أخبار تهمكاقتصاد وتكنولوجيا وعلومالرئيسيةخدمات

فلسفة الجمال

الكاتب كريسبن سارتويل

الكاتب كريسبن سارتويل
ترجمة مروان محمود
تحميل نسخة PDF

حول فلسفة الجمال ومفاهيمه، نص مترجم للـد. كريسبن سارتويل، والمنشور على (موسوعة ستانفورد للفلسفة). ننوه بأن الترجمة هي للنسخة المؤرشفة في الموسوعة والتي قد تختلف قليلًا عن النسخة الدارجة للمقالة، حيث أنه قد يطرأ على الأخيرة بعض التعديل منذ تتمة هذه الترجمة. وختامًا، نخصّ بالشكر محرري موسوعة ستانفورد على تعاونهم، واعتمادهم للترجمة والنشر على مجلة حكمة.


تعد طبيعة الجمال واحدة من أكثر المواضيع الثابتة والمثيرة للجدل في الفلسفة الغربية، وهي – مع طبيعة الفن – واحدة من مسألتين أساسيتين في الجماليات الفلسفية. وعلى نحو تقليدي، تم اعتبار الجمال من بين القيم المطلقة، مع الخير، والحقيقة، والعدل. إنه موضوع أساسي بين الفلاسفة الإغريقيين القدامى والهلنستيين وفلاسفة العصور الوسطى، وكان أساسيًا للفكر في القرن الثامن والتاسع عشر، ممثلاً بمقاربات من مفكرين مثل شافتسبري وهوتشيسون وهيوم وبوركي وكانت وشيلر وهيجل وشوبنهاور وهانزليك وسانتيانا. في بداية القرن العشرين ، كان الجمال في تراجع كموضوع للبحث الفلسفي ، وكذلك كهدف رئيس للفنون. ومع ذلك، كانت هناك علامات على إحياء الاهتمام بحلول أوائل عام 2000.

سيشرع المقال بمشهد عن الجدل حول ما إذا كان الجمال موضوعيًا أم ذاتيًا، وهو ربما الخلاف الأكثر تتبعًا في الدراسات. وسيواصل في تبيان بعض المقاربات أو النظريات الرئيسة للجمال والتي تم تطويرها ضمن نطاق التقاليد الفلسفية والفنية الغربية.


1. الموضوعية والذاتية في الجمال

ربما تكون القضية الأساسية الأكثر شيوعًا في نظرية الجمال هي ما إذا كان الجمال ذاتيًا – يكمن “في عين الناظر”- أم أنه ميزة موضوعية للأشياء الجميلة. إن الصيغة الخالصة لأي من هذين الموقفين تبدو مستحيلة، لأسباب سنتدارسها، وقد أجريت العديد من المحاولات لفصل الفرق أو دمج رؤى كل من الإفادات الذاتية والموضوعية. حددت الإفادات القديمة وفي العصور الوسطى في معظمها الجمال خارج التجارب الخاصة لأي شخص. ومع ذلك، فإن كون الجمال ذاتيًا كان شائعًا أيضًا من زمن السفسطائيين. كان هيوم قد كتب التالي بحلول القرن الثامن عشر، معبرًا عن نوع من “أنواع الفلسفة”:

الجمال ليس ميزة في الأشياء في حد ذاتها: إنه موجود فقط في العقل الذي يتأملها؛ وكل عقل يدرك جمالًا مختلفًا. لربما حتى يشعر شخص ما بالبشاعة، حيث أن الآخر حساس للجمال، ويتوجب على كل فرد أن يقبل مشاعره الخاصة، دون الادعاء لتكييف مشاعر الآخرين. (Hume 1757, 136)

ويبدأ كانط جداله حول هذه المسألة في نقد الحكم (النقد الثالث) على الأقل بصورة قاطعة:

الإعلامية هديل عليان
الإعلامية هديل عليا

إن حكم الذوق بالتالي ليس حكمًا معرفيًا، وبالتالي فهو ليس منطقيًا ولكن جماليًا ، نفهم من خلاله أن أساسه الحاسم لا يمكن أن يكون غير ذاتي. كل إشارة للتمثيلات، حتى تلك المرتبطة بالأحاسيس، قد تكون موضوعية (وبالتالي تدل على ]العنصر[ الحقيقي للتمثيل التجريبي)، عدا فقط الإشارة للشعور باللذة أو الألم، حيث لا موضوع مشار إليه، ولكن هناك مشاعر ذاتية كتأثر بالتمثيل. (Kant 1790, section 1)

على أية حال، إذا كان الجمال ذاتيًا تمامًا – أي، إذا كان أي شيء يعتبره المرء أو يخبره كونه جميلاً هو جميل (كما يؤكد جيمس كيروان على سبيل المثال) – فيبدو أن الكلمة لا تملك أي معنى، أو أننا لا نوصل أي شيء عندما ندعو شيئًا ما على أنه جميل، ربما باستثناء موقف شخصي مقبول. بالإضافة إلى ذلك ، على الرغم من أن الأشخاص المختلفين يمكن أن يختلفوا بالطبع في أحكام معينة ، فمن الواضح أيضًا أن أحكامنا متوافقة إلى حد ملحوظ: سيكون من الغريب أو المنحرف أن ينكر أي شخص أن تكون الوردة الحسنة أو غروب الشمس الدرامي جميلًا. وفي الواقع، من الممكن الاختلاف والجدال حول ما إذا كان شيء ما جميل ، أو محاولة التبيان لشخص ما أن شيئًا ما جميلاَ ، أو التعلم من شخص آخر لماذا هو كذلك.

وعلى الجانب الآخر، يبدو من العبث القول بأن الجمال لا علاقة له برد الفعل الذاتية أو أنه موضوعي تمامًا. يبدو أن هذا يستلزم ، مثلاً، أن يكون العالم الذي لا يوجد لديه مدركين يمكن أن يكون جميلًا أو قبيحًا ، أو ربما يمكن اكتشاف ذلك الجمال بواسطة الوسائل العلمية. حتى لو كان الأمر ممكنًا، فيبدو أن الجمال مرتبط بالاستجابة الذاتية، وعلى الرغم من أننا قد نجادل حول ما إذا كان شيء ما جميل، فإن فكرة أن تجارب المرء في الجمال قد تكون غير مؤهلة لمجرد عدم الدقة أو الخطأ قد تثير الارتباك والخصومة. غالبًا ما نعتبر ذوق الآخرين، حتى في حالة أنه مختلف عنا، على أنه يستحق احترامًا ما بصورة مبدئية، كما قد لا نفعل ذلك، مثلاً، في حالات الآراء الأخلاقية والسياسية والواقعية. جل الإفادات المعقولة للجمال تربطه باستجابة ممتعة أو عميقة أو محبة، حتى وإن لم تحدد الجمال بصورة خالصة في عين الناظر.

حتى القرن الثامن عشر، كانت معظم الإفادات الفلسفية حول الجمال تقاربه على أنه ذات طبيعة موضوعية: فهي تضعه في الموضوع الجميل في حد ذاته أو في صفات هذا الموضوع. يسأل أوغسطن بوضوح في عن حقيقة الدين De Veritate Religione حول ما إذا كانت الأشياء جميلة لأنها تمنح البهجة ، أو ما إذا كانت تمنح البهجة لأنها جميلة؛ انه يختار بشكل قاطع الثانية (Augustine, 247). تربط إفادة أفلاطون في الندوة Symposium وأفلوطين في التاسوعات Enneads الجمال بالاستجابة للحب والرغبة، لكن يحددان الجمال في حد ذاته في عالم المثل. في الواقع، فإن إفادة أفلوطين في إحدى لحظاتها تجعل الجمال مسألة ما قد نطلق عليه “التشكّل formedness”: امتلاك سمة الشكل المحدد لنوع الشيء الذي عليه الموضوع.

 

نرى أن كل محبة هذا العالم تنبع من خلال التواصل في نموذج مثالي. كل عدم انتظام يعترف نوعه بالنمط والمثل، طالما بقي خارح العقل والفكرة، فهو مستقبح من تلك العزلة ذاتها عن الفكر الإلهي. وذلك هو القبح المطلق: الشيء القبيح هو شيء ما لم يتم إتقانه بالكامل من خلال النمط، وهذا يعني من خلال العقل، المسألة لن تسفر في جميع النقاط وجميع النواحي إلى النموذج المثالي. لكن حيثما دخل النموذج المثالي ، فقد جمع ونسق ما كان من مجموعة متنوعة من الأجزاء ليصبح وحدة: إنه يحشد الاضطراب إلى تعاون: لقد جعل المجموع اتساق واحد متناغم: لأن الفكرة هي وحدة، وما تتقولب إليه ينبغي أن يأتي في وحدة بقدر إمكان تعدديتها.  (Plotinus, 22 [Ennead I, 6])

يكون الجمال في هذه الإفادة موضوعيًا على الأقل مثل أي مفهوم آخر، أو في الواقع يأخذ قبلية أنطولوجية معينة كونه أكثر واقعية من مثل معينة: إنه نوع من مثال المثل

على الرغم من عدم اتفاق أفلاطون وأرسطو على ماهية الجمال ، إلا أنهما يعتبرانه موضوعيًا بمعنى أنه غير كامن في رد فعل الناظر. يعامل التصور الكلاسيكي (انظر أدناه) الجمال على أنه مسألة تحاكي النسب أو العلاقات المحددة بين الأجزاء ، والتي يتم التعبير عنها أحيانًا بنسب رياضية ، على سبيل المثال “النسبة الذهبية”. تم نحت التمثال المعروف باسم “الكانون The Canon” ]تترجم canon إلى المقياس أو القاعدة أيضًا – المترجم[ من قِبل بوليكليتوس (القرن الخامس / الرابع قبل الميلاد) ، كنموذج لنسبة متناغمة ليحاكيه الطلاب والمدرسين على حد سواء: يمكن تحقيق الجمال بشكل موثوق من خلال إعادة إنتاج نسبته الموضوعية. ومع ذلك ، فمن المعتاد في المقاربات القديمة للموضوع أن نشيد بمتعة الجمال ، التي توصف غالبًا بعبارات منتشية تمامًا، كما عند أفلوطين: “هذه هي الروح التي يجب أن يحفزها الجمال: التعجب وغمرة ممتعة، الشوق والحب والرجفة وجل ذلك مبهج” (Plotinus 23 ، [Ennead 1 ، 3]).

في أواخر القرن الثامن عشر، على الرغم من ذلك، ولا سيما في الجزر البريطانية ، ارتبط الجمال بالسرور بطريقة مختلفة إلى حد ما: كان يُرى أن السرور ليس تأثير الجمال ولكن أصله. وقد تأثر هذا ، على سبيل المثال ، من خلال تمييز لوك بين الصفات الأولية والثانوية. تعامل لوك وغيره من التجريبيين مع اللون (الذي يعد بالتأكيد مصدرًا أو موضعًا للجمال) ، على سبيل المثال ، باعتباره “خيال” للعقل ، كمجموعة من الصفات التي تعتمد على رد الفعل الذاتية ، والموجودة في إدراك العقل بدلاً من العالم خارج العقل. بدون مدركين من نوع معين ، لن يكون هناك أي ألوان. وكانت إحدى الحجج لهذا الاختلاف في تجارب الألوان بين الناس.

على سبيل المثال، بعض الناس مصابون بعمى الألوان، ومعظم العالم بالنسبة لشخص مصاب باليرقان يكتسي بالأصفر. بالإضافة إلى ذلك ، يُنظر إلى نفس الموضوع على أنه ذو ألوان مختلفة من قبل الشخص نفسه في ظروف مختلفة: في الظهيرة ومنتصف الليل ، على سبيل المثال. مثل هذه الاختلافات واضحة في تجارب الجمال كذلك.

ومع ذلك ، فقد تصور فلاسفة القرن الثامن عشر مثل هيوم وكانت أن شيئًا مهمًا قد ضاع عندما تم التعامل مع الجمال على أنه مجرد حالة ذاتية. لقد رأوا ، على سبيل المثال ، أن الخلافات غالباً ما تنشأ حول جمال أشياء معينة ، مثل الأعمال الفنية والأدب ، وأنه في مثل هذه الخلافات ، يمكن في بعض الأحيان تقديم أسباب وسنجد أنها مقنعة في بعض الأحيان. لقد رأوا ، أيضًا ، أنه إذا كان الجمال متعلقًا تمامًا بالتجارب الفردية ، فإنه يتوقف عن أن يكون ذا قيمة قصوى ، أو حتى يمكن إدراكه كقيمة في جميع الأشخاص أو المجتمعات.

حاول “معيار الذوق” لهيوم و”نقد الحكم” لكانت إيجاد طرق من خلال ما يطلق عليه “تناقض الذوق”. الذوق من ناحية الأمثال ذاتي: de gustibus non est disputandum (لا نزاع يوجد حول الذوق). من ناحية أخرى ، نختلف دائمًا حول مسائل الذوق ، ويُحتجز بعض الأشخاص كمثال على الذوق السليم أو الذوق الرفيع. أذواق بعض الناس تبدو مبتذلة أو متباهية ، على سبيل المثال. ذوق بعض الناس يتم صقله بشكل رائع للغاية ، في حين أن ذوق الآخرين فظ أو ساذج أو غير موجود. يبدو أن المذاق ذاتي وموضوعي: هذا هو التناقض.

كما رأينا ، يبدأ كل من هيوم وكانت بالاعتراف بأن الذوق أو القدرة على اكتشاف أو تجربة الجمال أمر موضوعي في الأساس، وأنه لا يوجد معيار ذوق بالمعنى الذي افترضته منحوتة “المقياس”، حيث أنه إذا لم يجرب الناس أنواع معينة من المتعة ، فلن يكون هناك جمال. كلاهما يعترفان بأن الأسباب يمكن اعتبارها ، وأن بعض الأذواق أفضل من غيرها. كلاهما يعترفان بأن الأسباب يمكن أن تحسب ، وأن بعض الأذواق أفضل من غيرها. بطرق مختلفة ، كلاهما يعاملان أحكام الجمال لا بالتحديد على أنها ذاتية بحتة ولا بالتحديد على أنها موضوعية ولكن ، كما قد نشرح ذلك، كجانب ما بين ذاتي أو  كجانب اجتماعي وثقافي ، أو ما بين ذاتية تدعي المشروعية كما يترتب على ذلك مفاهيميًا.

تركز إفادة هيوم على تاريخ وحالة الناظر كونه هو أو هي من يصدر حكم الذوق. ممارساتنا فيما يتعلق بتقييم ذوق الناس تستلزم أن أحكام الذوق التي تعكس التحيز غير الاعتيادي أو الجهل أو السطحية ليست جيدة مثل الأحكام التي تعكس معرفة واسعة النطاق بمواضيع مختلفة من الحكم ولا تتأثر بالتحيزات التعسفية. “الإحساس القوي، المتحد بالعاطفة المرهفة، والمطور بالممارسة، والمتقن بالموازنة، والمصفى من كل صور التحيز، يمكنه وحده أن يعطي النقاد هذه السمة القيمة، والحكم المتصل على هذا النحو، أينما وجد، هو المعيار الحق للذوق والجمال” (“Of the Standard of Taste” 1757, 144).

يجادل هيوم كذلك بأن أحكام النقاد الذين يمتلكون تلك الصفات تميل إلى التوافق، وانتهاج التوافق على المدى الطويل، وهو ما يفسر ، على سبيل المثال ، التبجيل الدائم لأعمال هومر أو ميلتون. لذا فإن النظر في الزمن، كما تم تقييمه بواسطة أحكام أفضل النقاد ، يعمل كشيء مشابه لمعيار موضوعي. على الرغم من أن أحكام الذوق تظل ذاتية بشكل أساسي ، وعلى الرغم من أن بعض الأعمال أو الأشياء المعاصرة قد تبدو مثيرة للجدل بشكل لا يمكن علاجه، إلا أن الإجماع طويل المدى للأشخاص الذين هم في وضع جيد للحكم على يعمل بصورة مماثلة لمعيار موضوعي ويجعل مثل هذه المعايير غير ضرورية حتى لو كان من الممكن تحديدها.

على الرغم من أننا لا نستطيع أن نجد بشكل مباشر معيارًا للجمال يحدد الصفات التي يجب أن يمتلكها أي شيء من أجل أن يكون جميلًا ، إلا أنه يمكننا وصف صفات الناقد الجيد أو شخص حسن الذوق. ثم الإجماع طويل الأجل لمثل هؤلاء الأشخاص هو المعيار العملي للذوق ووسيلة تسويغ الأحكام حول الجمال.

يوافق كانط على نحو مماثل بأن الذوق ذاتي بشكل أساسي، وأن كل حكم على الجمال يستند إلى تجربة شخصية ، وأن هذه الأحكام تختلف من شخص لآخر.

من خلال مبدأ الذوق، أعني مبدأ تحت حالة يمكننا أن نستوعب فيها مفهوم الموضوع، وبالتالي نستنتج ، عن طريق القياس، أن الكائن جميل. لكن هذا مستحيل للغاية. لأني يجب أن أشعر على الفور بالسرور في تمثّل الموضوع، وأنه لا يمكن إقناعي بأي سبب من الأسباب لإثبات ذلك. رغم أنه ، كما يقول هيوم ، يمكن لجميع النقاد أن يكونوا أكثر منطقية من الطهاة ، لكن نفس المصير ينتظرهم. لا يمكنهم توقع الأساس الحاسم لحكمهم [المستمد] من قوة البراهين ، ولكن فقط من انعكاس الموضوع حسب حالته الخاصة من المتعة أو الألم. (Kant 1790, section 34)

لكن الادعاء بأن شيئًا ما جميل له مدلول أكثر من مجرد أنه يمنحني سرور. شيء ما قد يسعدني لأسباب غريبة كليًا بالنسبة لي: قد أستمتع بتجربة الحلو والمر مقابل صورة جدتي، مثلاً،  أو قد تذكرني بنية المنزل بالمكان الذي نشأت فيه. يقول كانط في (1790, section 7) “لا أحد يهتم بذلك”: لا أحد سيحسدني لمثل هذه التجارب، ولكنهم لا يقومون بأي ادعاء لتوجيها أو توافقها مع تجارب الآخرين.

على النقيض من ذلك ، فإن الحكم بأن شيئًا ما جميل، كما يجادل كانط ، هو حكم متجرد. إنه لا يستجيب لخواصي، وعلى أي حال ، إذا كنت على دراية بأنه يفعل ذلك ، فلن أعتبر نفسي أشعر بتجربة جمال الشيء المعني بحد ذاته. وكما هو الحال عند هيوم – الذي كانت مقاربته في ذهن كانت بوضوح – يجب أن يكون المرء نزيهًا للتوصل إلى حكم حقيقي للذوق، ويعطي كانت هذه الفكرة تفسيراً مفصلاً للغاية: يجب أن يتم الحكم بشكل مستقل عن النطاق الطبيعي لرغبات الإنسان – الرغبات الاقتصادية والجنسية ، على سبيل المثال ، والتي هي أمثلة على “مصالحنا” بهذا المعنى.

إذا كان أحدهم يسير عبر أحد المتاحف ويعجب باللوحات، حيث ستكون ثمينة للغاية إذا كان لهم أن يُقدموا للبيع في مزاد علني ، على سبيل المثال ، أو يتسائل عما إذا كان يمكن السرقة والتجارة فيهن، فإن المرء لا يخبُر تجربة جمال اللوحات على الاطلاق. يتعين على المرء التركيز على شكل التمثل الذهني للموضوع من أجل غايته هو، كما هو في حد ذاته. يلخص كانت ذلك بفكرة أن المرء بقدر حصوله على تجربة جمال شيء ما، فإنه لا يبالي بوجوده. عوضًا عن ذلك، ينال المرء اللذة من خلال تمثله المجرد في خبرته:

الآن، عندما يكون السؤال ما إذا كان هناك شيء جميل ، لا نريد أن نعرف ما إذا كان أي شيء يعتمد أو يمكن أن يعتمد على وجود الشيء ، إما لنفسي أو لأي شخص آخر ، ولكن كيف نحكم عليه بالملاحظة المجردة (الحدس أو التأمل). نرى بسهولة أنه من خلال قول أنه جميل،  وفي إظهار أن لدي ذوق، فأنا معني، ليس بما أرتكز عليه في وجود الموضوع، ولكن بما أقوم به بهذا التمثيل في نفسي. وعلى كل شخص الاعتراف بأن حكم الجمال، الذي يختلط بالمصالح، هو متحيز للغاية وليس حكمًا ذوقيًا نقيًا. (Kant 1790, section 2)

أحد المصادر المهمة لمفهوم الجماليات النزيهة هي حوارية اسمها الأخلاقيون لإيرل الثالث شافتسبري، حيث يتم صياغة الحجة من زاوية المناظر الطبيعية: إذا كنت تنظر إلى وادي جميل باعتباره فرصة عقارية في المقام الأول ، فأنت لا تراه لأجل غايته الخاصة، ولا يمكنك تجربة جماله بالكامل. إذا كنت تنظر إلى امرأة جميلة وتعتبرها استحواذ جنسي ممكن، فلن تكون قادرًا على تجربة جمالها بمعناه الأقصى والأنقى؛ فأنت مشتت من الشكل كما هو ممثل في خبرتك. ويحدد شافتسبري أيضًا الجمال في القدرة التمثيلية للعقل. (Shaftesbury 1738, 222)

من وجهة تظر كانت، فإن بعض الأشياء الجميلة اعتمادية – مرتبطة بنوع الموضوع الذي هو عليه –  وأخرى حرة أو مطلقة. سيكون الثور الجميل حصانًا قبيحًا ، لكن تصاميم النسيج المجردة ، على سبيل المثال ، قد تكون جميلة في حد ذاتها دون وجود مجموعة مرجعية أو “مفهوم” ، والورود تبهج سواء وصلناهم بغاياتهم العملية أو وظيفتهم في تكاثر النبات ( Kant 1790, section 16). الفكرة على وجه التحديد أن الجمال الحر منفصل تمامًا عن الاستخدام العملي وأن مجربه غير مهتم بالوجود الفعلي للموضوع ، مما يؤدي إلى استنتاج كانت بأن الجمال المطلق أو الحر موجود في شكل الموضوع أو تصميمه ، أو كما صاغها كلايف بيل ، بتنسيق الخطوط والألوان (في حالة الرسم) (Bell 1914).

وفي الوقت الذي كان يكتب فيه بيل في أوائل القرن العشرين ، كان الجمال موضة متجاوزة في الفنون ، ويصيغ وجهة نظره ليس من زاوية الجمال ولكن من حيث المفهوم الشكلي العام للقيمة الجمالية.

لأنه في الوصول لحكم الذوق الأصيل، على المرء أن يكون على وعي بأنه لا يستجيب لأي شيء خاص في نفسه، كما يؤكد كانت (1790, section 8)، وسيصل إلى نتيجة مفادها أن أي شخص في حالة معينة مشابهة سيحصل على نفس التجربة: أي ، يفترض المرء أنه يجب ألا يكون هناك شيء يميز حكم شخص ما عن حكم شخص آخر (رغم أنه قد يكون موجود في الواقع). ومن الناحية المفاهيمية في حكم الذوق ، هناك تأكيد على أن أي شخص في حالة مشابهة يجب أن يتمتع بنفس التجربة وأن يصل إلى نفس الحكم. وبالتالي، في صلب حكم الذوق هناك “الكونية”، وهي مماثلة إلى حد ما للكونية التي يربطها كانت مع الأحكام الأخلاقية.

وفي الحكم الأخلاقي، على أية حال، فإن الكونية هي موضوعية: إذا كان الحكم صحيحًا، فإنه عندئذ من الموضوعية  أن يتصرف الجميع بناءً على المبدأ الذي يتصرف المرء وفقًا له. في حالة الأحكام الجمالية ، يبقى الحكم ذاتيًا، ولكنه يحتوي بالضرورة على “مطلب” بأن الجميع يجب أن يصلوا إلى نفس الحكم. يستلزم الحكم من الناحية النظرية المطالبة بالصلاحية الذاتية. يستلزم الحكم من الناحية النظرية الادعاء بمشروعية ما بين الذاتية. وهذا يفسر حقيقة أننا كثيراً ما نتجادل حول أحكام الذوق ، وأننا نجد الأذواق التي تختلف عن أذواقنا ناقصة.

كان تأثير هذه السلسلة من الأفكار على علم الجمال الفلسفي هائلاً. يمكن للمرء أن يذكر المقاربات ذات الصلة التي اتبعتها شخصيات مثل شوبنهاور ، وهانسليك ، وبولو ، وكروتشه ، على سبيل المثال. يتخذ سانتيانا خطًا مشابهًا إلى حد ما، رغم أنه أكثر معارضة للذاتية، حيث يُعرف الجمال بأنه “لذة موضوعية”. إن الحكم على شيء جميل يستجيب لحقيقة أنه يثير نوعًا من اللذة؛ ولكن تُعزى هذه اللذة إلى الموضوع، كما لو أن الموضوع نفسه كان له حالات ذاتية.

لقد وصلنا الآن إلى تعريفنا للجمال ، والذي يعد ، من حيث تحليلنا المتتابع وتضييق المفهوم ، قيمة إيجابية وجوهرية وموضوعية. أو بلغة أقل اصطلاحية، فإن الجمال هو لذة ينظر إليه على أنه طبيعة الشيء. … الجمال هو قيمة ليست تصوراً لحقيقة أو علاقة: إنه عاطفة ، ونزوع طبيعتنا الإرادية والإعجابية.  لا يمكن أن يكون الموضوع جميلًا إذا كان لا يمكن أن يسعد أحدًا: الجمال الذي كان جميع البشر غير مكترثين به لدهر طويل متناقض بدوره. … الجمال هو بالتالي قيمة إيجابية حيث أنها جوهرية ؛ إنه السرور. (Santayana 1896, 50–51)

يبدو الأمر كما لو أن أحدهم كان يعزو السوء المتعمد إلى موضوع أو ميل. يتسبب الكائن في خيبات أمل ما، ثم يُنسب إليه وكالة أو نوع من الأجندة ذاتية التي من شأنها أن تشرح إيقاعه لتلك الآثار. الآن، وعلى الرغم من اعتقاد سانتيانا بأن تجربة الجمال يمكن أن تكون عميقة أو حتى معنى للحياة، إلا أن هذه الإفادة تبدو أنها تجعل الجمال نوعًا من الخطأ: يعزو المرء الحالات الذاتية (في الواقع، حالاته الخاصة) إلى شيء لا يستطيع في حالات كثيرة أن يكون له حالات ذاتية.

تجدر الإشارة أن مقاربة سانتيانا للموضوع في معنى الجمال The Sense of Beauty (1896) كانت آخر إفادة تقدم في الإنجليزية لبعض الوقت، ربما لأنه في حين أصبح من المسلم به أن الجمال ذاتي بشكل كامل، وناهيك عن أنه عندما يُعتقد بأنه يقوم على نوع من الخطأ، فيبدو أنه يوجد القليل ليقال. ما علق من مقاربات هيوم وكانط كان الذاتية، وليس المحاولات البطولية لتخفيفها.

إذا كان الجمال متعة ذاتية، فيبدو أنه لا يملك حالة أعلى من أي شيء يمتع أو يسلي أو يلهي، ويبدو من الغريب أو من السخف اعتباره قابلاً للمقارنة من حيث الأهمية مع الحقيقة والعدالة، على سبيل المثال. كما تخلى القرن العشرين أيضًا عن الجمال باعتباره الهدف المهيمن للفنون، وربما يعود ذلك جزئيًا إلى أن التهوين منه في النظرية قاد الفنانين إلى الاعتقاد بأنه يتوجب عليهم أن يتبعوا مشاريع أكثر واقعية وجدية. تم استكشاف هذا الانخفاض بوضوح في كتاب آرثر دانتو انتهاك الجمال  The Abuse of Beauty (2003).

على أية حال، كان هناك إحياء للاهتمام بالجمال في كل من الفن والفلسفة في السنوات الأخيرة ، وقام العديد من المنظرين بمحاولات جديدة لمعالجة تناقض الذوق. إلى حد ما، فإن هذه المقاربات يتردد صداها عند جورج إدوارد مور: “إن قول أن شيء جميل يعني، ليس في الواقع أنه في حد ذاته جيد، لكنه عنصر ضروري في الشيء والذي هو: إن إثبات أن الشيء جميل حقًا هو إثبات أن الكل، والذي يحمل علاقة معينة باعتباره جزءًا منه، هو حقًا جيد” (Moore 1903, 201). أحد التفسيرات لهذا الأمر هو أن القيمة الأساسية هي الموقف الذي يتم فيه دمج كل من الموضوع والشخص المُجرّب؛ بحيث قد تتضمن قيمة الجمال كلاً من ميزات الموضوع الجميل وملذات المُجرّب.

وعلى نحو مماثل، يعزو كريسبين ستارويل في كتاب ستة أسماء للجمال Six Names of Beauty (2004) الجمال ليس فقط إلى الذات ولا إلى الموضوع ، ولكن إلى العلاقة بينهما ، وحتى على نطاق أوسع أيضًا إلى الحالة أو البيئة التي يندمجان فيها . يشير إلى أننا عندما نعزو الجمال إلى سماء الليل ، على سبيل المثال ، فإننا لا نعامل أنفسنا للإبلاغ عن حالة من المتعة في أنفسنا ؛ نحن نتجه للخارج نحوها ؛ نحن نحتفل بالعالم الحقيقي. من ناحية أخرى ، إذا لم يكن هناك ملاحظون قادرون على تجربة مثل هذه الأشياء ، فلن يكون هناك جمال. الجمال ، بدلاً من ذلك ، ينشأ في الحالات التي تكون فيها الذات والموضوع متشابكين ومتصلين.

يصف اليكساندر نيهاماس في كتابه فقط وعد بالسعادة  Only a Promise of Happiness (2007) الجمال كإغراء لمزيد من التجارب، طريقة حيث تدعونا الأشياء للدخول فيها، في حين ربما قد تصدنا أيضًا. يدعونا الموضوع الجميل إلى الاستكشاف والتفسير ، ولكنه يتطلب منا أيضًا الاستكشاف والتفسير: لا يجب اعتبار الجمال ميزة يمكن فهمها على الفور من السطح. ونيهاماس مثل هيوم وكانط، رغم أنه في قائمة آخر، يعتبر الجمال أن له بعدًا اجتماعيًا غير قابل للاختزال. الجمال شيء نتشاركه ، أو شيء نريد مشاركته ، والتجارب المشتركة في الجمال هي أشكال اتصال مكثفة بشكل خاص. وبالتالي ، فإن تجربة الجمال ليست في المقام الأول داخل جمجمة المجرب ، ولكنها تربط الملاحظين والأشياء مثل الأعمال الفنية والأدب في مجتمعات التقدير.

أعتقد أن الحكم الجمالي لا يحظى أبداً باتفاق عالمي ، ولا ينخرط أي موضوع جميل ولا عمل فني في مجتمع عام على الإطلاق. يخلق الجمال مجتمعات أصغر، وليست أقل أهمية أو جدية لأنها متحيزة، ومن وجهة نظر أعضائها، كل واحد منهم مألوف – مألوف، بكل الأحوال، ودون التفكير في الآخرين على أنهم بدع. … ما ينطوي عليه الأمر هو أقل من مسألة فهم وأكثر من مسألة أمل، في تأسيس مجتمع نتمركز حوله – مجتمع ، من المؤكد أن حدوده تتغير باستمرار وحوافها ليست مستقرة أبدًا. (Nehamas 2007, 80–81)يستة أسماء للجمال رويل في كتابع هو حقًا جيد”والدوارد مور: “إن قول أن شيء جميل يعني، ليس في الواقع أنه في حد ذاته جميل، ولكنه عتص

2. مفاهيم فلسفية للجمال

تحتوي كل وجهة نظر تم رسمها في الأدنى على عدة تعبيرات، بعضها قد يكون غير متوافق مع بعضها البعض. في العديد من الصيغ الفعلية أو ربما معظمها ، توجد عناصر يتم تقديمها من أكثر من إفادة واحدة. على سبيل المثال، تشتمل مقاربة كانت للجمال فيما يتعلق بالمتعة النزيهة على عناصر واضحة من مذهب المتعة ، في حين أن الأفلاطونية الحديثة السعيدة عند أفلوطين لا تتضمن فقط وحدة الموضوع ، ولكن أيضًا حقيقة أن الجمال ينادي بالحب أو العشق. ومع ذلك ، تجدر الإشارة أيضًا إلى مدى اختلاف وجهات النظر بين هذه الآراء أو حتى عدم توافقها مع بعضها البعض: على سبيل المثال ، يربط بعض الفلاسفة الجمال حصريًا بالفائدة ، والبعض الآخر يربطه على وجه التحديد بعدم الفائدة.

1.2 المفهوم الكلاسيكي للجمال

يقدم مؤرخ الفن هاينرش فولفن وصفًا أساسيًا للمفهوم الكلاسيكي للجمال ، كما يتجسد ذلك في فن العمارة والرسم في عصر النهضة الإيطالية:

الفكرة المركزية في عصر النهضة الإيطالية هي في التناسب المثالي. في الشكل الإنساني كما هو الحال في الصرح ، سعت هذه الحقبة إلى تحقيق صورة الكمال باتقان في حد ذاتها. كل شكل تطور إلى وجود قائم بذاته ، الكل منسق على نحو حر: لا شيء سوى الأجزاء الحية بشكل مستقل …. في نظام التكوين الكلاسيكي ، تحافظ الأجزاء الفردية ، بغض النظر عن ثباتها في العمق ، على استقلال معين. إنها ليست فوضى الفن البدائي: الجزء مشروط من قبل الكل ، ومع ذلك لا يكف عن عن أن يكون له حياته الخاصة. بالنسبة للمتفرج ، يفترض ذلك بشكل مسبق ترابطًا ، وارتقاء من جزء إلى آخر ، وهي عملية مختلفة تمامًا عن الإدراك ككل. (Wölfflin 1932, 9–10, 15)

المفهوم الكلاسيكي هو أن الجمال يتكون من ترتيب أجزاء متكاملة في كل متماسك ، وفقًا للتناسب والتناغم والتماثل والمفاهيم المتماثلة. هذا مفهوم غربي أساسي عن الجمال ، ويتجسد في الهندسة المعمارية الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة ، والنحت ، والأدب ، والموسيقى أينما ظهرت. يقول أرسطو في فن الشعر  Poetics ” لكي تكون جميلًا ، يجب على المخلوق الحي ، وكل شيء مكون من أجزاء ، أن يقدم نظامًا معينًا في ترتيب أجزائه” (Aristotle, volume 2, 2322 [1450b34]). وفي الميتافيزيقيا: “الأشكال الرئيسية للجمال هي النظام والتماثل والدقة ، وهو ما تظهره العلوم الرياضية بدرجة خاصة” (Aristotle, volume 2 1705 [1078a36]). هذه النظرة ، كما يوحي أرسطو ، تُختزل في بعض الأحيان إلى صيغة رياضية ، مثل النسبة الذهبية ، لكن لا يلزم التفكير فيها بمثل هذه الشروط الصارمة. يتجلى المفهوم في بادئ الأمر في نصوص مثل الأصول  Elements لإقليدس وأعمال الهندسة المعمارية مثل البارثينون ، ومرة ​​أخرى ، من قبل منحوتة الكانون للنحات بوليكليتوس (أواخر القرن الخامس / أوائل القرن الرابع قبل الميلاد).

لم تكن منحوتة الكانون مجرد تمثال تم تصميمه لعرض نسبة مثالية ، ولكن عرض أطروحة مفقودة الآن حول الجمال. يصف الطبيب جالين الصيغة على أنها تحدد ، على سبيل المثال ، نسب “الإصبع إلى الإصبع ، وجميع الأصابع إلى المشط ، والمعصم ، وكل ذلك إلى الساعد ، والساعد إلى الذراع ، وفي الواقع كل شيء إلى كل شيء… . لتعليمنا في هذه الأطروحة كل تناسق الجسد، فقد دعم بوليكليتوس أطروحته بعمل، وقام بصنع تمثال الرجل وفقًا لأطروحته، وأطلق على التمثال نفسه، مثل الأطروحة، اسم الكانون” (quoted in Pollitt 1974, 15). من المهم أن نلاحظ أن مفهوم “التناسق” في النصوص الكلاسيكية مختلف عن استخدامه الحالي للإشارة إلى الانعكاس المزدوج. ويشير أيضًا بالتحديد إلى الأنواع ذات النسب المتجانسة ولقابلة للقياس بين الأجزاء المميزة للمواضيع الجميلة بالمعنى الكلاسيكي ، والتي تحمل أيضًا ثقلًا أخلاقيًا. يصف أفلاطون في كتاب السفسطائي Sophist (228c-e)، مثلاً، النفوس الفاضلة على أنها متناسقة.

يعطي المهندس المعماري الروماني القديم فيتروفيو وصفًا جيدًا للمفهوم الكلاسيكي كما هو الحال في أي من تعقيداته ، وبشكل مناسب بما فيه الكفاية ، في وحدته الأساسية:

تتألف الهندسة المعمارية من النظام، والذي يطلق عليه الإغريق النسق taxis، والترتيب، والذي يسميه الإغريق الاستعداد diathesis، والتناسب والتناسق والديكور والتوزيع، الذي يطلق عليه الإغريق التنظيم oeconomia.

إن النظام هو الضبط المتوازن لتفاصيل العمل على نحو منفصل، وبخصوص الكل، هو ترتيب النسبة الساعية لنتيجة متناسقة.

نسبة تنطوي على مظهر جميل: العرض المناسب للتفاصيل في سياقها. يتم تحقيق ذلك عندما تكون تفاصيل العمل على ارتفاع مناسب لعرضها، وعرض مناسب لطولها ؛ وباختصار، عندما يكون كل شيء لديه تناظر متناسق.

التناسق أيضًا هو الانسجام المتناسب الناشئ عن تفاصيل العمل نفسه: تناظر كل التفاصيل المعطاة بالنسبة لشكل التصميم ككل. كما هو الحال في جسم الإنسان، من الذراع، القدم، الكف، البوصة والأجزاء الصغيرة الأخرى تأتي سمة التناسق لليورثمي eurhythmy ]كلمة جذرها يوناني تعني الإيقاع الجميل أو المتناغم، ويستخدم المصطلح من المهندسين المعماريين اليونانيين للإشارة للنسب المتناسقة للمبنى. – المترجم[.(Vitruvius, 26–27)

يقول الأكويني في صيغة نموذجية للتعددية الأرسطية أن “هناك ثلاثة متطلبات للجمال. أولاً ، الكمال أو المثالية – لأنه إذا كان هناك شيء ما ضعيف ، فهو قبيح. ثم هناك النسبة المتلائمة أو التناسق. وأيضًا الوضوح: حيث تسمى الأشياء ذات الألوان الزاهية الجميلة “(Summa Theologica I, 39, 8).

يعطي فرانسيس هوتشيسون  Francis Hutcheson في القرن الثامن عشر ما قد يكون أوضح تعبير عن هذه النظرة: “ما نسميه جميلاً في الأشياء، لنتحدث في الأسلوب الرياضي ، يبدو أنه في نسبة مركّبة من الاتساق والتنوع ؛ بحيث يكون اتساق الأجسام متطابق، يكون الجمال هو التنوع، وبحيث يكون التنوع متطابق، يكون الجمال هو الاتساق.” (Hutcheson 1725, 29). في الواقع ، غالبًا ما يتحدث مؤيدو هذا الرأي “بالأسلوب الرياضي”. ويستمر هاتشيسون بإيراد الصيغ الرياضية، وبالتحديد قضايا إقليدس، باعتبارها أجمل الأشياء (في صدى آخر لأرسطو)، على الرغم من أنه يتغنى بالطبيعة بانتشاء، مع تعقيدها الهائل الذي تؤكده القوانين الفيزيائية الكونية كما كُشفت ، على سبيل المثال ، عن طريق نيوتن. ويقول هاتشيسون أن الجمال يوجد “في معرفة بعض المبادئ العالمية، أو القوى الكونية، التي تتدفق منها تأثيرات لا حصر لها. وتلك هي الجاذبية، في صيغة السير إسحاق نيوتن”  (Hutcheson 1725, 38).

قدم إدموند بيرك في كتابه بحث فلسفي في أصل أفكارنا عن الجميل والسامي  A Philosophical Enquiry into the Origin of our Ideas of the Beautiful and the Sublime سلسلة مقنعة من التفنيدات والأمثلة المضادة لفكرة أن الجمال هو مسألة نسب ما محددة بين الأجزاء، وبالتالي تفنيد للمفهوم الكلاسيكي:

نصوب أنظارنا نحو مملكة النبات ، ولا نجد شيئًا جميلًا كالزهور. ولكن الزهور من كل نوع من الأشكال ، وكل نوع من التنسيق؛ يتم تحويلها وصنعها إلى مجموعة لا نهائية من الأشكال . … إن الوردة عبارة عن زهرة كبيرة، بيد أنها تنمو على شجيرة صغيرة، وزهرة التفاح صغيرة جدًا، بينما تنمو على شجرة كبيرة، ولكن كل من الوردة وزهرة التفاح جميل. … البجعة ، وهي طائر جميل معترف به ، لها رقبة أطول من بقية جسمها ، لكن لها ذيل قصير للغاية ؛ هل هذه نسبة جميلة؟ يجب أن نسمح بأنها كذلك. ولكن ماذا نقول عن الطاووس ، الذي لديه عنق قصير نسبيا ، وذيله أطول من العنق وبقية الجسم مجتمعين؟ … هناك بعض أجزاء الجسم البشري التي لوحظ أن لها نسب معينة لبعضها البعض ؛ ولكن قبل أن يثبت ذلك ، أي أن يثبت بأن السبب المؤثر للجمال يكمن في ذلك ، يجب توضيح أنه أينما وجدت هذه النسب بالتحديد ، يكون الشخص الذي تنتمي إليه هذه النسب جميلًا.  من ناحيتي ، لقد درست بعناية عدة مرات هذه النسب ، ووجدتها متشابهة تقريبًا ، أو كليًا على حد سواء في العديد من الأشياء، والتي لم تكن مختلفة  تمامًا عن بعضها البعض فقط ، ولكن أيضًا حيث يكون شيء ما جميل جدًا ، يكون الآخر بعيدًا جدًا عن الجمال. يمكنك تعيين أي نسب تريدها لكل جزء من جسم الإنسان ؛ وأتعهد ، أن الرسام سيلاحظها جميعها، ومع ذلك يقدم صورة قبيحة للغاية إذا شاء هو ذلك. (Burke 1757, 84–89)

2.2 المفهوم المثالي للجمال

هناك العديد من الطرق لتفسير علاقة أفلاطون بالجماليات الكلاسيكية. يصف النظام السياسي المصاغ في الجمهورية The Republic العدالة من حيث العلاقة بين الجزء والكل. لكن أفلاطون كان أيضًا بلا شك معارضًا في الثقافة الكلاسيكية ، كما أن إفادة الجمال المعبر عنها على وجه التحديد في الندوة – ربما النص السقراطي الرئيس للافلاطونية الجديدة وللمفهوم المثالي للجمال – تعبر عن التطلع نحو الجمال كوحدة مثالية .

يروي سقراط في خضم حفلة شرب تعاليم مدرسته ديوتيما Diotima حول مسائل الحب. إنها تربط تجربة الجمال بالشهوانية أو الرغبة في التكاثر (Plato, 558–59 [Symposium 206c–207e]). لكن الرغبة في التكاثر ترتبط بدورها بالرغبة في الخلود أو الأبدية: ‘ولماذا كل هذا التوق إلى الانتشار؟ لأن هذا هو العنصر الأبدي والخالد الوحيد في موتنا. وبما أننا اتفقنا على أن العاشق يتوق إلى أن يصبح الخير ملكًا له إلى الأبد ، فهذا يعني أننا ملزمون بالشوق إلى الخلود وكذلك للخير – أي أن الحب هو شوق إلى الخلود ” (Plato, 559, [Symposium 206e–207a]). إن التالي، إن لم يكن كلاسيكيًا، فهو من العصر الكلاسيكي على أي حال:

لا يمكن للمرشح لهذه التعاليم، إذا كان لجهوده أن تُقدَّر، البدء مبكرًا بتكريس نفسه لمفاتن الجسد. أولاً، إذا كان مرشده يرشده كما ينبغي ، فسيقع في حب جمال جسد واحد ، لذلك قد تمنح عاطفته الحياة لمنطق نبيل. بعد ذلك، يجب عليه أن يفكر في مدى ارتباط جمال أي جسم بجمال أي جسم آخر ، وسوف يرى أنه إذا كان سيكرس نفسه لمحبة الشكل ، سيكون من العبث إنكار أن جمال أي وكل جسم متشابه. بـــعد أن وصل إلى هذه النقطة ، يجب عليه أن يعد نفسه محبًا لكل جسد جميل ، ويضع عاطفته للجسد بنسبة ملائمة من خلال اعتبارها ذات أهمية ضئيلة أو معدومة.

بعد ذلك ، يجب عليه أن يدرك أن محاسن الجسد لا تساوي شيئًا بالنسبة لجماليات للروح ، حتى يجتمع مع المحبة الروحية ، أينما التقى بجسد غير محبب ، سيجده جميلاً بما يكفي ليقع في حبه ويتعلق به – وجميلٌ كفاية ليشحذ في قلبه الشوق لمثل هكذا منطق باعتباره ينزع نحو بناء الطبيعة النبيلة. ومن هذا سيقود إلى التفكير في جمال القوانين والتشكلات. وعندما يكتشف كيف أن كل نوع من الجمال يشبه الأنواع الأخرى ، سوف يستنتج أن جمال الجسم ليس ، بعد كل شيء ، لحظة عظيمة. …

وهكذا، عندما يحمل حبه الشديد المعين للأشياء الجميلة غير الناضجة مرشحنا إلى حد أن يبزغ الجمال الكوني في بصيرته الداخلية، فإنه تقريبًا على وشك التوصل إلى الرؤيا النهائية. بدءًا من الأشياء الجميلة الشخصية، فإنه يتوجب على السعي عن الجمال الكوني أن يجد تصاعده على السلم السماوي، متقدمًا من درجة إلى درجة – وهذا يعني، من واحد إلى اثنين، ومن اثنين إلى كل جسد جميل، ومن جمال الجسد إلى جمال التشكلات، ومن التشكلات إلى التعلم، ومن التعلم بشكل عام إلى العلم الخاص الذي لا يتعلق إلا بالجمال نفسه – حتى يصل أخيرًا لمعرفة ما هو الجمال.

وإذا استطردت ديوتيما في القول، عزيزي سقراط، فإن حياة الإنسان تستحق أن تعاش، وهي كذلك عندما يحقق هذه الرؤية لروح الجمال بالذات. (Plato, 561–63 [Symposium 210a–211d])

يتم تصوير الجمال هنا – ربما بشكل صريح ضد الجماليات الكلاسيكية للأجزاء المتكاملة والكل المتماسك – على أنه وحدة مثالية، أو في الحقيقة، يتم تصويره على أنه مبدأ الوحدة في حد ذاتها.

يقترب أفلوطين، كما رأينا، من مساواة الجمال بالتشكيل في حد ذاته: إنه مصدر الوحدة بين الأشياء المتباينة ، وهو بحد ذاته وحدة مثالية. ويهاجم أفلوطين بشكل خاص ما نطلق عليه المفهوم الكلاسيكي للجمال:

يصرح الجميع تقريبًا بأن تناسق الأجزاء إزاء بعضها البعض وإزاء الكل، بالإضافة إلى جاذبية ما للألوان، يشكل الجمال الذي ندركه بالعين، وأنه في الأشياء المرئية، كما في كل الأشياء الأخرى في الحقيقة، وعلى نحو كوني، يكون الشيء الجميل بالضرورة متناسقًا ومقولبًا.

لكن فكر ما الذي يعنيه هذا.

فقط الموحَّد يمكن أن يكون جميلاً، ولا شيء أبدًا يخلو من الأجزاء، الكل فحسب، ستحظى الأجزاء المختلفة على الجمال، ليس في حد ذاتها، ولكن بوصفها تعمل معًا لتعطي كلّ جميل. بيد أن الجمال على وجه الإجمال يستلزم الجمال في التفاصيل، ولا يمكن له أن ينشأ بفعل البشاعة، فيجب على نظامه أن يسري عبر الكل.

كل جمال اللون وحتى ضوء الشمس، يكون خاليًا من الأجزاء، وبالتالي ليس جميلاً بفعل التناسق، فيجب إقصاءه من نطاق الجمال. وما سبب أن يكون الذهب شيئًا جميلاً؟ والبرق ليلاً، والنجوم، لماذا تلك الأشياء جميلة للغاية؟

وفي الأصوات، يجب أن يكون غير المندمج مرفوضًا، على الرغم أن في الغالب تكون كل نغمة مختلفة في كلِّ مؤلَّفٍ رفيع جميلة في حد ذاتها. (Plotinus, 21 [Ennead 1.6])

ويصرح أفلوطين بأن النار هي أجمل شيء مادي، “تتصاعد دائمًا، الأرق والأكثر خفة في جميع الأجساد، كما لو كانت تقترب لغير المادي. … ومن هنا روعة نورها ، الروعة التي تنتمي إلى الفكرة “(Plotinus ، 22 [Ennead 1.3]). بالنسبة لأفلوطين وأفلاطون، فإن كل التعددية يجب أن تسفر عن وحدة، وكل طرق البحث والتجربة تقود إلى الخير/الجمال/الحق/ الإلهي.

وتسبب ذلك برؤية صوفية أساسية لجمال الله والتي كما يؤكد أمبرتو إيكو استمرت جنبًا إلى جنب مع الزهدية ضد – الجمالية طوال العصور الوسطى: بهجة في الغنى الذي يندمج أخيرًا في وحدة روحية واحدة. في القرن السادس، وصف الفيلسوف ديونيسيوس Pseudo-Dionysius the Areopagite الخليقة كلها بأنها تتوق إلى الله ؛ يتم استدعاء الكون إلى الوجود من خلال حب الله باعتباره جميل (Pseudo-Dionysius، 4.7؛ see Kirwan 1999، 29). يمكن اعتبار الملذات الحسية / الجمالية تعبيرات عن غنى الله الهائل والجميل ومتعتنا نتيجة لذلك. يقتبس إيكو سوجر Suger، رئيس دير القديس دينيس في القرن الثاني عشر ، واصفا كنيسة غنية:

وهكذا ، عندما – بدافع بهجتي بجمال بيت الله – استدعاني جمال الأحجار الكريمة ذات الألوان المتعددة بعيدًا عن الاهتمام بالمظهر الخارجي ، وحثني التأمل الوجيه على التفكير ، ونقل ما هو مادي إلى غير المادي، على تنوع الفضائل المقدسة: ثم يبدو لي أنني أرى نفسي أسكن ، كما كان الحال ، في منطقة غريبة من الكون لم تكن موجودة تمامًا في وحل  الأرض ولا في نقاء السماء ؛ وأنه ، بفضل الله ، يمكنني التنقل من العالم الأدنى إلى العالم العلوي بطريقة تصعيدية anagogical. (Eco 1959, 14)

كان لهذا المفهوم العديد من التعبيرات في العصر الحديث ، وذلك متضمن في شخصيات مثل شافتسبري وشيلر وهيجل، الذين يعتبرون الجمالي أو تجربة الفن والجمال جسرًا رئيسًا (أو لاستخدام صورة أفلاطونية، درج أو سلم ) بين المادي والروحي. بالنسبة لشافتسبري ، هناك ثلاثة مستويات من الجمال: ما  يصنعه الله (الطبيعة) ؛ ما  يصنعه البشر من الطبيعة أو ما يتحول بواسطة الذكاء البشري (الفن ، على سبيل المثال) ؛ وأخيرا ما يخلق حتى صانع مثل هذه الأشياء مثلنا (أي الله). يصف ثيوكلسTheocles  ، وهو شخصية شافتسبري، “الترتيب الثالث للجمال”

التي أشكاله ليست فقط تلك التي نطلق عليها أشكالاً مجردة، لكن حتى الأشكال التي تشكل. لأننا نحن أنفسنا مهندسون بارزون في المسألة ، ويمكننا أن نظهر أجسادًا بلا حياة تم تشكيلها ، وصنعناها بأيدينا ، ولكن تلك التي تصنع حتى العقول أنفسها ، تحتوي في حد ذاتها على جميع الجمالات التي صنعتها تلك العقول ، وبالتالي فهي المبدأ ، مصدر ، وينبوع كل الجمال. … مهما يظهر في ترتيبنا الثاني للأشكال، أو مهما يُشتق أو يُنتج من ذلك، موجود بشكل بارز وبصورة رئيسية وبالأساس في الترتيب الأخير للجمال السامي والمطلق. … وهكذا العمارة والموسيقى وكل ما هو من اختراع الإنسان ، يحل نفسه في هذا الترتيب الأخير. (Shaftesbury 1738, 228–29)

كان لتعبير شيلر عن سلسلة مماثلة من الأفكار تأثير أساسي على مفاهيم الجمال التي تم تطويرها في المثالية الألمانية:

لا يمكن استخلاص مفهوم الجمال السابق للعقلانية ، إذا كان هناك شيء من هذا القبيل ، من أي حالة فعلية - بل يصحح بنفسه ويقود حكمنا فيما يتعلق بكل حالة فعلية، لذلك يجب البحث عنه على طريق التجريد ، ويمكن استنتاجه ببساطة من إمكانية وجود طبيعة حسية وعقلانية على حد سواء ؛ باختصار، يجب أن يتم عرض الجمال كشرط ضروري للإنسانية. الجمال ... يجعل من الإنسان كلٌّ ، مكتمل بطبيعته. (1795 ، 59-60 ، 86)

بالنسبة لشيلر، فإن الجمال أو العزف أو الفن (يستعمل الكلمات تقريبًا على سبيل الترادف، عوضًا عن العشوائية) يؤدي عملية تكامل أو صنع الانسجام بين الطبيعي والروحي، أو الحسي والعقلاني: فقط في مثل هذه الحالة من التكامل نحن – الموجودون على نحو متزامن على كلا هذين المستويين – أحرار. هذا يشبه إلى حد كبير “سلم” أفلاطون: الجمال كوسيلة للصعود إلى المطلق أو الروحي. لكن شيلر – على الرغم من أن هذا غير واضح في بعض الأحيان – يهتم بدمج عوالم الطبيعة بالروح أكثر من اهتمامه بتجاوز مستوى الواقع المادي تمامًا ، على غرار أفلاطون. إنه الجمال والفن الذي يؤدي هذا التكامل.

بهذه الطريقة وبطرق أخرى – بما في ذلك البنية الديلاكتيكية الثلاثية لوجهة النظر – يستبق شيلر بطريقة لافتة هيجل، الذي كتب التالي.

يجب أن يتضمن المفهوم الفلسفي للجميل، للإشارة إلى طبيعته الحقيقية على الأقل بطريقة أولية ، الانسجام داخل نفسه بين النقيضين الذين تم ذكرههم [المثالي والتجريبي] لأنه يوحد الكونية الميتافيزيقية مع خاصية الحقيقة. (Hegel 1835, 22)

قد نقول ، إن الجمال ، أو الجمال الفني على أي حال ، هو طريق من الحسي والخاص إلى المطلق وإلى الحرية ، من المحدود إلى اللانهائي ، والصياغات التي – على الرغم من تأثرها بشيلر – تُستدعى من قبل شافتسبري ، أفلوطين، وأفلاطون.

يرى كل من هيجل وشافتسبري ، اللذان يربطان الجمال والفن بالعقل والروح ، أن جمال الفن أعلى من جمال الطبيعة ، على أساس أنه ، كما يقول هيجل ، “جمال الفن مولود من الروح و ولد مرة أخرى “(Hegel 1835, 2). أي أن العالم الطبيعي مولود من الله ، لكن جمال الفن يحول هذه المادة مرة أخرى بروح الفنان. وتبلغ هذه الفكرة أوجها مع بينديتو كروتشه  Benedetto Croce، الذي ينكر تقريباً أن الطبيعة يمكن أن تكون جميلة، أو على أي حال يؤكد أن جمال الطبيعة هو انعكاس لجمال الفن. (Croce 1928, 230).

3.2 الحب واللهفة

يكتب إدموند بيرك، معبراً عن تقليد قديم ، أنه “من خلال الجمال أعني ، تلك السمة أو تلك السمات في الأجسام ، التي من خلالها يحدث الحب ، أو عاطفة ما مشابهة له” (Burke 1757, 83). كما رأينا، في كل مقاربات الجمال تقريبًا، حتى أكثر المقاربات موضوعية بوضوح أو ذات التوجه الموضوعي، هناك لحظة يتم التأكيد فيها على السمات الذاتية لتجربة الجمال: بطريقة منتشية، ربما، أو من ناحية اللذة أو التحرر من القلق ataraxia، كما هو الحال عند شوبنهاور. فمثلاً، لقد رأينا أفلوطين، الذي بالنسبة له الجمال ليس ذاتيًا على نحو قاطع، يصف تجربة الجمال بانتشاء. عرفت الروح الإنسانية في الجمال داخل التقليد المثالي، إذا جاز التعبير، أصلها الحق ومصيرها. ولقد ضرب المثل بين الإغريق فيما يخص العلاقة بين الجمال والحب من الأسطورة المبكرة، وفازت آلهة الحب أفروديت بحكم باريس من خلال وعده بأجمل امرأة في العالم.

هناك علاقة تاريخية بين الإفادات المثالية للجمال وتلك التي تربطه بالحب واللهفة، على الرغم من أنه لا يبدو هناك اقتضاء لهذه العلاقة في مطلق الأحوال. ولدينا الجزء السادس عشر الشهير لصافو ] الجزء السادس عشر من قصيدتها الغنائية المشهورة Sappho 31 – المترجم.[: “يقول البعض أنهم الفرسان المحتشدون، والبعض يقول الجنود المشاة، ويطلق الآخرون على الأسطول بأنه أجمل مشهد يقدمه العالم المظلم، ولكني أقول أن أجمل شيء هو ما تحبه أنت أكثر مهما كان”  (Sappho, 16). (في الحقيقة، يبدو أن سقراط في فيدروس c236 يتنازل “لصافو الجميلة” بوصفها تمتلك بصيرة أعظم منه إزاء الحب [Plato, 483].)

تحدث مناقشات أفلاطون حول الجمال في الندوة وفيدروس في سياق موضوع الحب الإيروتيكي. تم وصف الحب في السابق على أنه “طفل” الفقر والغنى. “كما أنه ليس حساسًا وجميلًا كما يعتقد معظمنا ، ولكنه قاسٍ وجافٍ ، حافي القدمين بلا مأوى”(Plato, 556 [Symposium 203b–d]). يتم تصوير الحب على أنه الافتقار أو الفقدان الذي يسعى إلى تحقيق غناه في الجمال: صورة للفناء بوصفها لهفة لا متناهية. الحب دائمًا في حالة من النقص وبالتالي الرغبة: الرغبة في امتلاك الجمال. وبالتالي إذا كان من الممكن تدريب حالة اللهفة اللانهائية هذه على الحقيقة ، فسوف يكون لدينا طريق إلى الحكمة. انتعشت الفكرة الأساسية عدة مرات، من خلال الرومانسيين على سبيل المثال. تدعم الفكرة عبادة الحب المثالي أو الراقي عبر العصور الوسطى، والتي أصبح فيها المعشوق رمز لللامتناهي.

أعاد العمل الأخير على نظرية الجمال هذه الفكرة، وتحول الابتعاد من اللذة نحو الحب أو اللهفة (التي ليست بالضرورة تجارب ممتعة تمامًا) بوصفهم الترابط التجريبي للجمال. يستعمل سارتويل ونيهاماس جزء صافو السادس عشر كاقتباس Epigraph ]عبارة أو اقتباس أو قصيدة تم تعيينها في بداية المستند على أنها ملخص للعمل أو مقدمة له – المترجم[. يُعرّف سارتويل الحب بأنه “غاية اللهفة”، ويصف اللهفة بالرغبة الشديدة وغير المحققة. يصفها بأنها شرط أساسي لوجود محدود في وقت محدد ، حيث نحن دائمًا في عملية فقدان لما نملكه ، وبالتالي نحن في حالة من اللهفة. ويكتب نيهاماس

أفكر في الجمال على أنه بمثابة إشارة لما نفتقر إليه ، وهو علامة على فن يعبر عن رغبتنا. … لا تقف الأشياء الجميلة غير مبالية، ولكنها توجه انتباهنا ورغبتنا إلى كل شيء آخر ينبغي علينا تعلمه أو نكتسبه بغية الفهم والاستحواذ، وهي تنعش الإحساس بالحياة، وتعطيها ثوبًا ومسلكًا جديدًا. (Nehamas 2007, 77)

4.2 مفاهيم السعي للمتعة

كان مفكرو القرن الثامن عشر – كثير منهم ذو توجه نحو التجريبية – يفسرون الجمال من حيث المتعة. يقول المؤرخ الإيطالي لودوفيكو أنطونيو موراتوري  Ludovico Antonio Muratori، على سبيل المثال ، في صيغة نموذجية تمامًا ، “نتفهم على نحو عام كل شيء، عندما يُرى أو يُسمع ، أو يُفهم ، ويبهجنا ويسرّنا ويفتننا من خلال التسبب في أحاسيس محببة لدينا” (see Carritt 1931, 60). بالنسبة لهوتشيسن ، ليس من الواضح ما إذا كان يتعين علينا أن نتصور الجمال في المقام الأول من حيث الأسس الصورية الكلاسيكية أو من حيث استجابة المشاهد الممتعة. بدأ كتابه بحث في أصل أفكارنا إزاء الجمال والفضيلة بالنقاش عن اللذة. ويبدو أنه يؤكد أن الأشياء التي تحاكي “نسبته المركبة من الاتساق والتنوع” هي منطقيًا أو بالضرورة قادرة على تسبيب المتعة:

لذة الحس الوحيدة ، التي يبدو أن الفلاسفة لدينا يأخذونها في الاعتبار ، هي تلك التي تصاحب الأفكار البسيطة للإحساس ؛ ولكن هناك متعة أكبر بكثير في تلك الأفكار المعقدة للأشياء ، والتي تحظى بتسميات الجميل ، والمتناسق ، والمتناغم. وبالتالي، يعترف كل شخص بأنه أكثر سرورًا بوجه جميل، أو صورة صحيحة، من رؤية أي لون واحد، ولو كان هذا اللون قويًا وحيويًا قدر الإمكان، وأكثر متعة باحتمال سطوع الشمس بين السحب المستقرة، بنصف كرة لامعة كالنجوم، ومشهد جميل، وبناء متناسق، من سماء زرقاء صافية، وبحر هادئ، أو سهل كبير مفتوح، لا تنوعه الغابات والتلال والمياه والمباني: ومع ذلك، هذه المظاهر الأخيرة ليست بسيطة تمامًا. ولذلك، في الموسيقى تكون لذة المؤلَّف الجميل أعظم بشكل لا مثيل له من أي نغمة وحيدة، مهما كانت جميلة وغنية ورائعة. (Hutcheson 1725, 22)

عندما يمضي هاتشيسون بعد ذلك لوصف “الجمال الأصلي أو المطلق” ، يفعل ذلك ، كما رأينا ، من حيث صفات الشيء الجميل ، ومع ذلك ، يصر على أن الجمال يتركز في التجربة الإنسانية للمتعة. لكن بالطبع يمكن أن تنفصل فكرة المتعة عن التفضيلات الجمالية الخاصة لهوتشيسون ، والتي تتعارض تمامًا مع تفضيلات أفلوطين ، على سبيل المثال. أن نجد المتعة في مبنى متناسق بدلاً من مبنى غير متناسق (إذا فعلنا) هو أمر محتمل. ولكن أن الجمال مرتبط بالمتعة ، حسب هولشتسون ، يبدو أمرًا ضروريًا ، والمتعة التي هي موضع الجمال في حد ذاتها لديها أفكار أكثر من الأشياء بصفتها موضوعًا للذة.

يكتب هيوم في سياق مماثل في مقالة عن الطبيعة البشرية:

الجمال هو ذلك النظام والبنية من الأجزاء باعتباره،  إما عن طريق النظام الأساسي لفطرتنا، أو العادة، أو الهوى، صالح ليمنح المتعة والرضى للروح. ... إذن، ليس ضروريًا أن تكون المتعة والألم مرافقة للجمال والقبح، ولكن يشكلان جوهرهم الحقيقي. (Hume 1740, 299)

على الرغم من أن هذا يبدو غامضًا في تحديد موقع الجمال في المتعة أو في الانطباع أو الفكرة التي تسببه ، فإن هيوم يتحدث في الحال عن “إحساس الجمال” ، حيث يكون الإحساس ،تقريبًا، تكون استجابة ممتعة أو مؤلمة للانطباعات أو الأفكار ، على الرغم من أن الجمال مسألة ملذات مُلقّنة أو شديدة الحساسية. في الواقع ، بحلول وقت النقد الثالث لكانط وبعد ذلك ربما لمدة قرنين من الزمان ، أصبحت العلاقة المباشرة للجمال تؤخذ بوصفها أمرًا شائعًا، لدرجة أن المفكرين غالباً ما يعرّفون الجمال كنوع معين من المتعة. مثلاً، بينما لا يزال سانتيانا يشير باتجاه أن ما يسبب اللذة هو الموضوع أو التجربة، فهو يعرف الجمال بشكل قاطع على أنه نوع معين من اللذة.

إحدى نتائج هذه النهج المتبع إزاء الجمال – أو ربما تعبيرًا متطرفًا عن هذا التوجه – هو تأكيد الوضعيين على أن كلمات مثل “الجمال” لا معنى لها أو بدون مغزى معرفي ، أو مجرد تعبيرات عن موافقة ذاتية. لم يكن  كل من هيوم وكانط قريبين حتى للتصريح بأن الجمال مسألة إحساس أو لذة وبالتالي يكون ذاتيًا، أكثر من كونهم كانوا يحاولون التخفيف من وطأة الأمر عبر التأكيد على الإجماع النقدي إلى حد كبير. ولكن بمجرد إقرار هذا القبول الأساسي ، يصبح أي إجماع مشروطًا. هناك طريقة أخرى لصياغة هذا وهي أنه يبدو لبعض المفكرين بعد هيوم وكانط أنه لا يمكن أن يكون هناك أي أسباب لتفضيل الإجماع على تقييم مضاد للإجماع. يكتب أ.ج. آير A.J. Ayer :

يتم استعمال كلمات جمالية مثل “جميل” و “قبيح” … ليس للإدلاء ببيانات عن حقائق ، ولكن ببساطة للتعبير عن مشاعر معينة واستحضار رد معين. يترتب على ذلك … أنه ليس من المعقول إسناد قيمة ]نفاذ أو وجاهة – المترجم[ موضوعية إلى الأحكام الجمالية ، ولا توجد إمكانية للجدل حول مسائل القيمة في علم الجمال. (Ayer 1952, 113)

كل الادعاءات ذات المعنى تتعلق إما بمعنى العبارات أو أنها تجريبية ، وفي هذه الحالة تكون ذات معنى لأن الملاحظات يمكن أن تؤكدها أو تفندها. ليس جملة “هذه الأغنية جميلة” تصنيف، وبالتالي ليس لها مغزى تجريبي أو مفاهيمي. إنها تعبر فقط عن موقف إيجابي لمشاهد معين ؛ إنها تعبير عن المتعة، مثل تنهيدة مسرورة.  مسألة الجمال ليست مسألة حقيقية ، ويمكننا أن نتركها بسلام وراءنا أو لوحدها. فعل معظم فلاسفة القرن العشرين ذلك.

5.2 النفع وعدم النفع

يماهي الفلاسفة في التقليد الكانطي تجربة الجمال مع اللذة النزيهة ]غير المتحيزة disinterested – المترجم[، والمسافة النفسية، وما شابه، ويناقضون الجمالي مع العملي. “إن الذوق هو ملكة الحكم على موضوع أو طريقة تمثيله من خلال سرور أو استياء نزيهين تمامًا. وهدف مثل هذا السرور يُسمى الجميل. (Kant 1790, 45). يميز إدوارد بولو Edward Bullough  بين الجميل والمقبول فحسب على أساس أن الأول يحتاج إلى مسافة عن الشؤون العملية: “تحدث المسافة في المقام الأول من خلال وضع الظاهرة، إذا صح التعبير، في حالة منفصلة عن ذاتنا الواقعية والعملية، من خلال السماح له بالوقوف خارج سياق احتياجاتنا الشخصية وغاياتنا.” (Bullough 1912, 244)

من ناحية أخرى ، ذهب العديد من الفلاسفة في الاتجاه المعاكس وعرفوا الجمال بملاءمته للاستعمال ]أن يكون نافعًا – المترجم[. ربما يكون “الجمال” أحد المصطلحات القليلة التي يمكن أن تحمل مثل هذه التفسيرات المتعارضة تمامًا.

وفقًا لديوجانس اللايرتي، فإن الهيدوني ]نسبة للمدرسة الهيدونية. يمكن ترجمتها إلى المتعي hedonist – المترجم[ القديم أريستبوس القورينائي Aristippus of Cyrene  اتخذ بالأحرى نهجًا مباشرًا.

أليس إذن، أيضًا، المرأة الجميلة مفيدة بقدر كونها جميلة، وأن الولد والشاب مفيدان بقدر جمالهم؟ حسنًا ، يجب أن يكون الولد الوسيم والشاب الوسيم مفيدين تمامًا بقدر وسامتهم. والآن، فائدة الجمال هي في أن يكون مقبولاً. إذا قام رجل بمعانقة امرأة إذن، فقط لمجرد أنه من المفيد بأنه يجب أن يفعل ذلك، فهو لا يخطئ، وأيضًا، لن يكون مخطئًا في استعمال الجمال لغايات يكون مفيدًا لها. (Diogenes Laertius, 94)

في بعض النواحي ، يتم وصف أريستيبوس بطريقة محاكاة ساخرة : إنه الأسوأ من السفسطائيين ، على الرغم من أنه من المفترض أنه من أتباع سقراط. ومع ذلك ، فإن فكرة الجمال باعتباره ملائمًا للاستعمال معبر عنها عند عدد من المفكرين. تنسب تذكارات كسينوفون Xenophon’s Memorabilia وجهة النظر تلك إلى سقراط ]والتي لم يقلها بنفسه، وهو نوع أدبي انتشر في اليونان يطلق عليه الحوار السقراطي، ويكون سقراط في الغالب شخصية رئيسة فيه-  المترجم[ أنه قال كمحاور لأريستيبس:

سقراط: باختصار ، كل شيء نستخدمه يعتبر جيدًا وجميلًا من وجهة النظر نفسها ، أعني فائدته.

أريستيبس: لماذا إذن ، سلة الروث شيء جميل؟

سقراط: بالطبع هي كذلك ، والدرع الذهبي قبيح ، إذا كان أحدهما ملائماً بصورة رائعة لهدفه والآخر سيء.  (Xenophon, Book III, viii)

يعبر بيركلي عن وجهة نظر مماثلة في حواره السيفرون  Alciphron، على الرغم من أنه يبدأ بمفهوم متعي: “كل شخص يعرف أن الجمال هو ما يمتع”(Berkeley 1732, 174, see Carritt 1931, 75). ولكنه يمتع لأسباب المنفعة. وهكذا ، كما يقترح كسينوفون، في هذا الرأي ، فإن الأشياء جميلة فقط فيما يتعلق بالاستعمالات المعدة لها أو التي يتم تطبيقها كما ينبغي.  النسب الملائمة للموضوع تعتمد على نوع الموضوع، ومرة أخرى، فإن الثور الجميل من شأنه أن يجعل حصانًا قبيحًا. “لذلك ، يجب أن تكون الأجزاء ، بنسب صحيحة ، مرتبطة بشكل كبير ، ومتكيفة مع بعضها البعض ، لأنها ربما أفضل تضافر للمنفعة وعمل الكل”(Berkeley 1732, 174–75, see Carritt 1931, 76). إحدى نتائج ذلك هي أنه على الرغم من أن الجمال لا يزال مرتبطًا بالمتعة، إلا أنه ليس تجربة محسوسة مباشرة. إنها تتطلب بشكل أساسي نشاطًا فكريًا ونشاطًا عمليًا: على المرء أن يعرف فائدة شيء ما ، وتقييم مدى ملاءمته لتلك الفائدة.

غالبًا ما تستعمل هذه المقاربة للجمال ، على سبيل المثال ، لانتقاد التمييز بين الفنون الجميلة والحرفية، ويتفادى الفلستية philistinism  المطلقة من خلال إثراء مفهوم “النفع”،  بحيث قد لا يشمل أداء مهمة عملية فحسب ، بل تأديتها جيدًا بشكل خاص أو بسرور على نحو استثنائي. يضيف أناندا كوماراسواميAnanda Coomaraswamy ، الباحث السيريلانكي – البريطاني لفنون العصور الوسطى الهندية والأوروبية ، أن العمل الفني أو الحرفي الجميل معبر عنه بالإضافة إلى أنه يخدم غرضه.

ليست الكاتدرائية أكثر جمالاً من الطائرة، … ولا النشيد أكثر من جمالاً من المعادلة الرياضية. … السيف المصنوع جيدًا ليس أجمل من مبضع جيد الصنع ، رغم أن أحدهما يستخدم للذبح والآخر للشفاء. الأعمال الفنية جيدة أو سيئة ، جميلة أو قبيحة بحد ذاتها، إلى الحد الذي تكون فيه أو لا تكون مصنوعة بشكل حسن ومخلص، وهذا يعني، سواء عبرت أو لم تعبر عن غاياتها أو خدمت تلك الغايات أم لا (Coomaraswamy 1977, 75)

يعود روجر سكروتون في كتابه الجمال  Beauty  (2009) إلى كانطية معدلة فيما يتعلق بكل من الجمال والسمو، والمدعمة بعدة أمثلة مختلفة. يكتب سكروتون: “نسمي شيئًا ما جميلاً، عندما نحظى بلذة من تأمله باعتباره موضوعًا مستقلاً، لمقصده الخاص، وفي شكله المُقدَّم.” (Scruton 2009, 26)

وبصرف النظر عن الإطار الكانطي، يضع سكروتون، مثل سارتويل ونيهاماس، التمييز الذاتي/الموضوعي موضع تساؤل. يقارن تجربة شيء جميل بقبلة. إن تقبيل شخص ما يحبه المرء ليس مجرد وضع جزء من الجسم على الآخر “، بل لمس الشخص الآخر في نفسه الحقيقية. وبالتالي، القبلة هي تسوية – إنها حركة من ذات نحو أخرى، واستدعاء الآخر إلى سطح كينونته.” (Scruton 2009, 48)


المراجع

  • Aquinas, Thomas, Summa Theologica, Fathers of the English Dominican Province, trans., London: Christian Classics, 1981 [13th century text].
  • Augustine, Earlier Writings, J.H. Burleigh, ed., New York: WJK Publishing, 1953 [4th/5th century AD text].
  • Aristotle, The Complete Works of Aristotle, in two volumes, Jonathan Barnes, ed., Princeton: Princeton University Press, 1984 [4th century BCE text].
  • Ayer, A.J., 1952, Language, Truth, and Logic, New York: Dover.
  • Bell, Clive, 1914, Art, London: Chatto & Windus.
  • Berkeley, Bishop George, 1732, Alciphron: or, The Minute Philosopher, London: Tonson and Co.
  • Bullough, Edward, 1912. “‘Psychical Distance’ as a Factor in Art and as an Aesthetic Principle,” British Journal of Psychology, 5. Widely anthologized, e.g., in Cahn, Steven and Meskin, Aaron, 2008. Aesthetics: A Comprehensive Anthology, Malden, MA: Blackwell.
  • Burke, Edmund, 1757, A Philosophical Enquiry into the Origin of our Ideas of the Sublime and Beautiful, Oxford: Oxford University Press, 1990.
  • Carritt, E.F., 1931, Philosophies of Beauty, London: Oxford University Press.
  • Coomaraswamy, Ananda, 1977, Traditional Art and Symbolism (Selected Papers, volume 1), Princeton: Bollingen.
  • Croce, Benedetto, 1928, “Aesthetica in Nunc,” in Philosophy, Poetry, History, Cecil Sprigge, trans., London: Oxford University Press, 1966.
  • Danto, Arthur, 2003, The Abuse of Beauty, Chicago: Open Court.
  • Diogenes Laertius, The Lives and Opinions of Eminent Philosophers, C.D. Yonge trans., New York: George Bell & Sons, 1895 [3rd century CE text].
  • Eco, Umberto, 1959, Art and Beauty in the Middle Ages, Hugh Bredin, trans., New Haven: Yale University Press, 1986.
  • Hanslick, Eduard, 1891, The Beautiful in Music, Gustav Cohen, trans., London: Novello and Company.
  • Hegel, G.W.F., 1835, Hegel’s Aesthetics: Lectures on Fine Art, in two volumes, T.M. Knox, trans., Oxford: Clarendon, 1975.
  • Hume, David, 1757, “Of the Standard of Taste,” Essays Moral and Political, London: George Routledge and Sons, 1894.
  • –––, 1740, A Treatise of Human Nature, Oxford: Oxford University Press, 1988.
  • Hutcheson, Francis, 1725, An Inquiry into the Original of our Ideas of Beauty and Virtue, Indianapolis: Liberty Fund, 2004.
  • Kant, Immanuel, 1790, Critique of Judgement, J.H. Bernard, trans., New York: Macmillan, 1951.
  • Kirwan, James, 1999. Beauty, Manchester: Manchester University Press.
  • Moore, G.E., 1903, Principia Ethica, Mineola, NY: Dover, 2004.
  • Mothersill, Mary, 1984, Beauty Restored, Oxford: Clarendon.
  • Nehamas, Alexander, 2007, Only a Promise of Happiness: The Place of Beauty in a World of Art, Princeton: Princeton University Press.
  • Plato, Collected Dialogues, Edith Hamilton and Huntington Cairns, eds., Princeton: Princeton University Press, 1961 [4th century BCE text].
  • Plotinus, The Six Enneads, Stephen McKenna and B.S. Page, trans., Chicago: Encyclopedia Britannica Publishing, 1952 [3rd century CE text].
  • Pollitt, J.J., 1974, The Ancient View of Greek Art, New Haven: Yale University Press.
  • Pseudo-Dionysius, Works of Dionysius the Areopagite, John Parker, trans., London: James Parker and Co., 1897 [originally 5th or 6th century CE].
  • Santayana, George, 1896, The Sense of Beauty, New York: Scribner’s.
  • Sappho, The Poetry of Sappho, Jim Powell, trans., Oxford: Oxford University Press, 2007 [7th or 6th century BCE text].
  • Sartwell, Crispin, 2004, Six Names of Beauty, New York: Routledge
  • Schiller, Friedrich, 1795, On the Aesthetic Education of Man, New York: Dover, 2004.
  • Schopenhauer, Arthur, 1818, The World as Will and Idea, E.F.J. Payne, trans., New York: Dover, 1966.
  • Scruton, Roger, 2009, Beauty, Oxford: Oxford University Press, 2009.
  • Shaftesbury, Third Earl of, 1738, “The Moralists, a Philosophical Rhapsody, “ Characteristicks of Men, Manners, Opinions, Times, Indianapolis: Liberty Fund, 2001.
  • Vitruvius, On Architecture, Frank Granger, trans., Cambridge: Harvard University Press, 1970 [originally 1st century BCE].
  • Wölfflin, Heinrich, 1932, Principles of Art History, M.D. Hottinger, trans., New York: Dover, 1950.
  • Xenophon, Memorabilia, E. C. Marchant, trans., Cambridge: Harvard University Press, 1923 [4th century BCE text].

أدوات أكاديمية

How to cite this entry.
Preview the PDF version of this entry at the Friends of the SEP Society.
Look up this entry topic at the Indiana Philosophy Ontology Project (InPhO).
Enhanced bibliography for this entry at PhilPapers, with links to its database.

مصادر أخرى على الإنترنت

[Please contact the author with suggestions.]

مداخل ذات صلة

Aquinas, Saint Thomas | Aristotle | Ayer, Alfred Jules | Burke, Edmund | Croce, Benedetto: aesthetics | hedonism | Hegel, Georg Wilhelm Friedrich | Hume, David | Kant, Immanuel | Kant, Immanuel: theory of judgment | medieval philosophy | Neoplatonism | Plato | Plotinus | Santayana, George | Schiller, Friedrich | Schopenhauer, Arthur | Scottish Philosophy: in the 18th Century | Shaftesbury, Lord [Anthony Ashley Cooper, 3rd Earl of]


[1] Sartwell, Crispin, “Beauty”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2017 Edition), Edward N. Zalta (ed.), URL = <https://plato.stanford.edu/archives/win2017/entries/beauty/>.

الوضع الراهن لـ الفلسفة الألمانية ومهمتها المستقبلية - مارتن هايدجر

الوضع الراهن للفلسفة الألمانية ومهمتها المستقبلية

الكاتب مارتن هايدجر
ترجمة يوسف أشلحي

     نحن مدعوون، بشكل مشترك، إلى إيفاء النظر الحصيف في هذا الموضوع، تبعا للخطوات الثلاث التالية:

1ـ إمعان النظر “Besinnung”في موضع تساؤلاتنا- التوطئة.

2ـ طرح بعض التساؤلات الأساسية – العرض.

3ـ تهيئ الاختيار من خلال تراكم الأسئلة الكبرى-الخاتمة.

   1 –إمعان النظر  في موضع تساؤلاتنا.

         بما أن القول (die Rede) ينجم عن الفلسفة، فقد عنّ للمرء أن يعيد صياغة الكلمة اليونانية”φιλοσοφια” بوصفها تفيد (محبة الحكمة) “Liebe zur weisheit”. فالحكمة هي ضرب من المعرفة”Wissen”، التي ليست من قبيل أنها تعبّر عن هذا أو ذاك، ولا هي قبل كل شيء تعبّر  عن ضرب من المعرفة- التي  تنطوي على تحديد ماهوي لما هو كائن وغير كائن؛ والمعرفة الماهوية بكينونة الأشياء وظاهرها- التي تنبع منها بشكل غير مباشر كل القرارات الأولى والأخيرة.

          ليست الفلسفة تعبيرا عن الحكمة وفقط، بقدر ما هي تعبّر عن حب مفطور عن الحكمة.  يحيل الحبّ ضمن ما يحيل على : إرادة  (Wollen)غرضها أن يكون ما نحب على ما هو عليه. لهذا تدل محبة الحكمة على: إرادة أن تتعيّن كل معرفة على نحو ماهوي. رب معرفة أخرى لا تلبث على حالها. وهي على حال التحول كلما كان حدوثها يكون تجسيدا لإرادة المعرفة، وليست إرادة المعرفة سوى إبداء التساؤلات. ومن ثمة حقّ أن تصبح الفلسفة تعبيرا عن الإرادة أو العزم الوطيد جهة طرق أبواب التساؤلات الماهوية التي تخصّ الكينونة (Sein) والظهور(Schein) كونا وعدما.

         فهل بذلك نحن نعلم الآن حق العلم ما هي الفلسفة؟ الجواب يكون بالنفي!؛ إنما فضل  ما قيل يكمن في كونه يمثل إشارة أولية بشأن  الوجهة(Richtung) والجهة (wo)التي يستوجب أن نهتدي نحوها بحثا، وذلك إن نحن رمنا اختبار الفلسفة حق الاختيار. فأين أمكن لنا أن نعاينها حق المعاينة؟ أي بوصفها ضرب من  الانكشاف الحقيقي الذي يقع ضمن الواقع الراهن (heutigen Wirklichkeit). وفي ضوء ذلك سيتاح لنا أن نبصر على نحو جيد ما ذا يُوقّع باسم الفلسفة وما هي المهمّة التي تضطلع بها في الوقت الراهن. فحق بذلك أن يعد هذا الأمر الموضع الذي سينصبّ حوله نقاشنا.

         بناء على هذا الأمر، فقد أمكن لنا، ومن الآن، تعيين التوجهات التي اتخذتها الفلسفة في وجودنا الراهن: بإمكاننا تقويم خطوطها الوجيهة، والإشارة إلى أسّ تمثلاتها، والإبانة عن مضامينه الأساسية. وتجدر الإشارة إلى أن التوجهات الفكرية القائمة إما تجدها  أحرص  على استنساخ العمل الفكري الذي خلّفه ثلاث قامات فكرية في القرن 19م أو العمل على تعديله في أحسن الأحوال؛ وهم هيجل (Hegel)، كيركيجارد (Kierkegaard)، ونيتشه (Nietzsche). مع هيجل وصلت الفلسفة الغربية إلى أوج اكتمالها. من بين الأنساق الفلسفية الكائنة، يظل النسق الوحيد للفلسفة الغربية (abendländischen Philosophie) الذي تأتى له دمج حقيقة المسيحية مع حقيقة الفلسفة ضمن معرفة مطلقة . كما ساهم كيركيجارد من جهته في إعادة إحياء الوجود الفردي الذي يخص المسيحية ضمن مجال الإيمان في مقابل المعرفة المطلقة التي تميّز الفلسفة. مع نيتشه سيتحقق الوصل بين الاثنين- الفلسفة والمسيحية المتوراثين-  وذلك لدورهما في توطيد السبيل نحو العدمية الأوربية(Europäschen Nihilismus)-  فالحقيقة الأساسية التي كانت تنبني على القيمة المتسامية (obersten Werte) غدت في حلّ من كل قيمة (Sich entwerten)- إذ سيُفتقد الهدف كما هو الحال بالنسبة للجواب الذي يخص سؤال: لماذا  (Warum).

         إن وضع الفلسفة الراهنة، ولو من دون أن تدرك هذا الأمر ، ليشي على كونها ذا علاقة وطيدة بالقوة الناظمة (einheitliche Macht) لدى هؤلاء المفكرين الثلاث الكبار، وأيضا على أنها تظل تحتفظ بوشاجة عميقة مع هذا أو ذاك- تـأخذ كل مرة  شطرا من هذا الفكر أو ذاك، فتنشغل في حبك هذا ضد هذا. لعله من خلال هذه المساعي كلها، أمكن لنا أن نقدم وصفا في غاية الإسهاب. كيف ذلك؟

قد يتأتى لنا حقا أن نحيط علما، بوصفنا شهودا، بما يُوقّع باسم الفلسفة، ولربّما يتاح لنا أيضا أن نسهم بملء بعض الثغرات التي تعتري ثقافتنا  (lücken unserer Bildung). فهل بذلك، نكون قد شرعنا  في أن نتعاطى للفلسفة على النحو الذي يجب؟ فليس الأمر كذلك البتة، وإنما على النقيض من ذلك!

         كلما تعلق الأمر بالفلسفة، إلا وجدنا نفسنا أمام سوء فهم وخيم. ولئن تساءلنا لأي سبب؟ لنجد  أنه لئن اكتفينا بهذا السبيل سبيلا نحو النظر في واقع الفلسفة رهنا وفيما تعد به، لنجعل أنفسنا عرضة السقوط في حبائل ظاهر الفلسفة بدل النفاذ إلى كينونتها؛ لأنه كلما أقبلنا على البحث عن الفلسفة من حيث هي مجرد عبارة أو مقدرة معينة تخص زمن بعينه، كلما تعذّر تقدير الفلسفة حق قدرها على نحو ما تعيّنت في الزمن الحاضر والفائت والمنشود- وكلما أسيء تقدير التعيّن الأساسي الذي يخص ماهيتها: حيث تظل كل الأسئلة الجوهرية التي تخص الفلسفة في كل وقت كأنها أبعد ما تكون ملائمة لزمنها. ولهذا، فإما ترى الفلسفة أحرص على وضع مسافة مع الواقع الذي يخصها، وإما أنها تكون أحرص على ربط هذا الراهن مع الزمن المبكّر (früher) ومع ما كان في البدء (anfänglich Gewesenes).  إذ ليس هي عبارة دوما عن ضرب من المعرفة التي تكفّ على  أن تكون ملائمة لوقتها، بقدر ما هي أحرص على وضع الزمن وفق مقاسها.

          لا تتقيد الفلسفة من حيث الجوهر بزمن معين (unzeitgemäß)، ما دام أنها تنتمي إلى تلك الفئة القليلة جدا التي لا يمكن البتة أن تجد لمصيرها صدى مباشرا في الراهن الذي لها، بله ليس لها أن تجده بالمطلق. وبالمثل فإن الفلسفة ليست ضربا من المعرفة، يمكن للمرء أن يطبقها على نحو مباشر في برهة من الزمن، شأنها شأن المعرفة التقنية والاقتصادية ويدوية، كما يمكن له أن يقدّر قابليتها للاستخدام على نحو مطلق.

         وكم أمر قد يبدو غير ذي جدوى، يمكن له بل حقّ أن يكون له سلطان. بل إن حتى ما قد لا يعرف له صدى مباشر في الواقع اليومي، يمكن أن يكون على صلة شديدة بالأحداث الفعلية التي تخص تاريخ شعب ما. ومع أنه يبدو في بعض ما خلفته من صدى أنه غير ملائم للزمان، فإنه بإمكانها أن تمتلك الزمن الخاص بها. وإنه بفضل الفلسفة وبفضل القوتين الأساسيتين المتمثلتين في الشعر والفعل الابتكاري الذي تحوزه الدولة، يقع التأسيس للوجود التاريخي لشعب ما. ليس كل من الشعر  والفكر والفعل السياسي بالمعنى الجوهري عبارة عن ضروب من الظواهر والأحداث التي تدخل ضمن خانة الثقافة، والتي يمكن أن تُقوّم عبر الساعة ومن خلال رزنامة ما، أو يمكن أن تعاين ضمن صحيفة ما، بل تعبر جميعها عن الحدث الأساسي الذي يحايث الأزمان والشعوب وميقات العالم التي تخصهم.

         عندما نتساءل عن راهن الفلسفة الألمانية ومستقبلها، فإننا نومئ على وجه التحديد إلى هذه الأزمان، وليس إلى ضرب من الراهن الذي نجم عن سبيل الصدفة. ولكن هل لنا علم بهذا الزمن الفعلي،- ميقات العالم الذي يخص شعبنا؟ لأحد على علم به. (قارن. هولدرلين، من أجل الألمان ـ المقطعين الشعريين الأخيرين).

آه كم هو ضيِّق زمن حياتنا إلى أضيق حد

نرمق عدد سنوننا، ومعها

نعدُّ سنون الشعب عدّا

هل رأيتم ذلك العين الفانية؟

عندما يتردد صدى شوق الروح حول الزمن الذي لك، تراك تمكث بحزن

على شط بارد، وأنت تجهل أنك ضيف على نفسك.

         يظل زمن العالم الذي يخص شعبنا محتجبا عنّا. وطالما لم نعرف من نحن بالذات (wer wir selbst sind)، فإنه سيبقى محتجبا لأمد طويل. ولن نعرف هذا الأمر أبدا، طالما لم نتساءل مثل هكذا تساؤل على نحو فعلي. لكن حينما نقدم على طرح مثل هذا السؤال – من نحن؟- ، حينئذ أمكن لنا أن نقحم نمط وجودنا ضمن مجال الحركة والقوة، وهو الأمر الذي سيسعفنا في أغلب الأحول على الولوج إلى مجال نفوذ الفلسفة، أي إلى تلك الأسئلة الأساسية التي تحوم حول ماهية الكنيونة.

لنتساءل إذن عمن نكون؟

II ـ طرح بعض التساؤلات الأساسية

         تنطوي كل الأسئلة الحقة في ذاتها على نظام شرعية صارمة تخص تسلسل خطواتها الفردية، وكلما كان الأمر كذلك، كلما كان السؤال الهادي (die Leitfrage) سؤالا أساسيا. عندما نتساءل من نكون، فإن مثل هذا السؤال يتوجه جهة الكينونة التي تخصنا. ومن ثمة تقتضي المهمة الأولى توضيح بأي معنى نفهم كينونتنا- وبمعنى الإنسان ونمط الوجود كما عيّننا أمرهما-. أين تكمن بالذات السمة المميزة للوجود البشري في مقابل وجود الحجر والنبات والحيوان؟

         مثلما ما لا يقدر المرء أن يحدد، بله يمكن له فقط أن يسأل على سبيل المثل ما هو (الاهليليج، الشكل البيضاوي)، من دون أن تكون لديه دراية بقوانين المكان  أو الفضاء على نحو ما هي، فكذلك لا  يمكننا أن نسأل سؤالا ذا معنى: من نحن، من دون معرفة مسبقة؛ بأي معنى يتوجّب إدراك وجودنا على حاله وفهمه.

         عندما نقول: الوجود البشري، وأن الكينونة الخاصة بنا تظل في المقام الأول تاريخية، فإن هذا الأمر سيبقى مجرد تخمين فى حاجة إلى تدليل. والظفر بهذا الأمر  يكون من خلال الجواب على هذا السؤال: أين تكمن ماهية التاريخ.

          وفي ضوء ماهية التاريخ التي تم الكشف عنها، فإنه يتوجب الحسم إلى أي حد نحن تاريخيون وكيف ذلك. عندما يقع تسليط الضوء على ماهية الطبيعة، والمكان والحرية والدولة والحق والشعر، فليس في ذلك إشارة إلى ما هي عليها بشكل عام، بقدر في ذلك بيان إلى ما يمكن أتكونه هذه الماهية- والمقصود إمكانياتها الباطنية. ومثل هذا الأمر يستوجب تعقّبه من أساسه. وعندما يتاح لنا أن نمتلك معرفة بالإمكانية الباطنية لمسألة ما وفقط، حينئذ يتوفر لدينا مفهوما فعليا عنها.

         وهذا ما يتوجب أخيرا تعقّبه لا لشيء أخر إلا لعلّته. عندما نعرف وفقط علة الإمكانية الباطنية لمسألة ما (die Sache)، يكون قد توفر لدينا مفهوم فعلي عنها. وعليه، فإن السؤال  الأساسي  الذي يخص ماهية الكينونة البشرية باعتبارها ضربا من الوجود التاريخي (als eines geschichtlichen)، يتمظهر في ثلاث خطوات تتخذ شاكلة سؤال (Frageschritten):

  1. ما هو التاريخ بإطلاق

  2. ما هي الإمكانية الباطنية لشيء من قبيل التاريخ

  3. أين تكمن علة هذه الإمكانية الباطنية للوجود التاريخي

 

  1. ما هو التاريخ باطلاق

         التاريخ هو المكان الذي يقع فيه حدث ما. ولكن هل دوما حيث ما وقع الحدث أو ما فتئ يحدث ثمة تاريخا؟ وهل عمليات التغيرات التي تعتري قشرة الأرض يمكن اعتبارها تاريخا؟ تستكشف الجيولوجيا بدورها “تاريخ الأرض”في مختلف العصور الجيولوجية “Erdzeitaltern” (زحزحة طباقاتها، الجليد، وما شابه ذلك). تتساءل البيولوجيا عن تطور تاريخ الكائنات الحية. وهل للموجودات التي تقع خارج زمرة البشرية – مثل الأرض، النبات، الحيوان- “تاريخ”. وإذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ حرب المزراعين، تاريخ الرأسمالية، تاريخ فرِدرِش العظيم، فهل نعني في كل الأحوال نفس شيء كما الحال بالنسبة لتاريخ الأرض أو تاريخ الكائنات الحية؟ إنها سلسلة زمنية من الأحداث التي تستغرق الماضي. بيد أن هذا مجرد تمثّل للتاريخ، وهو تمثل يتناسب مع تعاقب دوران المروحة، وما هو على هذا الحال فلن يكون باليقين سابقة تاريخية. ومثل هذا التمثل عن التاريخ يبقى بعيدا كل البعد، فقد يعني كل شيء أو لاشيء. إنه لا يلامس ماهية التاريخ قطعا.

         ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي يبدو واضحا تمام الوضوح: هو أن التاريخ يرتبط بشكل من الأشكال مع الزمن. لكن ليس كل ما يحدث في الزمن هو تاريخي. لذا يتعيّن أن يكون لكل ما هو تاريخي صلة خاصة بالزمن. يظهر الأمر بشكل واضح عندما نتذكر الاستخدام المتداول للغة، إذ نقول مثل هذا القول: “لهذه المدينة تاريخ مجيد”- ونعني بذلك: لها ماض كبير وحافل. وعليه يعتبر كل ما هو تاريخي جزء من الماضي. ويجب أن يكون هنالك دوما شيء ما يحدث؛ أي أن يكون هنالك شيء مضى حتى يتسنى للمؤرخ أن يجعل من المادة التاريخية موضوعا لمعرفته. فالتأريخ للمستقبل يبقى مجرد عبث ومحض خيال.

         وبخصوص التصور المشار إليه توّا للتاريخ، فإن الحدث لا يرتبط بالزمن فحسب، بل بخاصية الزمن المحدد والمفرد: الماضي. إنه مثل المكان الذي يحرص فيه التاريخ على البقاء. لكن ألا يصبح التاريخ مجرد أثر من الآثار التاريخية (Antiquarischen)؟ أو ليس الحدث الحاصل في الحاضر يصبح بدوره تاريخا – أي التاريخ الفعلي- بحيث يصبح الماضي من خلال صلته مع الحاضر وسيبقي تاريخ أقرب من حبل الوريد إلى الحياة؟ لهذا السبب بالذات نطالب  خاصة بإزالة المنظور التاريخي العتيق والمجرد من المناهج التربوية.

         يرتكز هذا التصور الذي تم إنارته – وقد أثار نيتشه هذا المطلب منذ ما ينيف عن 60 عاما – على الرأي القائل؛ بأن الحاضر يعبر عن ضرب من التاريخ الذي يتمتع بخبرة مباشرة وملموسة- بينما يتوجب أن يكون الماضي أزليا. ليس الإكتفاء بالنظر في الحاضر يكفل لنا أن نلتقي في الحاضر بكل ما هو تاريخي. إذ نجد في كل الأحداث ما من شأنه أن يُحدث الضجيج والضوضاء، والتشغيل وانتفاء التحكم (das Unbeherrschte)، وما تعوزه الصورة (das Formlose) وما هو من باب الصدفة. يعبر كل هذا عن جزء من التاريخ، بما هو تعبير عن أمر ضروري: أي مجرد أحداث معطاة. لكن يبقى السؤال الذي يتعين معرفته هو إذا ما كان الماضي يُشكّل الماهية الحقيقية للحدث، وإذا ما كان بإمكاننا اختبار هذه الماهية بكل يسر وسهولة، حيث نعاين تحول دائم للجديد وللغد نحو الأمس والأمس الأزلي. يبقى السؤال، إذا ما كنا نصادف كل حدث تاريخي على نحو ما هو، طالما نأخذ الحدث فقط كما لو أنه تعاقب للعمليات الزمانية – سواء أكانت في الماضي، أو في الحاضر، أو في كليهما-.

         لكن كيف يتوجب علينا أن نختبر على نحو  مختلف ماهية التاريخ؟ يجب الإقرار بكون الزمن يضطلع بدور بارز في تحديد ماهية التاريخ. وهذا الأمر لا  يسري على الطبيعة، وذلك بالرغم أن مجريات الطبيعة تقع كلها “في الزمن”. إننا لا نصبغ على الطبيعة شيء من الحاضر وبنفس العلامات، كما نفعل ذلك بالتاريخ عندما نقرنه بالماضي. فما هو الأساس الذي يكمن وراء ذلك؟ وبأي معنى يكون للتاريخ علاقة متميزة مع الزمن؟

         نشرع من جديد من خلال الوقوف على التحديد المتداول – التاريخ هو الماضي- وننظر في أمره عن كثب. يعطى لنا الماضي من خلال التذكّر. عندما يكون علينا أن نتذكّر التاريخ – حرب السبع سنوات- فليس مطلوب منا أن نبرر الماضي على هذا النحو؛ أي في وقوعها الذي انقضى ، بل من جهة ظهورها السابق وغدوها اللاحق. بل حتى حيث يتأتى لنا أن نتعقب الانحطاط التاريخي في التاريخ – كما هو الحال بالنسبة للدويلات الإغريقية-، فإننا لا نعاين عملية الانحطاط، بقدر ما نعاين انبثاقها وصيرورتها. إن التاريخ بوصفه حدثا مبكرا، ليس مجرد ماض انقضى، بل هو تصيّر ما فتئ يتصيّر. بيد أن هذا التصيّر ليس مثل التقدم الذي حصل سابقا، وإنما بمثابة الحدث الذي لا يزال كما “هو”. إنه “يوجد” (ist) لطالما ينتسب مثل الماضي إلى الغرب، بالمقارنة بالوجود الذي كان يتمتع به في سابق عهده – وذلك في سياق تجديد الكلمة الألمانية الأصلية-. فالكانية (نسبة إلى ما كان= Gewesenheit) والماضي لا يعبران عن نفس الشيء، فمهما يختلفان من حيث خاصية الزمن. فالماضي هو النطاق الزماني الذي لا يعتريه التغير. أما ما كان (الكانية) فهو في حد ذاته بمثابة السلطة التي نخضع لها، كما أنه بمعنى ما يعتريه التحول.  يعتبر كل ما كان في حقيقة الأمر جزءا لا يتجزأ من الماضي، ولكن ليس كل ما كان ماضيا يمكن أن يكون. لكن ما ذا يقصد بما كان، بوصفه عبارة على ما كان عليه في الماضي؟ وهل  لا زال له من التداعيات الممتدة التي ما فتئت تمارس تأثيرها علينا إلى حدود اليوم؟ ومن المعلوم أن  هنالك ما لا يحصى من هذه التداعيات الفعلية التي تمارس وقعها في عالم اليوم. يتوقف تحديد التأثيرات اللاحقة على ما ندعوه اليوم بالواقعي كأنه عين الواقع. لكن الذي نرى فيه الواقع الحقيقي، لا يمكن أن يدرك في عالم اليوم. إننا لا نعرف  مما كان سابقا- ماهيتنا المحددة – سوى ما سيصبح ضروريا. كيف لنا أن نقرّر ماذا نريد أن نكون ومن نريد أن نكون،  بالنسبة للنحن التي سنكون عليها. إن ما ينكشف لنا في الوجود الذي كان سابقا، هو ما نضعه تحت تصرفنا بوصفه عين مستقبلنا، إنه يكشف عن الطريقة التي نتولى بموجبها حسم الاختيارات التي نخص مستقبلنا علة نحو سابق. فهل ينتمي المستقبل إلى الوجود التاريخي؟ لكن ليس المستقبل عبارة عن تلك المسافة الزمنية التي تقابل نفس المسافة التي تمتد من الماضي نحو الحاضر وفقط، مع أنها تبقى في حكم المغلق (verschlossen bleibt)، بقدر ما أنه يعدّ – مثله في ذلك مثل ما كان في الماضي- قوة (Eine Macht).

         والقول عن المستقبل أنه قوة، لا يفترض أنه يلوح لنا على شاكلة توقع معقول أو يظهر لنا على منوال التنبؤ. فلا يمكن أن نختلقه، إذ يتحدد ما سيكون عليه على نحو سابق. إن الأمر لا يتعلق بمجرد ماض انقضى، والذي يقع أمام بوابة الحاضر، ولن يوجد مرة أخرى، بل هو الذي يفِد إلينا من الماضي الذي كان ليتخطى الحاضر، وهو الذي يأتي إلينا بغرض تحديد أنفسنا بما ستكون (ist) عليه في المستقبل الذي سنضرب لأنفسنا موعدا معه. يتمتع الذي كان بسلطة الإرسال، بينما يضطلع المستقبل بسلطة التفويض. عندما نقتدر على أن نستبق الرسالة التي توضع على كاهلنا، ونكافح من أجل المهمة التي أوكلت إلينا، نقدر حقا أن ندرك الوجود في الحاضر. فمن يكتفي باستخدام ما هو في متناوله في الحاضر، فإنه ينسى ما توافد إليه من الماضي، وهذا يعني أنه يتم تغيير ما تحصل لديه إلى منافع قابلة للحساب، فهو غير قائم في الحاضر، وإنما مفقود في الراهن فحسب. فكلاهما أمر واحد- لكن الاختلاف يكمن في الخاصية الزمانية التي يتمتع بهما كليهما، إذ تكون على قوة معتبرة في البداية  لتصير بعدئذ أكثر قوة. ليس التاريخ ذلك الذي انقضى أمره في الماضي، وليس هو ذلك الذي يوجد في الحاضر، وحتى لو سلّمنا بالأمرين، فإن التاريخ هو كل حدث يكون في المستقبل والماضي والحاضر. إذ يعمل الحدث على تجاوزهما من خلال فعله في ما توافد إليه، وبفعل المهمة التي له. من يكون على هيئة تاريخية ويفكر، فإنه يفكر في قرون خلت. لا يتمتع حدث التاريخ بعلاقة أخرى مع الزمن وفقط – على خلاف ما هو عليه الأمر في علاقته مع الطبيعة-، بل إن هذا الحدث نفسه يعتبر في حد ذاته ضرب من  ضروب الزمن. غير أن هذا الأمر لا يجب أن يفهم أكثر من كونه إطارا نحرص من خلاله على أن نعيّن الموضع الزمني لما كان من وقائع ماضية وأحداث، بقدر ما يعبر الزمن عن تركيبة سلطة ممتدة ذات أبعاد ثلاثة، ويكون وجودنا فيه متصلا، ومن ثمة تاريخيا.

         لكن هذا الحدث، والظروف والمصادفات، والتي تقتضي أن نقوم من خلالها بعملية الحساب تلو الحساب في كل مرة، هو من قبيل ما لا ينتمي إلى الحيّز الماهوي للتاريخ. بيد أن  كل تمظهر غير ماهوي للتاريخ في انتمائه لماهيته كما الوادي في انتمائه للجبل. لذا يتنتمي الزمن إلى الزمن بوصفه مجالا لتعاقب الزمن، كما لو أنه ضرب من القوة الباطنية العميقة للوجود البشري.

وعليه، فإن الوجود التاريخي لا يفعل فعله من تلقاء نفسه. إنه يعبر عن ضرب من المناظرة المستمرة مع كل ما يتمظهر على نحو غير ماهوي للتاريخ ضمن التوجه الثلاثي الأبعاد لسلطة الزمن: إما أنه يكون بمثابة تخلص من عبئ موروث ومن عادة مستلفة.  أو بمثابة ترويض الاندفاعات التي ما فتئت تفعل فعلها إلى حدود الوقت الراهن، أو بمثابة التغلب على الوضع المرتبك الذي نجم عن تخطيط اعتباطي،  أو عن عطاء (Angebotenen)، أو عن تأمل نشأ بمحض الصدفة. إذ هو، ونعني بذلك الوجود التاريخي (Geschichtlichsein) في خضم هذا التدافع الذي لا مفر منه بين الماهية واللاماهية، يظل حريصا كل الحرص على الوجود بشكل راسخ بينما

         وبمعنى أدق ليس للأرض تاريخ، ونفس الأمر بالنسبة للنبات والحياة، وذلك لأنه ليس بإمكانها أن يكون “لها” تاريخ. ولا يمكن لها بالمثل أن يكون لها، وذلك لكونها ليست تاريخية. فليس لهم أن يوجدوا على نحو تاريخي، لكونهم لا يوجدون ضمن سلطة الزمن؛ حيث يحدد الزمان بوصفة تركيبة سلطة ظاهرة الامتداد الداخلي لكينونته من الأساس. فالطبيعة منغلقة على ذاتها، إذ تكون غير قادرة تماما على عرض الزمان بوصفها زمان. فالطبيعة هي الروح التي يعتريها السبات الدائم. لماذا يمكن أن يوجد الإنسان وفقط على نحو تاريخي؟ ما الذي يجعل من الوجود التاريخي على نحو ما هو أمرا ممكنا؟

  1. 2. الإمكانية الباطنية للتاريخ

         كيف يقع أن يكون للإنسان لوحده  إمكان الوجود التاريخي،  وذلك لأنه يوجد في الحقيقة؟ ما ذا تعني الحقيقة؟ وهذا هو السؤال الثاني الذي سيأخذ نصيبه من الاهتمام أثناء تحديد ماهية التاريخ. هنالك تصور قديم يقول:  الحقيقة هي مطابقة المعرفة والعبارة مع الموضوع. فأن نقول عن “القطعة النقدية بأنها مستديرة، فإن هذا الأمر صحيح، لأن ذلك يتفق مع محتوى الشيء. من الظاهر أننا لا نتطلع إلى الدخول في المزيد من المتاهات حول الموضوع. لكن ما يبدو باديا للعيان، أنه حيث تنعم الفاهمة بهدوء دائم، حينئذ تشرع أسئلة الفلسفة تنساب. وإذا خطونا بتفكيرنا خطوة بعيدة، فإننا سنعلم أن هذا المفهوم الشائع للحقيقة يعد في حد ذاته غاية في الصعوبة، ومن ثمة يعتبر من حيث الأساس غير كاف لكي نكون على بيّنة من ماهية الحقيقة.

         تكافئ الحقيقة = مطابقة العبارة مع الموضوع. وليست تعني المطابقة (Übereinstimmumg) أكثر من العلاقة التي تجمع بين طرفين يختلفان على الأقل من حيث العدد. قد يحدث تطابق بين قطعتين نقديتين من فئة خمس مارك  (zwei fünfmarkstücke) وبالأخص في مظهرهما. عندما أقدم الآن على صوغ عبارة صائبة: بأن هذه القطعة النقدية من فئة خمس مارك هي دائرية الشكل، فإن هذا يدل أيضا على تطابق العبارة مع الموضوع. لكن كيف ذلك؟ فالقطعة النقدية أصلها معدنية، بينما العبارة (Der Satz) ليست شيئا ماديا. فالقطعة النقدية دائرية الشكل، بينما ليس للعبارة شكل مكاني (räumliche Gestalt). تتيح لي القطعة النقدية شراء شيء ما؛ وباليقين ليست العبارة وسيلة للأداء. العبارة والشيء هما شيئان مختلفان تماما، مع ذلك لا نتردد في القول: أن هذه العبارة تتطابق مع هذا الشيء. والذي يبدو غير مفهوم على نحو مطلق، ما الذي ينبغي أن يتطابق مع من وكيف.

         لكن دعونا نعيد النظر في هذه الصعوبات من جديد، ونعيد الاعتبار لها كما لو أنها شيء يحضا بأهمية كبيرة. عندما أنطق هذه بالعابرة “القطعة النقدية دائرية الشكل” على نحو صحيح، فإذ ذلك يعتمد على قياس أقوالنا على هذه المسألة. فيكون هذا هو المكيال الذي نكيل به أقوالنا. ولكن ما هو معطى للقياس (maß-gebend) هنا، يتعين أن يكون بالفعل في متناولنا. يتوجّب على مظهر الأشياء أن تظهر نحو مسبق، حتى يتسنى لنا قول شيء ما عنه. والطريقة التي تظهر بها رؤية الشيء، يجب أن تكون “صحيحة” في حد ذاتها. وبعبارات أخرى، فإن حقيقة العبارة ليست هي الحقيقة الأصلية، بقدر ما أن هذه العبارة تستند على الأشياء والوقائع – على أي نحو وكيف يتعين أن تكون متطابقة مع الموجودات-، حيث يقتضي أن تكون الموجودات قائمة بالفعل، قبل أن ينطق بقول بخصوصها. وهذا التجلي الذي يكون للموجودات في وجودهم هو عين الحقيقة الأصلية. دعونا نقول بخصوص هذا الأمر أن الإنسان تحول إلى موجود مدرك لوجوده على نحو فعلي. إن لم تتضح لنا الخصائص الحيوية التي تجعل من الطبيعة طبيعة ومن الحيوان حيوانا ومن الأداة أداة ومن المكان مكانا ومن الزمان زمانا، وتظهر الجانب التاريخي للتاريخي وألوهية الله، فلن يكون بمقدورنا على نحو دائم أن نختبر هذه ولا ذاك بوصفها نباتا، ولا هذا وذاك كحيوان، ولا هذا الشيء كالمطرقة والكماشة، ولا هذا كتعبير عن إطار مكاني، ولا ذاك كزمان، وهذا كتاريخ، ولا ذاك بوصفه إله، كما لا يمكننا أيضا أن نستعملها أو نطيقها أو نقدّرها على هذا النحو. فلسنا نتبدى في الوجود المكشوف سوى على هذا النحو. غير أنه في الوجود الظاهر، الذي يكون فيه محتجبا في نفس الوقت، لأن الموجود لا يكون متاحا لنا في كل الأحوال سوى في الأفق ، وعندما نقول في الأفق المنظور فليس نقصد سوى بعض أطوار من أطوراه. فالآخر موصد أبوابه بالنسبة لنا. وحيث يحدث التجلّي، حيث يوجد التحجّب.

         إن الحديث عن الوجود المنكشف لا يعني بالنسبة لنا التحجب بالمعنى الذي يدل على الجانب غير المتفتح – ما هو غير معروف أو غير قابل للانكشاف- من السر، بقدر ما  يفيد التحجب أيضا في معناه الثاني – وبالتحديد من خلال التغطية وإحكام الغطاء- الذي يخص الظاهر، وهذا يعني اللاحقيقة (Unwahrheit). تنتمي ماهية اللاحقيقة إلى ماهية الحقيقة. بدأ الأمر للتو يتضح بخصوص دعوانا: فأن نقول عن أنفسنا أننا نوجد في الحقيقة، فإن هذا يعني ضمن ما يعني على وجه التحديد: إننا نتبدّى في الوجود على هذا النحو، حيث ينحصر تواجدها مابين انكشافها، تحجّبها واختفائها. وكوننا نوجد في الحقيقة، فإننا نتواجد أيضا بالضرورة في اللاحقيقة. فحسب هذا التبدّي الذي ينكشف فيه الموجود ويحتجب، يجري إدراجنا في الوجود، لنرتهن لقدرته وحاكميته (Herrschaft) وعبوديته (Kneschtschaft). وتبعا لهذا التبدّي في الوجود وحده، يمكن لنا توجيه كلماتنا وجملنا نحو الموجودات. وهذا يعني: فكل حقيقة تخص القضية (Satz) يتم اعتبارها على هذا النحو من البداية، تعبّر في حقيقة الأمر عن عين الصواب (Richtigkeit). لقد ظلّت ماهية الحقيقة منذ أمد بعيد، ولازال الأمر كذلك إلى حدّ الآن، منحصرة دائما فيما هو صائب- وهذا يعني ضمن ما يعني إهدار ماهيتها، لأن ما هو صائب (Richtig)، ليس بحاجة لكي يكون صحيحا (Wahr). دعونا نذكّر بالتعريف الذي أوردناه أعلاه للتاريخ بوصفه تعاقب للأحداث في الزمان. تعتبر هذه الجملة حول التاريخ صائبة لكنها غير صحيحة (Unwahr)، إذ تعمل بالضبط على حجب من يكون التاريخ  في ماهيته.

