويعلن من جديد عداوته وعدم طاعته!

من هذا التجلي الأدبي يمكننا بسهولة أن نعرف أن “عطش الشيطان ” ملحمة روائية تكشف المستور ولا تعبأ بالمحظور ، وذلكعلى ألسنة شخصيات جدلية لاترى الحق إلا فيما تقوله هي وتفعله .. فهاهو ــ كمثال ـــ الرجل العجوز الماكرعم عبده كاتب فندق الحسينية يجسد هذا النموذج الغريب..
“كان من عادة عم عبده، رغم مراجعة الكثيرين له، أن يفسر الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، والأقوال المأثورة، حسب هواه وحسب الموقف.. أكثر من ذلك، كان يذكر الأحاديث على أنها آيات قرآنية، والآيات على أنها أحاديث وهكذا!
إذا راجعه أحد، وأكد له أن ذلك الخلط حرام، ويجب عليه التأكد قبل أن يتكلم، يضحك عم عبده ساخرًا ويقول: هل هناك فرق بين اللـه، ورسوله؟
ــــ نعم يا عم عبده، هذا كلام اللـه، وذاك كلام الرسول الكريم، الذي هو بشر يوحى إليه.
ــــ أنت الذي قلت، “يوحى إليه”، يعني أن اللـه هو الذي يقول له، ألا ترانا نقول: اللـه ورسوله، يعني ليس هناك فرق.
ــــ غلط يا عم عبده غلط.
ــــ غلط، غلط، يعني كفرت؟

وهكذا يظل عطش الشيطان إلى المزيد من النجاحات في تفانين إغواء عدوه الأبدي الأزليــ الإنسان ــ الذي فُرضت عليه عداوته قائمة.. آملًا في الفوزالكبير بالرهان القديم لتحقيق التحدي العظيم.. ويظل الإنسان أسير ملذاتنفسه المتأرحجةمابين الفجور والتقوى، يراوح طموحات أطماعها في الشر والخير.
وهكذا، لانهاية لهذا الأسر الممتع، وتلك القيود المدهونة باللذة إلا بمفارقتها.. ثم نزول الستار وإظلام مسرح الحياة .
تحوى الرواية بفصولها الخمسة والعشرين في مشهدها العام حياتين متباينتين ، يربطهما بحبل سُري رغم تباينهما البطل حسين النبوي عبدالله أو قل الشخصية المحورية التي تدور حولها الأحداث وتتحرك بشكل غير معلن تتجلى أحيانًا وتختفي أخرى.
الحياة الأولى، هي حياة البطل الريفية حيث قريته التي ولد بها ونشأ فيها، بكل تفاصيلها الحلوة والمرة، العجائبية والمعقولة العادية بل والشاذة أحيانًا.. تلك التي تسكن رأسه ولاتبرح قلبه ودائمًا مايذكرها في مجالسه، وفي أحاديثه النفسية مضفيًا عليها ثوب الجلال والجمال ، وكأنه يتدثر بها ويحتمي ، من وجع المدينة وقسوتها في أحايين كثيرة.. لاينسي أن ينوه أنها أحب بلاد الله إلى قلبه ولولا أن عادات وتقاليد أهلها أخرجته منها ماخرج ..
الحياة الثانية التي دخلها مرغمًا كونه طريد قريته، حياة المدينة بل أم المدن إذا شئت، إنها القاهرة.. ولكن مع الوقت يجد نفسه من أهلها وكأنه نشأ فيها،وذلك سر تنفرد به القاهرة وتتميز؛لاتتمتع به مدن كثيرة جدًا حول العالم، حتى قيل في وصفها ” من جاء مصر تمصر” ولا يخفى علينا أن المقصود بمصر مدينة القاهرة .. وقد كان اسمها قديمًا وحتى ستينيات القرن الماضي ” محافظة مصر” .. وذلك رغم كثرة الصعاب التي واجهها حسين وكان يدثر تضاريس نفسه وروحه في ذكريات القرية هربًا من قسوة وجفاء الواقع.. أيضًا التجارب المجنونة التي خاضها بلا عقل أو حساب لعواقب،مستسلمًا لحالة اللذة والمتعة ؛ الحسية والروحية أيضًا، كان المُخطط له فيها ذلك الرجل العجوز؛ الشيطان” عم عبده” كاتب الفندق الذي نزل فيه حسين .
قرية، رواية عطش الشيطان يمكننا القول إنها كل قرى مصر القديمة، القرية الأم التي يولد منها وحولها العديد من القرى الصغيرة .
وقد يلوح في الأفق سؤال يحمل صفه الاستنكار، يقول: لماذا تركها الشاب العاشق لها، خريج الجامعة ” حسين النبوي عبدالله”؟ ولكن لن يطول بنا وقت قراءة السطورحتى نعرف أن وراء هذه الهجرة تلك العادات الغبية ــ حد وصفه ــ لأهل القرية . وكانت زوجة أبيه ــ العروس بعد موت أم حسين ــ قد تأخر بها الحمل، وعلى عادة أهل القرية حين تتعامد الشمس تمامًا فوق قبور البلدة يفتحون فرجة أو فجوة في أعلى قبر الزوجة الولود، ويدخلون فيها رأس العروس التي تأخر بها الإنجابرجاء الحمل .. ومن عجب كان يصادف ذلك حمل الكثيرات منهن .
