الرئيسيةرأيفن وثقافات

مصطفى عبادة يكتب: كيف ترانا الصين؟

لا يزال الرئيس الصيني ” شي جين بينغ” يصر على القوا إن العالم يتطور، وإن الزمن يتغير، كما لا يمل من القول: إن العالم يحتاج إلى علاقات سوية بين الدول، كما بين البشر، بشكل عام، كما أن العالم في حاجة ماسة إلى علاقات صينية أمريكية، وعلاقات صينية عالمية، قائمة على المنافع المتبادلة والمصالح المشتركة بعيدا عن الصراع والتناحر، ويقول أيضا: إن بإمكان الصين والولايات المتحدة التعايش بشكل صحيح، لأن ذلك له تأثير مباشر على مستقبل البشرية ومصيرها، ولأن الأرض شاسعة وتستوعب الجميع، فيما يقول شي ذلك تظل أمريكا تغرق أكثر في خوفها ورعبها، مما تتصوره زوال قرنها وهيمنتها، والخوف سمة الضعفاء، وتقديم المبادرات والحلول ومد يد العون للجميع سمة الأقوياء، الذين يثقون في أنفسهم، ويثقون في الآخرين، وهكذا يبدو أن تلك العلاقة تتحدد على نقطة مركزية هي الخوف الأمريكي، والإقدام الصيني، الخائف يحذر ويتوعد ويشيطن الآخر، والمقدم المبادر يطرح المبادرات والحلول ويتحدث عن المنفعة، الخوف الأمريكي دفعها إلى إقامة الأحلاف العسكرية لا سيما في آسيا والمحيط الهندي، واستفزاز الصين في تايوان لجرها إلى نزاع طويل يلهيها عن هدفها، ذهبت أمريكا أيضا إلى السعي إلى إقامة علاقات وثيقة مع الهند بأي ثمن، وقبلت من بعض دول المحيط الهندي ما لم تكن تقبله من قبل، لسحبها من المجال الصيني، ومن جهة هناك علاقات ودعم غير محدود لكوريا الجنوبية واليابان، والإقدام والثقة دفعت الصين إلى انتهاج العكس، أي تقديم معونات اقتصادية، وعلاقات تجارية سليمة ونافعة مع كل دول العالم، وشتان الفارق بين من يتحصن بالسلاح خوفا ورعبا ويجمع حوله البلطجية ليصبح كبيرهم، وبين من يقدم العون الحياتي والاقتصادي، ويدفع ويساعد الدول على التنمية  والاستفادة المشتركة.

الخوف والرغبة في الهيمنة وإدامة القرن الأمريكي، دفع أمريكا إلى إضعاف الاتحاد الأوروبي وتفكيكه، واللعب في مفاصله، ففي عام 2008 كان اقتصاد الاتحاد الأوروبي أكبر من اقتصاد أمريكا بنسبة 10% ، الآن أصبح اقتصاد الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة مجتمعين اصغر من اقتصاد أمريكا بنسبة 21%، ربما تكون هذه واحدة من أكبر القصص الاقتصادية في العقد الماضي، الضعف الأوروبي والعدوانية الأمريكية، أو على الأرجح كليهما معا، في هذا العقد الماضي نفسه كانت الصين مقدامة في تطوير علاقاتها بالجميع، وتسير بخطى حثيثة في استكمال مقومات الدولة العظمى.

بقي أن هناك مجالا للتنافس لم يلتفت إليه الكثيرون، وهو المجال لإعلامي، خصوصا توجه الصين وأمريكا إعلاميا نحو المنطقة العربية، كيف يريانها وما نوعية الخطاب الموجه للعرب من خلال القنوات التي تملكها كل من أمريكا وقناتها الحرة، ودولة الصين وقناتها الصينية، كيف تبدو القضايا العربية في خطاب القناتين الإعلامي، ذلك ما حاز بسببه الباحث الإعلامي محمد هاني الجمل على درجة الدكتوراه بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف الأولى من كلية الإعلام جامعة القاهرة، عن رسالة بعنوان ” معالجة قناتي الصين والحرة للقضايا العربية واتجاهات الجمهور المصري نحوها”.

قبل أن أدخل بك في فصول الرسالة أود الإشارة إلى روح الإصرار والتحدي التي ميزت هاني الجمل، فالرجل في السبعين من عمره وطوف في مجال الإعلام عربيا ودوليا، لكن شغفه بالمعرفة دفعه للبحث ومواصلة تقديم الجديد نظريا بعد أن أفني حياته خبيرا إعلاميا في الصحف والإذاعات العربية فهو خريج أول دفعة بإعلام القاهرة عام 1975 عمل أربع سنوات بالأخبار الصوتية بإذاعة القاهرة، ثم قضى 33 عاماً في دولة الإمارات العربية المتحدة محرراً ومراقباً ومديراً للتحرير بإذاعة وتلفزيون أبو ظبي، وصحف الاتحاد والبيان والفجر والوحدة مختتماً حياته هناك بالعمل بقسم التحرير بوكالة أنباء الإمارات ” وام “.

وله كتاب نشرته صحيفة البيان التي عمل بها ثلاث سنوات بعنوان ” أم الإمارات “، إلى جانب العديد من المقالات المنشورة في صحيفة الرؤية والبيان الإماراتية وموقع بيان الإخباري وغيرهما. وطوال وجوده بالإمارات عمل مراسلاً لإذاعتي القاهرة وصوت العرب والتلفزيون المصري بأبو ظبي، قبل أن يعود إلى مصر ليحصل على الماجستير بامتياز حول ” العوامل المؤثرة في الأداء المهني للمراسل الإعلامي “.

أما دراسته الحديثة فقد تناولت من خلال فصولها الخمسة كيفية معالجة قناتي الحرة والصين للقضايا العربية، والأطر الخبرية التي تقدم من خلالها القناتان القضايا العربية، وأوجه الاتفاق والاختلاف بينهما في تغطيتهما للشأن العربي، ومدى ترجمة كل منهما لسياسة المالكين لهما، في ظل التنافس الأمريكي الصيني اقتصادياً على قيادة العالم، وتزايد اهتمامهما بالمنطقة العربية.

كما استهدفت دراسة الباحث- البالغ من العمر سبعين عاماً وخريج أول دفعة بإعلام القاهرة – الوقوف على نوعية القضايا والأحداث العربية التي تهتم القناتان بتناولها والمصادر التي تعتمدان عليها، وقياس العلاقة بين معالجتهما لتلك للقضايا، واتجاهات الجمهور المصري نحوهما، ومدى اعتماده عليهما وثقته فيهما كمصدر للمعلومات، ودورهما في تشكيل اتجاهاته نحو الولايات المتحدة الأمريكية والصين.

ولتحقيق هذه الأهداف اعتمد الباحث على منهج المسح بالعينة (Survey) الكمي والكيفي من خلال تحليل عينة من النشرات الإخبارية المقدمة في قناتي الدراسة لدورتين متتاليتين من الأول من ابريل عام 2022 وحتى 30 سبتمبر بواقع (24 نشرة في كل قناة) عن طريق استخدام الأسبوع الصناعي، إلى جانب عينة عشوائية قوامها 60 مبحوثاً من الجمهور المصري العام، وأخرى عمدية قوامها 60 من قادة الرأي ممن يتابعون قناتي الدراسة ويهتمون بالقضايا العربية التي تتناولها القناتان.

وقد أظهرت نتائج الدراسة اهتمام قناتي الحرة والصينية في نشراتهما الإخبارية بالقضايا السياسية العربية، نظراً للوضع الجيوسياسي للمنطقة العربية الحيوية بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والصين، وإن جاء اهتمام الحرة شاملاً لكل القضايا العربية، خاصة تلك التي تتناول قضايا حقوق الإنسان أو المظاهرات والاضطرابات، فيما نأت قناة الصين بنفسها عن تلك الموضوعات. كما وقعت أغلب الأخبار العربية في وسط النشرات خاصة بالقناة الصينية التي تحرص على أن تبدأ نشراتها بالأخبار المحلية، حتى وإن كانت غير مهمة للمشاهد العربي، وهي نقطة تثير التساؤل حول الغرض من إطلاقها، ومن هو جمهورها المستهدف.

ومن بين النتائج أيضاً اعتماد قناتي الدراسة على (المراسل) كمصدر مهم من مصادر الأخبار، وإن تفوقت الحرة في هذا المجال نظراً لخبرتها الطويلة وإمكاناتها الكبيرة مقارنةً بقناة الصين التي تعتمد كثيراً على وكالات الأنباء الغربية في تغطيتها لأخبار العالم العربي. كما برز (الاتجاه السلبي) تجاه الشخصيات المحورية في القناتين وتشككهما في دورها بالمجتمعات العربية لعدم وجود أجهزة رقابية لمحاسبتهم. وإلى جانب ذلك ابتعدت قناة الصين عن الأخبار التي تحمل في طياتها مظاهرات أو مواجهات بين السلطة والشعب كما حدث خلال ما يعرف بالربيع العربي باعتبار ذلك حدثاً داخلياً ترجمة لتعليمات الحزب الشيوعي الحاكم. كما أظهرت نتائج الدراسة التي استمرت عامين ونصف اهتمام قناة الصين الواضح بإبراز كل الأخبار التي تحمل قيماً (سلبية) عن الولايات المتحدة الأمريكية مثل سرقة قواتها للنفط من مدينة الحسكة السورية، والوضع المتدهور بالعراق والآثار السلبية لانسحابها المفاجئ من أفغانستان، وأخيراً انعدام أي دور (إيجابي) للمنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي في حل الأزمات الدولية.

أمّا مقترحات الدراسة فمن أهمها:

1-   تشجيع الباحثين على إجراء مزيد من الدراسات والبحوث العلمية حول قناة الصين الموجهة باللغة العربية، حيث أن الدراسة الحالية هي الأولى عربياً ودوليا التي تتناول تلك القناة.

2-   إجراء مزيد من الدراسات حول العلاقة بين التعرض للقنوات الفضائية الموجهة بالعربية، واتجاهات الجمهور المصري نحو الدول المالكة لتلك القنوات.

3-   إجراء مزيد من الدراسات العلمية للمقارنة بين أداء القنوات الموجهة المختلفة التوجهات والملكية، للوقوف على العوامل المؤثرة في اختيار الأطر الإخبارية التي تقدم من خلالها القضايا المختلفة الاهتمام بمتابعة الصورة المقدمة عن العالم العربي في تلك القنوات العربية لمواجهة تأثيراتها.

4-   إجراء مزيد من البحوث والدراسات لقياس اتجاهات الرأي العام لتقييم دور القنوات الفضائية الموجهة باللغة العربية في تناول قضايا الوطن العربي.

5-   العمل على إنشاء قنوات مصرية وعربية موجهة بلغات أجنبية متنوعة من أجل مواجهة البث الإعلامي الوافد والوصول للآخر بلغته وشرح وجهات النظر العربية تجاه القضايا المختلفة.

6-   إنشاء قناة تلفزيونية إخبارية ومحطة إذاعية تخاطب المواطن المصري والعربي، تتناولان القضايا العربية بموضوعية وشفافية، وتعملان على تحقيق التواصل المباشر مع أفراد المجتمع، على أن يقوم بإعداد وتقديم محتواهما الإعلامي المتنوع متخصصون ومؤهلون علمياً.

7 –العمل على تحصين المواطن المصري والعربي بالمعلومات الدقيقة والصادقة حتى لا يقع فريسة للمعلومات الوافدة، والتي قد تكون مضللة وغير حقيقية من خلال إطلاق قنوات إعلامية متميزة وموضوعية، وتتمتع بأعلى درجات الحرية في مناقشة كل القضايا الداخلية والخارجية.

ماما

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى