أخبار تهمكالرئيسيةخدماتفن وثقافات

مقطع من رواية فتاة وبحيرتان للكاتبة أماني القصاص

حولى نساء كثيرات من كل الأعمار والمستويات، وجوههن مريحة رغم التعب الواضح عليهن. تجد بعضهن منزويات باكيات في الأركان، والبعض مصليات على الأرض الرخامية الناعمة، وأخريات قارئات للمصاحف على أمل القرب في المكان والمكانة. تجد بعضهن ممسكات بكتب أدعية يقرأن منها ما يتمنين، أو متعلقات بالسياج المعدني اللامع حول المقام وهن راجيات للعون الإلهي والفرج من كل ضيق.
عندما دخلت هناك شعرت بالسكينة تظلل المكان، ليجد الجميع أن ليس أمامه سوى التضرع والرجاء. جلست بجوار صديقتي في أحد الأركان وسندت ظهري إلى الحائط الرخامي البارد، وظللت صامتة لا أفعل شيئًا، أنظر حولي بعيني وحالتي تطغى عليَّ فتسيل دموعي دون كلام.
قطع المشهد دخول سيدة تضع على رأسها شالًا أخضر كعلامة على (القلب المتصوف). دخلت بين الناس بقوة وصوت جهير تقول:
«السلام عليك يا حسين يا سيد الشهداء
السلام على جدك رسول الله
يا آل بيت رسول الله، حبكم فرض من الله وفي القرآن أنزله
يكفيكم من عظيم الفخر أنه من لم يصلِّ عليكم فلا صلاة له
السلام عليك وعلى قلوب كل محبيك
مدد بفضلك، مدد بنور الله في مقامك، ومدد بحبك وحب أهلك جميعهم».
أشاعت كلماتها وطاقتها الواثقة البهجة، ورد عليها الجميع السلام، ثم عادت كل امرأة إلى حالها: من تدعو، ومن تصلي، ومن تقرأ، ومن تبكي بصمت وحرقة.
غرقت بين صمتي ودموعي لأجد يد امرأة طاعنة في السن تمتد لي بسبحة بلاستيكية صغيرة الحجم وتقول لي وهي تطبطب على كتفي بيدها الأخرى بحنان نادر ومحبة أحتاجها بشدة: «الله كريم، سبحي باسمه الكريم يا بنتي ومتشيليش هم، ربنا يفرج همك يا رب».
رفعت عيني لأنظر إلى وجهها المكرمش وجسدها المنحني النحيل وأقول لها: «شكرًا»، فاستمرت هي في الدعاء لي والتمليس على كتفي وذراعي بقلب أم افتقدته، وشعرت أن الله أرسلها إليَّ لشدة حاجتي إليه.
أكملت السيدة دعاءها لي وقالت: «ادعي يا حبيبتي، فالله قريب، ادعي عند حبيبه الحسين. واذهبي إلى أم العواجز ستنا زينب؛ فلا يزورها مكروب إلا وجبر الله خاطره. ادعي هنا ثم زوريها؛ فهنا الدعاء وهناك المحكمة».
قلت لها: «مش عاوزة محكمة ولا هدعي على حد؛ لأن اللي أذوني هم أقرب الناس، لكن هدعي بجبر القلب والخاطر يمكن الجبر يخففني من الوجع».
رواية فتاة وبحيرتان لأمانى القصاص
رواية فتاة وبحيرتان لأمانى القصاص
أخرجت لي السيدة من حقيبة يدها الكبيرة المتهالكة كتيب أدعية قديمًا معظم صفحاته مهترئة، وقالت لي: «ادعي». أخذت الكتيب نظرت إليه بعيني ودعوت بقلبي خلف كلماته المريحة، ولم أرفع عيني إلا عندما وجدت السيدة تقول لي: «تعالي ندخل باب السر». قلت لها: «يعني إيه؟».
قالت: «مكان رأس سيدنا الحسين. هناك هتحسي إنك في حتة تانية».
قلت لها: «إزاي ندخله؟»، قالت: «ربنا هيرتبها، تعالي بس معايا نلف عند مدخل الرجال لأن دخلته من هناك».
قلت لها: «معاكِ أنا وصاحبتي. ويا ريت نعرف نزوره».
ذهبنا خلفها وإذا بها تحدث الحارس على باب الرجال، وواضح أنه يعرفها. وبالفعل سمح لنا بالدخول من جانب المسجد الضخم المخصص لصلاة الرجال، ثم فتح لنا الحارس باب غرفة صغيرة المساحة، شاسعة الروح والبراح. بمجرد دخولنا إليها بالفعل لمسنا السلام والطمأنينة لقلوبنا. لم نرَ بها مقامًا ولا مدفنًا، لكنها تفتح على باب مغلق دائمًا على مكان آخر، واضح أنه مكان دفن الرأس الشريف بعد نقله إلى مصر، وبها شباك معدني لمن يريد أن يقف أقرب منه.
وجدت قلبي يقول لي بعد قراءة الفاتحة لصاحب المقام: «صلي ركعتين». وبالفعل فعلت لأجد قلبي في مكان آخر أكثر هدوءًا ورحابة.
مدد يا حسين.
للكاتبة أماني القصاص
أمانى القصاص
أمانى القصاص

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى