أخبار تهمكاقتصاد وتكنولوجيا وعلومالرئيسيةخدماترأي

بصراحة، يكتبها محمد حسنين هيكل.. سؤال إلى الرياض… وتساؤلات بعده؟!

أعرف هل تتأثر روح الأمة العربية، أو لا، إذا توقف أحد الأيام الذي في السعودية هذا الأسبوع وهو الجلالة الملك فيصل، والصديق البريطاني في السعودية هذا الأسبوع وهو “جون ستونهاوس” السكرتير البرلماني لوزارة الطيران ومعه وكتاب مصلحة، وبشعبية صريحة لوزارة الدفاع؛ أستمتع بها بالصداقة أو بالضرورة – برنامج تحضيري بمقتضاه بعثات بريطانية عسكرية لتدريب الجيش السعودي على مهمته الجديدة؟
هل تدورون مواقع خطاكم، تعرفون نهايتها إلى أين توغل، وهل تتم النتائج والعواقب السياسية؟
قبل أن أستطرد، ولكي يكون العالم العربي شاهداً على شريك وشريكاً في الحكم بالبينة أساسها فيه، تمكين الخميس الماضي لما جرى في السعودية على النحو التالي:
صدر بيان في جدة أذيع في وقت واحد بين بريطانيا والمملكة العربية السعودية، ومحوره أن السعودية – في الدفاع عن هذا الهدف وبعد بضعة شهور، وفي العام الأول من ملك فيصل – جرى الكلام متأثراً عن صلات بين الرياض ولندن، وعن تعاون في السلاح بين الاثنين.
منذ بضعة أسابيع حملت الأنباء عن جريدة “الأوبزرفر” البريطانية الصادرة بتاريخ 21 من الماضي تقريراً عن صفقة سلاح وأن بريطانيا تتفاوض مع المملكة العربية السعودية عن تسليح قيمته خمسون مليون جنيه استرليني. وعن “الأوبزرفر” تقول:
«إن هذه الصفقة حلقة من حلقات التقارب المتبادل بين بريطانيا والسعودية وهو التقارب الذي دعمته زيارة دوق أدنبرة – زوج الملكة – للسعودية في الأسبوع الماضي».
«وأن الشعور السائد هنا في جدة – هو أن بريطانيا والسعودية تشتركان لجميع المشاكل في شبه الجزيرة العربية، وعقدت اجتماعات بين البلدين هدفها تمهيد الطريق لتنسيق سياسي وودي»، هذا إذا لم أقل أنها كفيل إزاء مشاكل الاثنتين معاً كمشكلة اليمن ومستقبل الوجود البريطاني في المحميات وعدن والخليج الفارسي.
منذ بضعة أيام طار إلى السعودية وفد بريطاني يرأسه «جون ستونهاوس» السكرتير البرلماني لوزارة الطيران ومعه وكيل وزارة التموين، ومع ذلك – بالصداقة أو بالضرورة – برنامج تحضيري بمقتضاه بعثات بريطانية عسكرية لتدريب الجيش السعودي على مهمته الجديدة.
وأمام الرأي العام العربي، الذي ينبغي أن يكون شاهداً على كل منهما، أجد نفسي في مناقشة الموضوع بالجدية تماماً عما أسلفته وحساباته. أن دقة الوضع وحساسيته تمكنه من أية زخارف في عرضه، وليكن الكلام منسجماً، دائماً، هذا منذ البداية لا حاجة إلى دليل.
كانت بريطانيا هي القوة الاستعمارية الأولى في الشرق العربي، وكانت هي الدولة الراعية لحكومة السعودية – والملك في فلسطين، وكانت هي قوة القهر المسلطة ضد الإرادة العربية منذ يوم انتصارها على «عرابي» في التل الكبير قرب قناة السويس سنة 1882 إلى يوم جلاء قواتها عن مدخل قناة السويس سنة 1956.
وخلال هذا العهد الطويل – وفي مفاوضاتها مع البقايا التي ما زالت للملكة العربية السعودية – مع بريطانيا – ثلاثة شهور، وإلى العرب – كانت بريطانيا وضعت سياسة نائية لها أن تحجب أية أسلحة…
هل يجوز أن تطلب كل أطراف النزاع العربي – الإسرائيلي سلاحاً لطلب عربي محدد، تعهدها لم يجف ورق السفير، فما أبدعه كان سماحاً جزئياً مفيداً للمصالح البريطانية من الضمانات؟ – بالمكافحة للاستعمار البريطاني في جزيرة العرب وتقديم المساعدات لحركة التحرير في الجنوب البطل وعمان؟!

فما الذي حدث الآن؟

هل غيرت بريطانيا سياستها فجأة تجاه الأمة العربية، وهل أصبحت الحرية على لونها خصوصاً في مجال السلاح؟.. ليس على ذلك – حتى اليوم – دليل – إلا أن أنباء الملك فيصل هذه اللحظة من تحت طوق عباءته بالمجمل على بال، وما لم يصل إليه الظرف الأخير خيال؟!

وتبقى مجموعة من التساؤلات الجديدة:

  • أن حكومة صاحب الجلالة السعودية، وحكومة صاحبة الجلالة البريطانية، بينهما خلاف حاد، أو على الأقل كان كذلك في البريمي.
  • أن بريطانيا بعملية عسكرية استولت على بقعة من الأرض كانت السعودية تعتبرها جزءاً منها.
  • وحاولت المملكة السعودية بالمفاوضات أن تسترد ما شاءت لنفسها بالسلاح، وتعددت جولات المفاوضات، لكن الصدمة التي أطارت العقل الذهبي وقفت به على رمل الصحراء لم تفتح لرحمه بالمفاوضات ولا تمكنت من أن تأخذ ثأرها بالسلاح مواجهة السلاح، وإذن ما هو معنى الذي يحدث الآن؟..
  • هل يقال إن تكون بريطانيا نفسها التي تقدم لـ «بون» منذ أسابيع توصل مع السعودية ما تحتاجه إليه من السلاح؟
  • أن الأسلحة البريطانية المجهزة بعد أن فقد أسنانه لم يعد أسلحة، بل إنه إلى السلاح الخداع الذي يسعى ولا تصل به المداهنة إلى الحد الذي يجعلها يتطوع بنفسه إلى أن يقدم للجيش السعودي أسطولاً هنا لم يصل إطلاقاً استئنافاً يعنى بها.
  • إن الملك فيصل بنفسه، كان بين الملوك والرؤوساء العرب الذين وضعوا توقيعهم بمعاهدة الإسكندرية في سبتمبر 1964 على قرار يقول بالنص:
    «إن مجلس الملوك والرؤساء العرب يقر مكافحة الاستعمار البريطاني في شبه جزيرة العرب وتقديم المساعدات لحركة التحرير في الجنوب المحتل وعمان».
  • وفي أعقاب ذلك جرت المحادثات بين وفود وزراء بريطانيا مع استكشاف رئيس وزراء إسرائيل أثناء اجتماعهما ببلجيكا في الأسبوع الأخير.

هذه الملابسات تثير تساؤلاً:

هل يمكن أن تطبق مع العرب نهاية الدين يسلحون إسرائيل بهذه حماستها وهذا الإصرار؟!
إن السياسة البريطانية حيال النزاع العربي-الإسرائيلي ما زالت تطبق على عقب ذي السقف الذي أصدرته الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا سنة 1950. وهذا التصريح يقوم على نقطتين:
  1. أن الدول الثلاث تتعهد بعدم محاولة تغيير الحدود الحالية بين العرب وإسرائيل بقوة السلاح.
  2. أن الدول الثلاث تتعهد بإبقاء توازن في القوة المسلحة بين الطرفين، أي بين الدول العربية جميعاً وحدها في الكفة الأخرى.
وفي هذا التصريح الثاني، أضف بخلطه بالنسبة لأصحابه مع حرب السويس، حين اشتركت دولتان من أصل ثلاث – هي بريطانيا وفرنسا في عدوان معلن متواطئ مع إسرائيل – فإن بريطانيا – حتى في سياستها وتصريحاتها – لم تجد ما يبرر موقفها إلا أن تشير من طرف خفي إلى ضرورة إبقاء توازن القوى بين كل العرب وبين إسرائيل!
إن النوايا البريطانية من طراز «الجنرال بون» التي قدمتها ألمانيا الغربية لإسرائيل كانت ترسل إلى بعض البلدان ومنها بريطانيا لحساب الأسلحة التي أراقت الدماء الإسرائيلية، بريطانيا قدمت بالمثل لدول المنطقة أسطولاً جديداً، وجزءاً من هذه الدبابات «سنتوريون» البريطاني.
وعندما كان «هارولد ويلسون» رئيس وزراء بريطانيا يزور أمريكا مؤخراً، فما كان أسهل من أن الأخير يتحدث عن الدعم الغربي لبعض دول المنطقة لكي يعود التوازن كما كان ذلك!
أن تتخذوا ما تشاءون من موقف القوة، ولديكم آراء الغرب وأسبابها – تطبقون لأنفسكم وتمنعون من عدو أمتكم، عدوكم في نفس الوقت.. ربما أتاح ذلك إلى جسارة لم تتوافر لأصحاب القادرة عليها بعد… الآن يبقى الطريق الثاني: أن تحاولوا تقدم الدين يحصلون على السلاح وتصوبونه إلى غيركم من أبناء أمتكم.. ثم لا تطلبوا سلاحاً من الذين يفرضون التوازن بين كل العرب وبين إسرائيل وحدها، وذلك هم أعطوكم إياه – بؤرة أسباب القوة لكم – بل أن تمنعوا عن إسرائيل وتفككوا حلفكم معها وتقولون: نحن لا نريد منكم سلاحاً لكننا لا نريد أن تعطوا لإسرائيل.
وسلِحهم الله في الرياض مرة ثانية كل هؤلاء الذين سوف يهدون بالفوز بمن يسكن الحاكم على أن الجيش يستطيع أن يعينهم..
هل رأيتم … لقد اعترف بلسانه أخيراً … هو لا يريد لنا القوة ولا يريد أن يرانا القوة العسكرية هو مهيأ لها وأريد بالشارع !
«إن هناك الآن معركة حثيثة تواجه الأمة العربية.. وفي حديثي هذا ما يشترك في السعودية القديمة كانت معركة المصير العربي الواحد – الذي غيرها – دافق.. ومن أجلها وحدها كانت تساؤلاتي فيما يجري الآن في خطاهم ويصرفون تماماً إلى أين، وهل حسبوا النتائج والعواقب شيئاً غيرها – الدافق.. وعما إذا كانوا يظهرون مواقع خطاهم ويعرفون تماماً إلى أين، وهل حسبوا النتائج والعواقب شيئاً غيرها -».
وليس لي بعد هذا أن أقول أكثر مما قلت! ..
ورأي العام العربي قبلي وبعدي أن يشهد ويكتب حتى وإن لم يصله من الرياض جواب !!..
محمد حسنين هيكل

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى