أخبار تهمكخدماترأي

أحمد سعيد طنطاوي يكتب: الصين- القاهرة.. 70 عاماً من العشق الثقافي

قبل عدة سنوات لن أنسي حوارا دار بيني وبين صديق من الصين، قال لي بصوت يملؤه الفخر: نحن عندنا قطار فائق السرعة، سرعته 600 كيلومتر في الساعة«.

600 كيلومتر يا لي؟! .
هل هذه مزحة؟

قال لي مبتسماً: »في الصين كل شيء أكبر وأسرع، حتى القطارات تقول لجارتنا اليابان: وداعاً«.

قلت لنفسي: يا سلام، لقد تجاوز التلميذ الأستاذ، وأصبح يعطي دروساً في السرعة لمن كان يظن نفسه وحيد الكوكب في هذا المجال.

70 عاماً من العشق الثقافي
في 30 مايو عام 1956، حدث شيء عظيم في تاريخ الحضارة.

في هذا اليوم، رفعت مصر علم الصين في عواصم العالم، وقالت للعالم كله: »نحن مع الصين«.

نعم، كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية. ولم يكن ذلك مجرد قرار سياسي، بل كان عشقاً حضارياً بين نهر النيل ونهر اليانغتسي.

وهذا العام 2026، تحتفل مصر والصين بمرور 70 عاماً على هذه القصة الجميلة. 70 عاماً من الحب الثقافي، والتبادل الفني، والترجمات الرائعة، والزيارات المتبادلة.

في عام 2016، وتحديداً في مدينة الأقصر العريقة، التقى الرئيسان عبد الفتاح السيسي وشي جين بينج في حفل افتتاح »عام الثقافة المصرية الصينية«. كان ذلك الحفل أشبه بزفاف رسمي بين عروسين أحدهما فرعوني والآخر صيني.

شاهدت أنا بنفسي كيف انطلقت 100 فعالية ثقافية في 25 محافظة مصرية، وكيف تعلم المصريون فنون الكونغ فو التقليدي وتعرفت الصين على مولانا الشيخ الشعراوي.

في القاهرة، هذه النقاط لا تتركها
عزيزي الصيني، إذا أتيت إلى القاهرة، لا تذهب إلى الأهرامات فقط وتعتقد أنك رأيت مصر كلها.

أولاً: اذهب إلى قهوة »فيشاوي« في خان الخليلي، تلك القهوة العتيقة التي أسسها مصطفى فيشاوي في عام 1773، أي قبل 250 عاماً تقريباً. هناك ستشرب شاياً بالنعناع ساخناً، وستتعلم كيف تموت مصر ضحكاً وحزناً في نفس الوقت.

ثانياً: لا تترك الجامع الأزهر دون أن تصلي فيه ركعتين. هذا الجامع العظيم بُني على يد جوهر الصقلي في 4 أبريل 970م، واكتمل بعد عامين. كان أول مسجد بُني في مدينة القاهرة، ولا يزال صامداً بعد أكثر من 1000 عام.

ثالثاً: اقترب من كنيسة أبي سرجة في مجمع الأديان بالقاهرة القديمة. هذه الكنيسة التي لجأت إليها العائلة المقدسة أثناء رحلتها إلى مصر، تقع داخل حصن بابليون الروماني. ستشاهد كيف يعيش المصريون معاً مسلمين ومسيحيين في أرض واحدة.

رابعاً: لا تذهب إلى متحف الحضارة المصرية دون أن تزور قاعة المومياوات الملكية في الفسطاط. في 3 أبريل 2021، تم نقل 22 مومياء ملكية في موكب مهيب من المتحف المصري بالتحرير إلى هذا المتحف الرائع. هناك ستقف أمام رمسيس الثاني الذي عاش قبل 3000 عام، وتشعر أن الزمن مجرد رقم في كتاب الله.

خامساً: في نهاية اليوم، اجلس على كورنيش النيل ليلاً. النيل ليس مجرد نهر، بل هو شريان الحياة لمصر. ستشاهد العشاق والباعة المتجولين والقوارب المضيئة، وستفهم لماذا قال المصريون: »من شرب من ماء النيل عاد إليه«.

في الصين، لا تفوت هذه الفرصة
عزيزي المصري، إذا أتيت إلى الصين، هناك خمسة أشياء لا يمكن أن تغادر قبل أن تراها.

أولاً: سور الصين العظيم. هذا السور الذي يمتد بطول 21,196 كيلومتراً، بني على مدى قرون عديدة بدءاً من القرن الثالث قبل الميلاد. إنه ليس سوراً فقط، بل هو إصرار شعب كامل.

ثانياً: المدينة المحرمة في بكين. هذا القصر الإمبراطوري الذي استغرق بناؤه 14 عاماً (1406-1420 م)، وحكم منه 24 إمبراطوراً صينياً لمدة 500 عام. قصوره الصفراء تشبه إلى حد بعيد قلعة صلاح الدين في مصر، التي بناها صلاح الدين الأيوبي عام 1176م فوق جبل المقطم لحماية القاهرة.

ثالثاً: الركوب في القطار الصيني فائق السرعة. اركب من شنغهاي إلى بكين في أربع ساعات ونصف فقط. هنا ستشعر أنك في المستقبل، وستضحك على قطارات أوروبا التي تسير كالسلحفاة في طريقها.

رابعاً: زيارة مدينة تشنغده التاريخية، التي تبعد حوالي 230 كيلومتراً شمال بكين. هذه المدينة كانت المصيف الصيفي للأباطرة الصينيين، وهي اليوم موقع تراث عالمي تابع لليونسكو. ستشاهد الحدائق الإمبراطورية والمعابد البوذية القديمة، وتتذوق »بكين داك« الأصلي في بيئته الطبيعية.

خامساً: مدرسة شاولين للكونغ فو. لا تظن أن الكونغ فو مجرد حركات بهلوانية مثلما نرى في الأفلام الصينية. إنه فلسفة كاملة للوجود، وفن للحياة.

خلاصة الكلام
عدت إلى صديقي «لي» وقلت له:

اسمع يا صديقي العزيز.
قطارك الصيني يقطع 600 كيلومتر في الساعة، وهذا شيء يبهر العقول.
لكن قطار الثقافة بيننا أسرع من كل القطارات. 70 عاماً فقط مرت على علاقتنا، لكن قلوبنا تعرف بعضها منذ 5000 عام.

ابتسم «لي» وقال: »أحضرت لك هدية من الصين«، وأخرج من حقيبته نسخة من »رحلة إلى الغرب« مترجمة إلى العربية.

فقلت له: »وأنا أحضرت لك هدية«، وأخرجت من جيبي نسخة من »أولاد حارتنا« لنجيب محفوظ.

قال لي الصيني مبتسماً: »محفوظ هذا، هل هو نجيب محفوظ الذي حصل على نوبل؟«.

قلت له: »نعم، لكنه في قلوبنا أفضل من نوبل بكثير«.

وتذكرت مقولة الراحل أنيس منصور: »الصداقة بين الحضارات لا تُصنع في الوزارات، بل تُصنع في المقاهي وفي القطارات وفي القلوب«.

نحن والشرق الأقصى وشرقنا الأوسط، قصة حب مكتوبة بقلم لا يُمحى.

 

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى