تساءلت صغيرة: لم يطلق المصريون على القاهرة “أم الدنيا”؟ وإن كانت هي أم الدنيا فأين أبوها؟ فأقنعت نفسي بأن “مصر” أم الدنيا لأنها متقدمة علينا في كل شيء، فنحن في الإمارات نطلق على السيدة التي تعرف الكثير “أم الدنيا”، لكني اليوم أعرف أن التقدم والتأخر نسبيين، فإماراتنا صارت الآن أولى دول المنطقة تقدما، خاصة في أمور التخطيط، والتسويق والاتصالات، بينما شاخت مصر بتقدمها، حسب تعليق صديقة مصرية.
سيدة مصرية أخرى أخبرتني أن ابن بطوطة هو من أطلق على القاهرة “أم الدنيا”، حين زارها، ووجد مدى التنوع البشري والطبقي، والثقافي بها، فتذكرت أن القرآن أطلق على مكة المكرمة “أم القرى”، فعرفت أن للبلدان أمهات، يلدنهن بلا آباء، وهذه حكمة إلهية، فالأنثى هي الوالدة، منذ بزوغ الحياة على الأرض، وفي وقتنا الحاضر محت تجارب الاستنساخ دور الذكر، فعرفت لم للدنيا أم، ولا يقال شيئا عن أبيها.
زرت “أم الدنيا” ثلاث مرات، المرة الأولى عام 1989، الذي كان مفتاح رحلي وترحلي بعد ذلك، فمنذه صارت تألفني مطارات العالم. سافرت في ذلك العام إلى ثلاث وجهات، تدرجت فيها بالغربة، بدأتها بالغربة عن الثقافة الإماراتية حين ذهبت للعمرة، وتغربت عن الثقافة الخليجية في مصر، وانتهيت بالغربة عن الثقافة العربية حين أضحيت بواشنطن.
وصلنا للقاهرة في صباح يوم من أيام يوليو الدافئة، خرجنا من المطار مع ظهور خيوط الشمس الأولى، وبمجرد أن انطلق بنا التاكسي، صرت أتلفت أبحث عن الزحمة، وأنا ترن في أذني شكاوي الأفلام والمسلسلات والأغاني منها، فعرفت أن دقائق شروق الشمس الأولى في القاهرة هي اللحظات الحرة لشوارعها، فهذه السويعات هي التي تفصل بين عودة آخر ساهر إلى منزله، وخروج أول موظف من بيته، في تلك اللحظة الخالية من الناس، ولجنا نحن إليها.
كنت في تلك الرحلة بكنف خالي، فحينها كنت صغيرة، وغير مستقلة، لذلك كنت أتبع خططه، ووفقا لخططه قضينا الثلاث أيام الأولى في فندق سميراميس، بينما كنا نبحث خلالها عن شقة تضمنا جميعا، فلقد كنا عائلة من 14 شخصا.
لا أدري ما العلاقة بين ذلك والطقس، لكني أتذكر أن الطقس لم يكن معتدلا في ذلك الصيف، فعملية البحث عن شقة كان بها حرارة شمس ساطعة، كنت في ذلك الزمن أعتقد أن لكل البلاد مناخ أبرد من بلدنا، وهذه الفكرة لم تكن من اختراعي، بل أوصلها إلي المقيمين في الإمارات، لدرجة أني اعتقدت حينها بأني سينجلي عن بشرتي اللون البرونزي، أثناء زيارتي مصر، وحلمت بأني سأعود بيضاء، ليس ببياض شويكار طبعا، لكن على الأقل مثل شريهان، لكن طقس القاهرة خيب ظني. لا أنكر أن الجو كان جميل مقارنة بجو الإمارات، بل أنه بارد في الأمسيات التي كنا نجلس فيها على سطوح شقتنا المزدان بنوافير في وسطه وحوائطه، لكنه كان مشمسا بالحرارة خلال النهار.
لم يكن طقس النهار وحده المشكلة، بل أن “ناموس” الليل قضى بشكل كلي على بشرتنا السمراء، فعدنا بندوب سوداء في كل جزء منا استطاع أن يصل إليه الناموس، ففي شقتنا ذات الثلاث طوابق وسطوح “بالعجوزة”، التي كانت تشبه متحف اختيرت تحفه بعناية، لم يكن هناك تكييف إلا في غرفة النوم الرئيسية، بناء عليه نجا خالي وزوجته فقط من زحف “الناموس”، أما أنا وباقي أفراد أسرته، فلقد أصاب الناموس تخمة من امتصاصه لدمنا الشاب، و”الناموس” غير البعوض، لا يرى، لكن يشعر بلدغة، وحين استوعبنا أننا يجب أن نرش شيء للتخلص منه، كان الناموس قد أخذ منا ما أخذ.
قالت لي صديقة إماراتية: أن السفر للقاهرة متعة، وأنني لو جلست في الشرفة فقط، فأني سأرى الكثير. لم تكن تدري تلك الصديقة بأني سأتبع نصيحتها حرفيا، لدرجة أني صرت على معرفة بتفاصيل البيوت، وحركة الجيران من جهات شقتنا الثلاث، فالجهة الرابعة تحجبها عني الشقة الملازمة لشقتنا، وليس لأني قررت غض نظري عنها، كانت تلك الشقة أيضا من ثلاث طوابق وسطوح، أذكر أن صوت الراديو لم يكن يغلق فيها، فأوحت لي النغمة المستقرة للمكان بخلوه من البشر.
أما في الجهات الثلاث الأخرى، فلقد تعرفت عن بعد بوسيلتي المرئية أحادية الإرسال على مجموعة كبيرة من الشبان والشابات يقيمون في شقة واحدة، بدت لي من البعد التي كنت أراها منه أنها واسعة، وبدا لي سكانها لا يعودون إليها إلا للنوم نهارا، أو لتغيير ملابسهم في بدايات ونهايات أمسياتهم. وفي الجهة الأخرى كان طالب يسهر حتى ساعات متأخرة من الليل يدرس، ولأن المدارس والجامعات كانت مغلقة في الصيف، توقعت أن يكون طالب دكتوراة، فحسدته. أما في الجهة الثالثة، كانت العمارات أقصر من عمارتنا، رأيت فوق سطوح بعضها الناس المقيمة في أعالي البيوت، وكثير منها حجبتها عني الأشجار العالية، لكني في ليلة رأيت مشهد لا أدري أن كان المحرر سيسمح لي بنشره، كان زوجان في غرفة، وباب الشرفة وستائرها مفتوحان، لا أدري لم لم يطفئا الإنارة؟! لأني رأيت ما لا يجب أن يرى، لا أدري إن كانت تلك غلطتي أم غلطتهم، أم غلطت صديقي.
زرنا في ذلك العام الأماكن التثقيفية التي يزورها السياح، بدءا بالمتاحف وانتهاء بقرية الفراعنة، لم يكن باب الترفيه الليلي في خطط خالي السياحية، كنت أتمنى أن أرى راقصة كما في الأفلام، لكن ذلك كان من قائمة ممنوعاته، فحسدت الشبان الذين كانوا يعيشون في تلك الشقة على تمتعهم بحرية الدخول والخروج.
عند الأهرامات ركبت بنات خالي الأحصنة، أما أنا فلأني كنت أكبرهن ركبت ” الكرتة”، غيرتي من ثقتهن وهن يمتطين الأحصنة، جعلتني أتخلى عن وقاري، وربما فزعي أيضا، وأصير مثلهن، لكن خوفي بمجرد أن صرت على ظهر الحصان أفزعه، وركض بي بعيدا، وأنا أصرخ، وهو يحاول التخلص مني، ويرمي بي من على ظهره، ركض خالي بحصانة وأنقذني، لأن معه لا يجرؤ آخر أن ينقذني كما في الأفلام.
..
كاتبة إماراتية
asma@uaeu.ac.ae