أحس حسين حينها بقهر شديدلانتهاك حرمة قبر أمه، ولم يجد من أبيه أو جده وجدته مايطيب به خاطره.. فقط يقولون : وماذا في ذلك إنها عادات ورثناها عن آبائنا وأجدادنا .. فأقسم أن لايعيش في بلد تنتهك شرف موتاها بهذه البلادة وموت الإحساس ..
غادرها لايعرف أين يذهب .. اللهم المعرفة الفطرية عند أهل القرى، القاهرة..لاغيرها ، فهى الأم النفسية والروحية لهم.. وفي القاهرة تلمع البقعة المضيئة في قلوب أهل القرى وهى منطقة الإمام الحسين وتحديدًا حول مسجده .
وهكذا حرم البطل قريته المحبوبة على نفسه، فعاشت أكثر مايكون في مخيلته وقلبه، مثل سجين يحن إلى أسفلت الشوارع الذي لاتفارقه صورته التي تركه عليها.
وحسب الأحداث يموت جد حسين لأمه، وكان يشبهه قلبًا وقالبًا، ذلك الرجل الصوفي شيخ الطريقة الذي يجتمع الدراويش في داره ليلًا يذكرون اسم الله حتى صلاة الفجر، لاتعرف متى ناموا ولاكيف ؟ عندما تراهم يعمرون حقولها بالحركة والنشاط نهارًا.
يوصي الجد ألايدفن إلا بعد أن يقبله حسين على جبينه ويقرأ على جثمانه ماتيسر له من القرآن الكريم .
وهكذا بعد عشرين عامًا من الغربة والقطيعة يعود حسين إلى القريةمرغمًا.. وتتفجر الذكريات وكأنها بركان حمم عنيف .
يجب ألا ننسى أن زمن الرواية في فترة الستينيات وخصوصًا السنوات التي واكبت نكسة يونيو1967 .. والتي صادفت الحريق الكبير الذي التهم ودمر بيوت القرية، وعاش الناس في الخيام مثل اللاجئين، لكل عائلة خيمة ينام فيها النساء ليلًا بينما الرجال ساهرون حول مواقد النار يحرسون الخيمة والنائمات فيها، والمواشي حولها، يقطعون الوقت الثقيل بأكواب الشاي ودخان المعسل والنكات الخفيفة والسخرية من كل شيء حتى من أنفسهم ــ على عادة أهل مصرــ فتعلو الضحكات والقهقهات من بين فوهات النكبات والمآسي التي خلفها الحريق الكبير.
يفرد الروائي محمدهلال بعذوبة وأسلوب شيق وسرد متمكن فصلًا عن النكسة وتنحي عبدالناصر.. ومحاكمته التي أقامها الجنرال طاهر شقيق عمدة القرية الذي عاد من الجبهة على كرسي متحرك فاقدًا ساقيه ، وكان يجمع حوله الجنود المصابين من أصحاب العيون الزجاجية والسيقان الخشبية والأذرع البلاستيكة. وفصلًا آخر عن موت عبد الناصر وكيف استقبلت القرية النبأ وردود أفعال أهلها..وفيما بعد أفرد فصلًا عن نصر أكتوبر الذي واكب دخول الكهرباء للشوارع والبيوت وتعاون أهل القرية في شراء مكبر صوت للمسجد الذي أعادوا طلاءه وأطلقوا عليهما ” ميكروفون النصر.. وجامع النصر” . ويفوح من الرواية عطر الحياة الصوفية الحقة وكلام رجالاتها الملغزإلا أنه رغم استغلاقه تفهمه الروح .. يقول واصفًا حال أحد رجالاتها واسمه الشيخ الأخضر مع حسين :
كان لطيف الهمس، كأنه عاشق يجيد مسامرة العشاق، لا يسخر ولا يقلل من شأن أي إحساس بشري، مهما صغر عمر صاحبه، كان يصغُر، حتى كأنه في عمر محدثه، وذلك يبعث على راحة نفسية كبيرة، قليلًا ما يجدها الصغار عند الكبار.
قال الشيخ الأخضر، كلامًا غريبًا، وتركه في حيرته ومضى.
قال فيما قال: مَن هام في بحر النار، أسكرته كؤوس الجمال، أورقت أغصانه بمداد الحب، زالت عُجمة قلبه، أغرقته أمواج الرضا، فكان من الفانين في نور الوجه.
ـــ باللـه عليك، ماذا تقصد يا شيخ؟
ــــ المحبوب لا يموت، والمحب لا يرحل، والبيت لا يخرب.
همس حسين في نفسه: ما هذه الحيرة؟ أسأله ليفصح فإذا به يعجم! ويتركني ويذهب دون استئذان، ما هذه القسوة؟ رغم أنه رجل أرقّ من النسيم، أعذب من الماء، أروع من طفل جميل؟
ــــ إلى أين يا شيخ؟
ــــ سأجيء إليكم متى فرغت آكامي.
***********
وبعدسة راصدة ينقلنا المؤلف في أحد فصول الرواية حيث يفتح البطل حسين النبوي لنا خزانة أسرار تجاربه بجوار الإمام الحسين ، وزيجاته المتعددة التي دبرها له كاتب الفندق ” عم عبده” ذلك الرجل العجيب الغريب رغم شيخوخته إلا أنه كان يتقن منالألاعيب مايعجز عنه الشيطان.. ويشرح لنا كيف يجتمع في براح المسجد الحسيني عوالم متباينة من الفجور والدعارة والمخدرات ، والتقوى والإحسان وإطعام المساكين وإيواء المحتاجين.. وكيف يكون الشق الأيمن لميدان المسجد ” سياحيًا” في كل شيء حتى الدعارة .. والشق الأيسر ” الشعبي ” حيث الباب الأخضر وباعة البخور ومأوى المشردين والمشردات ومن يعيشون على نفقات المعاصي الشعبية رخيصة التكلفة مثل أهلها.
عاش حسين النبوي عبدالله مع هؤلاء تارة وبين هؤلاء تارة.. شاركهم في لهوهم وتقواهم وكأنه يتجول في سطور رواية عجيبة مدهشة خطها القدر والإنسان والشيطان ، تمهيدًالتسجيلها في الأوراق فيما بعد لتكون رواية وثيقة وشاهد عيان على الحال في نص أدبي وليس تأريخ بمعنى التأريخ.
**********
نأتي إلى ملمح مهم في رواية “عطش الشيطان ” وهى الكتابة الملحمية.. فإن فصول الرواية تبدو وكأنها جذر منعزلة، كل فصل منها يحكي حكايته الخاصة، إلا أن القارئ سيكتشف في نهاية الرواية أن هذه الفصول ماهي إلا أجزاء في فسيفساء كبيرة هي مكونات العمل الروائي .. وأن لكل فصل توظيف في مكانه يتلاحم مع النسيج العام للعمل، يضيف إليه جمالًا إبداعيًا يكمل مشهده النهائي.. فمن سمات الرواية أن كل فصل فيها يمثل وحدة أدبية مستقلة لها مذاقها إذا ماتم قراءته وحده.. ولكنه مع غيره يكمل مشهدًا جديدًا في مكونات العمل ككل .. بمعنى أوضح أن المؤلف اعتمد أسلوب المتصل المنفصل في فصول الرواية بأسلوبيمكن وصفه بأنه كتابة ملحمية .
***********
في هذه العجالة النقدية لايفوتنا أن ننوه عن أن ” عطش الشيطان” فيها من السيرة الذاتية للكاتب والمكان بعض الشيء ، الذي تم استغلاله لنمو الحدث الدرامي وتفاعله المتنامي .. فهى ليست رواية تاريخية أو تأريخية ــ كما قلنا ــ وإنما استفادت من أحداث التاريخ بعض الشيء وكذا السيرة الذاتية لمؤلفها بعض الشيء؛ بما يخدم الفكرة العامة للرواية التىتحفظ للقرية المصرية خصوصيتها فيما بعد ثورة يوليو.. من الاندثار، أو على الأحرى تحفظ للقرية عبقها التاريخي ، وللبشر الذين عاشوا تلك الفترة تميزهم الإنساني بحلوه ومره ، بقبحه وحسنه .
تمهد أيضًا “عطش الشيطان” لنقله روائية لأحداث جديدة يدور أغلبها في الحارة المصرية بالقاهرة وعالمها الفريد ، تلك الحارات التي عاش فيها الشخصية المحورية ” حسين النبوي عبدالله ” .. وقد نوه المؤلف عن ذلك في أول الرواية والروايات التي تليها باسم “درب البهلوان” ثم ” عنبر الضعفاء”؛ التي تكشف أسرار عالم الصحافة وعلاقة السجون به .. يقول المؤلف :
عطش الشيطان.. درب البهلوان .. عنبر الضعفاء
هي ثلاث روايات منفصلة رغم مايبدو أنها متصلة، لاتحتاج أية واحدة فيها إلى الأخرى، كل رواية تنسج كيانها المستقل بنفسها، تخط تضاريسها، شخوصها ،أحداثها، دون أن تتكأ على غيرها.. فلايحتم واقع الأحداث ضرورة معرفة القارئ بالسابق، ليُفهم اللاحق، رغم الحبل السُري الذي يوحدها؛ لكن إذا شئت، هي رواية واحدة في ثلاثة أجزاء، تتكامل أحداثها، تتناسل، تتوالد، تتفاعل، شخوص وأحداث..تصنع حياتها أو قل يصنعها صانعها؛ بحلوها ومرّها وجنونها وخصوبتها وعقمها وعمقها ودهشتها وتباين أقدارها.
لذا فالمعرفة المتتالية في هيئتها المُرتبة المتكاملة كالتالي ” عطش الشيطان.. درب البهلوان.. عنبر الضعفاء” .