يحيل وجود الإنسان هنا (Da-sein)- وهذا يدل على أن الانكشاف في الوجود المنفتح على نحو ما هو  – على الوجود في الحقيقة واللاحقيقة. وهذا ما من شأنه- كما نؤكد على ذلك- أن يتيح الإمكانية الباطنية لكي يستوي وجود الإنسان على نحو تاريخي. ولأن الإنسان يستودع عنده الظاهر والسر على نحو متماثل، فإنه يمكن له أن يكافح من أجل وجوده، يمكن له أن يتكهّن برسالته، أن يظفر بمهمته، ويفعّل وجوده.  فأن يوجد على نحو تاريخي ليس وفقط أمرا ممكنا، بل بات أمرا واجبا، لأن هذا التبدّي في الوجود بحد ذاته يعبّر عن ضرب من الاستئصال الذي يقع في سلطة الزمن، بعد أن وقع تمدّدها فصارت مستقبلا وماضيا وحاضرا؛ وحيث يبدو أن الشعب أصبح تاريخييا من حيث الظاهر، فإنه  يكون دوما على نحو غير تاريخي (ungeschichtliches)، حيث يسعى إلى التخلص من التاريخ من خلال إظهار عجزه (Unkraft) ، ولم يعد قادرا على التعامل مع السر الذي يخصه. فلم يبلغ بعد مبلغا كبيرا من القوة، فيستوي حقا على نحو تارخي؛ أي أن يكون قبل كل شيء  شعبا.

         عندما نستقصي عن ماهية الحقيقة بوصفها عبارة عن الإمكانية الباطنية للوجود التاريخي، فإنه سيتضح على  نحو أكثر لماذا لا يمكن أن يكون للأرض والنبات والحيوان وجود تاريخي. لأن الوجود على نحو ما هو لا ينفتح أمامهم ولا ينغلق- إنهم يتواجدون تماما خارج إمكانية الحقيقة واللاحقيقة. غالبا ما يجد النبات والحيوان أنفسهما منحصرين ضمن محيط يمارس ضغطه وسحره عليهم، يعيشون تحت وقع الذهول ويظلون قابعين في هذا الوضع. حقا أنه ضمن هذا الارتباك المحير، يكون لكل طرف سبيل الخاص لتدبير حاله، وتلبية حاجيات الحياة التي تخصهم، لكنهم لا يتقاطعون مع الوجود كموجود.

         ولكن على أي أساس ترتكز ماهية الحقيقة بدورها، على نحو يجعل الوجود التاريخي ممكنا؟ أين يكمن الأساس المحمول والمدعوم (tragenden und stützenden Grund) لهذا الحدث الذي ينكشف في الوجود على نحو ما هو؟

3.أساس الإمكان الباطني للتاريخ

         نؤكد من جديد على أن أساس الإمكان الداخلي للتاريخ يكمن في اللغة. ما اللغة؟ هكذا نكون قد تساءلنا سؤال الماهية لثالث وأخر مرة عن اللغة التي يعرفها كل امرئ. وعندما يتعلق السؤال عن ما تكون، نجد إجابة معروفة قائمة منذ فترة طويلة. فاللغة هي التعبير عن خبرتنا الباطنية، عن تمثلاتنا، وآراؤنا، وأمالنا، ومواقفنا في صيغة صوتية أو كتابية. ولكونها تعبّر عن هذا القبيل، فإنها تهدف إلى عرض الخبرة، كما تنشد الإخبار والتفاهم. هذه العلامات التي تخص اللغة، والتي لا زال  ينظر نحوها إلى حدود اليوم، بشكل أقل أو أكثر، على نحو واضح، تجعل كل من شأن التفكير الذي ينصب حول اللغة يكون صائبا مرة أخرى، لكنه في العمق يبقى غير صحيح، لأنه لا يدرك من اللغة سوى النتيجة التي تخص ماهيتها، وليس الماهية في حد ذاتها.

         بل إن ماهية اللغة تكمن بالأحرى في كونها تشكل المغامرة الأولى للإنسان في الوجود- إذ في كنفها يقع الانكشاف الأصيل للوجود وجلائه-، فاللغة ليس وفقط ذلك التعبير المتأخر عن الانكشاف الذي يخص الأشياء، بل هي الكشف عينه. حيث لا وجود لأثر للغة، كما هو الحال بالنسبة للحجر والنبات والحيوان، فلا يوجد أي مظهر من مظهر الجلاء بالنسبة للكينونة، ومن ثمة فلا وجود لعدم الوجود (nicht das Nichtsein)، ولا أيضا عدم ولا فراغ. فحيث تفعل اللغة فعلها، هنالك ينكشف العالم. فليس كل من العبارة التي تفصح عن محبة الواد وخطر الجبل، وعظمة النجوم وصفاء البحر الهائج، وانكماش النبات وتحيّز الحيوان، والآلة التي تجزّ العشب والجهد الجهيد الذي يبذل في سبيل بناء الدولة، والنشوة التي يكبح جماحها ، وتلك التي تتعلق بعمل شكلي  وبالجرأة الباردة التي تخص السؤال المعرفي، ورصانة العمل وكتمان القلب، سو ضرب من التعبير الذي يتم باللغة. فلئن دل هذا على شيء فإنما يدل على أن الظفر بالكينونة وفقدانها يكمن في واقعة اللغة وحده. فاللغة هي ضرب من الكشف عن وسط تشكل العالم والحفاظ عليه وتقويضه الذي يخص الوجود التاريخي لشعب ما.

         ومن ثمة يقع حدوث ماهية اللغة على نحو أصيل ومحض هنالك فقط، حيث يسمى وجود الموجود لأول مرة، ويؤسس عبر التسمية- باسم الشعر الأعظم (Große Dichtung)، نقول عنها اللغة الأصلية (die Ursprache) لشعب ما.  لكن قلّما يقال بأن الكلمة تكشف أيضا عن الأقوال السطحية وعن مجرد سرد. عندما تقع الكلمة (Das Wort) في الانحطاط، وتتحول اللغة إلى مجرد لغو، يتقوى الوضع الغائب للغة (das Unwesen der Sprache)  ويتنفّذ، وتنتشر النسخة العامية (die Umgangssprache) من اللغة. فمن شأن هذه النظرة الضيقة أن تكرس التمثل الشائع القائل بأن اللغة ليست سوى وسيلة للتفاهم، دون أي شيء آخر. وعليه يعتبر القول المعتاد من الحديث الذي يجري يوميا هو القاعدة. غير أن الشعر يشكل استثناء للقاعدة. بينما يعتبر الشعر في الحقيقة بمثابة قانون كل قول أصيل، فليس الباقي سوى تحصيل حاصل وانحطاط. ليس اللغة ضربا من الملكة من بين ملكات الأخرى التي يمتلكها الإنسان إلى جانب العين، والأذن، والفهم، والإرادة، بل إن اللغة هي الماهية الأصيلة لوجوده. ليس الإنسان هو الذي يمتلك اللغة، لكن عكس ذالك، فإن اللغة هي التي “تمتلك” (hat) الإنسان؛ أي أن هذا الأخير “يكون” (ist) على نحو ما هو (وهذا يعني كونه يتجلى في خضم الوجود المنكشف) على أساس اللغة.

         لسنا – كما أفصح عن ذلك هولدرلين- سوى ضربا من الحديث، أي أننا مجرد كلم الآلهة، وبفعل قولهم-المقضي (An-spruch)  يكون ما يكون. تقودنا الآلهة نحو اللغة، إذ ما نحن نوجد وكيف نوجد، وإذا كنا أدلينا بجواب عن الوجود وسلطاته وكيف فعلنا ذالك، وإذا ما كنا على عهد قوانينهم سائرين أو جاحدين.

ولأننا نقع في صلب حدث اللغة، لذلك السبب فقط ينكشف الوجود فينا على نحو ما هو في تجليه وفي تحجّبه وخفائه.

وبما أن  وجودنا يقع ضمن جلاء الوجود- فإنه يـتأثر بكينونته ومهدد بانعدام كينونته- أي في الحقيقة، ولذلك يمكن لنا أن نحسم الاختيار بين الكينونة وعدمها، ودون أن نكون قررنا بعد بشأن أنفسنا – غير أن أي دنو نحو الكينونة وجوبا (Seinsollendes) يكون على شاكلة مهمة وإرسال- على أي قرار سنثابر، وبمعنى أدق الوجود التاريخي- وهذا يعني التموضع وسطا ما بين تهديد الكينونة واللاكينونة، وفي كفاح الكينونة ضد اللاكينونة. فمن خلال هذا التموضع وسطا يتحقّق  الحدث التاريخي- فيكون ما هو عليه يكون.

III. تهيئ الاختيار من خلال تضافر الأسئلة الكبرى

         فمن خلال الأسئلة الثلاثة المطروحة: ما هو التاريخ، ما هي الحقيقة، ما هي اللغة- نكون قد أظهرنا أنفسنا في سياقها؛ أي كيف نكون (wie wir sind)، بقدر ما نحن نستوي تاريخيا.  لكن التركيز على كيف نكون، لم يفض بنا إلى أي إجابة على سؤال من نكون (wer wir sind).

         ومع ذلك، يمكن أن نظفر بإجابة بخصوص هذا الأمر. وبالتحديد عندما ندرك أن الأمر لا يرتبط بمسألة ما إذا كنا الآن على دراية ببعض التحديدات المفاهيمية الجديدة بخصوص التاريخ والحقيقة واللغة، بقدر ما يتعلق الأمر بما إذا كنا تمرّسنا على التهيؤ لحسم القرار ضمن الأسئلة التي تخصنا.

         نجد أنفسنا، وذلك بحكم استواءنا على نحو تاريخي،  تائهون في المقام الأول وفي غالب الأمر في الأحداث والأنشطة التي تقع على نحو يومي، وقلما يعتبر التاريخ من جهة الماهية بعد تقديره من حيث هو تكليف ورسالة. نتنازع دوما حول ما هو صائب وما هو غير صائب، بينما نادرا من نتساءل وبشكل عابر عن حقيقة الأشياء. عادة ما نتمسك بتكرار وترديد ما قاله شخص أو خمّن فيه، ولكن نادرا وقلما ندرك الكلمة الأساسية بغرض الحفاظ عليها.

         في معرض وجودنا، يتم باستمرار وضع ما هو غير كائن قبالة ما هو كائن، وما هو صغير وقريب قبالة ما هو كبير وبعيد، والمقيت قبالة من هو متحرر، وما هو في حكم المتوسط والنصف قبالة ما هو فائق وكلي.

         يبقى الاختيار قائما إذا كنا نتصور هذا النزاع الذي يخص ما هو كائن وغير كائن على أنه أمر لا مفر منه، أو إذا كنا لا نتصوره كذلك، وبالنتيجة نسعى دوما نحو التخلص مما هو غير كائن والتبرأ مما هو كائن- ولما لا تحقيق توازن رفيع بين الأمرين.

         إن القانون الذي نقبل به في كل ما يخص معرفتنا وإرادتنا، هو أن هذا  النزاع الذي يتصل بما هو كائن وغير كائن، بات ينتمي، وبجدية ساطعة لا غنى عنها، نحو ماهية التاريخ على نحو ما هو، لينغمس في الوجود الذي يخص شعبنا. ومن خلال القيام بذلك، سنكون قادرين على خلق الشرط الأساسي للمؤسسة بشكل يتيح للغرب أن يعانق يوما جديدا من تاريخه. لأي سبب؟

         يمكن لشعب ما، من خلال المعرفة الصادقة (Das echte Wissen)  التي تخصّ حقيقة الكينونة التاريخية وفقط، كما يمكن لشعوب بعينها أن تنمّي الاستقلالية الحقة (Wahre Selbständigkeit) ضمن مجال الإرادة- وبعبارة أخرى نعني الحرية. غير أن قيمومة الذات في مقابل الآخر، لا يعني التخلص من هذا الآخر أو جعله مجرد عبد؛ فقط لأن هذا هو السبيل من أجل التخلص من كل ذات مستقلة يمكن لها أن تصون نفسها على هذا النحو. وليس من سبيل لقيمومة الذات على نحو حقيقي سوى من خلال الاعتراف المتبادل، وبالطريقة التي تفيد على أن المُعترف بهم (Die Anerkennenden) يعترف بهم على نحو ما تم الاعتراف بهم، وهكذا يحصل الارتقاء بماهيتهم بشكل  متبادل  نحو منزلة أسمى.

         وبما أن هذه الحرية التاريخية الحقة تعبر عن القيمومة الذاتية الناتجة عن الاعتراف الحاصل بين شعب وشعب، فإنها ليست بحاجة إلى جماعة منظمة بشكل ظاهر، مثل “عصبة الأمم” (Liga der Nationen). إن تحرير الشعب لنفسه يحدث عبر الدولة؛ ليس الدولة بوصفها جهاز، وليس يوصفها عمل فني، وليس كمكون مقيد للحرية، بقدر ما هي تعبير عن إزالة للقيد عن الحرية الباطنية لكل السلطات الأساسية التي يمتلكها الشعب تبعا للتدرج الداخلي لقوانيها. لئن كان للدولة أن تكون، فليس بها سوى أن تصبح تعبيرا عن الكيان التاريخي للكائنات، وهذا يعني الشعب. لكن الحرية التاريخية الحقة  لشعوب أوروبا تمثل الشرط المسبق الذي يجعل الغرب يعود مرة أخرى إلى نفسه في هيئة روحية- تاريخية، ليحدد مصيره في شاكلة قرار كبير يهم الأرض في مواجهة الأسيويين. غير أن هذا الضرب من الحرية التاريخية يتطلب  فترة مديدة،  بقدر ما يتيح تحول المعرفة نحو ماهية الكينونة، و تطويع القوة غير الكائنة (Unwesen).

         ليس بمقدور الفلسفة أن تمارس إكراها معينا على هذا التحول الذي يعتري الكينونة، ولكن يمكن لها على نحو غير مباشر خلق معرفة ضمن مستويات مختلفة من الوضوح والوفرة والصرامة، تعتبر بمثابة معرفة أساسية تتيح للشعب الظهور في كنفها على شاكلة نوابت  (Einpflanzt). مثل أن هذا الضرب من المعرفة ينطوي قبل ذلك على الإرادة، فإن الإرادة الحقيقة يقع استعمالها على نحو معرفي. هذه المعرفة كفيلة لوحدها بخلق فضاء عاصف (Gewitterraum)، في هذا المجال –على كل حال- يحصل التقاء وميض برق الآلهة، ويعلن فيه عن حلول موعد ساعة العالم (Die Weltstunde) التي تخص الشعب.

لا أحد يعلم متى يحدث هذا الأمر. لكننا نعلم أمرا واحدا، وهو ما قاله هولدرين في مقطع شذري (Br

Bruchstück) ينتسب إلى شعره المتأخر والأصيل:

} سألت ذات مرة موزا (Die Muse)[2]، فأجابتني

في نهاية المطاف ستجده

وددت لو ألزم الصمت على نحو  عال

ليست الفاكهة المحرمة، مثل نبات الرند، سوى في غالب الأحوال الوطن عينه.

لكنه يأبي إلا أن يؤمّن في نهاية المطاف اللقمة للجميع }[3]


[1] – نشر هذا المقال، الذي تولينا ترجمته إلى اللغة العربية، ضمن المجلد 16 من الأعمال الفلسفية العديدة التي تولـّت دار النشر (فيتوريو كلوزتغمان) إخراجها بعد وفاة الفيلسوف مارتن هايدجر. ويجمع هذا المجلد – المعنون ب”أحاديث وشهادات من  مسار الحياة”- بين دفتيه العديد من المقالات والمراسلات والمقابلات التي توثق للتجربة الفكرية الهايدجرية من بداية حياته الفكرية (1910) إلى نهايتها (1976)  التي ختمها ب”كلمات هولدرينية” (Worte Hölderlins).

-Martin Heidegger. Die gegenwärtige Lage und die künftige Aufgabe der deutschen Philosophie (30. November 1934)SS 316-334. In: Reden und andere Zeugnisse eines Lebesweges. Bd 16. Vittorio Klostermann, Frankfurt  Am Main. 2000.

[2] – وهي لفظة اغريقية تطلق على ربة (أرباب) الإلهام.

[3] – >> Einst hab ich die Muse gefragt, und sie

Antwortet mir,

Am ende wirst du es finden

wom Höchsten Will ich schweigen

Verbotene Frucht, wie der Lorbeer, ist aber

Am meisten das Vaterland. Die Aber kost

Ein jeder zulest >>. Hg. Hölderlin, Bruchstück 17.IV,S. 249.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى