الرئيسيةفن وثقافاتمنوعات ومجتمع

فيلم الست: سيرة امرأة أكبر من الغناء

منذ اللحظة التي قررت فيها مشاهدة فيلم الست، كنت أعلم مسبقًا أن لا عمل فني قادر على أن يوفي هذه السيدة حقها؛ تلك التي تركت لنا إرثًا فنيًا وثقافيًا تجاوز بجماله حدود الأجيال وتعاقب السنين، لتبقى أغاني أم كلثوم راسخة في أذهاننا، حاضرة في قلوبنا، كما هي نابضة في مشاهد هذا الفيلم الرائع.
فيلم الست لم يقدّم مجرد سيرة فنية، بل أسفر عن إبداع متكامل العناصر في تجسيد شخصية أم كلثوم، جعلنا نلامس هذه المرأة لا من خلال الأغنيات وحدها، بل من خلال أعماقها الإنسانية: غضبها، ضحكتها، دمعتها، وقلقها. ومع كل ذلك، كانت تهزّ المسارح بعظمتها، وتشدو بحنجرة اخترقت مسامات الفؤاد، وخلقت نشوة من الفرح والحب عجزنا عن تفسيرها حتى يومنا هذا.
هذا الفيلم أضاء جانبًا كنا نجهله، نحن أبناء الأجيال الحديثة التي لم تتشرف بالوقوف العميق داخل تجربة “الست” من الداخل. فنحن هنا لا نتحدث عن موسيقى وغناء وأداء وكلمات فحسب، بل عن امرأة أثبتت نجاحها رغم قسوة الظروف التي نشأت فيها؛ امرأة غيّبت أنوثتها في بدايات مشوارها بحكم الأعراف والتقاليد، ثم أسفرت تحدياتها الكثيرة، وصبرها، وثقتها بنفسها، عن أيقونة للحب والأنوثة والعذوبة، وكل ما عجز العشاق عن قوله.

فيلم الست لمنى زكي
فيلم الست لمنى زكي

هذه المرأة لامست قلوب الجميع، في كل مكان وزمان. لم تكن مغنية فقط، بل نموذجًا لامرأة مثقفة، متأملة في واقعها ومجتمعها. كتبت المقالات، دخلت ميدان النقابات، وشكّلت صوت المرأة الواعية، واليد الحنونة على الأطفال والمساكين.
ولأنها صاحبة الأغنية المرهفة، كانت امرأة داهمها الحب، وسرقها الفن، وعاشت من أجل رسالتها في الحياة، تاركة أثرها حتى بعد الرحيل. في أحد المشاهد المؤثرة، كتبت تقول إنها أصبحت تخاف الناس لطمعهم؛ وكأنها تركت رسالة صالحة ليومنا هذا، لكل امرأة صاحبة طموح ورسالة حقيقية. فالخوف من الناس مرحلة لا يمكن تجاهلها، كما هو الخوف من الوحدة، والخوف من الانطفاء.
فيلم الست، كما استشعرته، فيلم قدير؛ لأنه جسّد لنا حياة امرأة فاقت فعلًا كل المتخيَّل.
.
ندى نسيم
باحثة / كاتبة بحرينية

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى