في صفحات «حول العالم في 200 يوم»، توقف أنيس منصور طويلاً عند إندونيسيا، كما لو كانت أكثر من محطة في رحلة؛ كانت مرآة يقرأ فيها وجه الشرق الذي يشبهنا ولا يشبهنا. هناك، في جاكرتا الحارة التي تسمع فيها أجراساً غريبة ليلاً، أو في باندونغ التي امتدحت جمالها وغاباتها وجبالها وبراكينها، رأى الكاتب شعباً يعشق الرقص كأنه يحتفي بالحياة نفسها، ويشرب الشاي بالملح، ويتحدث عن مصر بألفة غريبة، حتى إن أحد الإندونيسيين حدّثه عن سامية جمال كأنه رآها بعينيه لا على شاشة. كان الشرق الآسيوي، في عينيه، أرضاً تجمع بين الحضارات لا تفرق بينها.
اليوم، حين ننظر إلى العلاقة بين القاهرة وجاكرتا، يبدو أن تلك الذكريات لم تكن مجرد خواطر رحّالة، بل نبوءة مبكرة لرابطة أعمق. فمصر كانت من أوائل من اعترفوا باستقلال إندونيسيا عام 1945، ووقّع البلدان في يونيو 1947 معاهدة الصداقة والمودة، أول معاهدة دولية في تاريخ الدولة الإندونيسية المستقلة. وفي أبريل 1955، شارك الرئيس جمال عبد الناصر في مؤتمر باندونغ الذي وضع نواة حركة عدم الانحياز، وكأن المدينة التي وصفها أنيس منصور كانت يوماً منصة لصوت الجنوب المشترك.
لم تتوقف الرابطة عند السياسة. فالإندونيسيون يرسلون أبناءهم إلى الأزهر، يحترمون علمه كما يحترمون إرثهم الإسلامي، ويجدون في مصر مركزاً للوسطية والتسامح. ويتطابق البلدان في رؤيتهما لكثير من قضايا المنطقة والعالم، لا سيما القضية الفلسطينية، وفي مواجهة ما يستهدف الإسلام من حملات. يجمعهما منظمة التعاون الإسلامي، وحركة عدم الانحياز، ومجموعة الدول الثماني الإسلامية النامية، وتبادل التأييد في المحافل الدولية.
وفي السنوات الأخيرة، تُرجمت هذه الجذور إلى خطوات عملية. ففي أبريل 2025، استقبل الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الإندونيسي برابوو سوبيانتو، ووقّعا إعلان ترفيع العلاقات إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، ثم التقيا مجدداً على هامش قمة البريكس في سبتمبر 2026. زيارات ولقاءات تحمل طموح شعبيهما نحو تعاون اقتصادي وثقافي أوسع، وتنسيق أعمق في مواجهة التحديات المشتركة.
كأن أنيس منصور، وهو يقلب صفحات إندونيسيا في كتابه، كان يكتب فصلاً من تاريخ لم يكتمل بعد. فالعلاقات بين البلدين ليست معاهدات وتواريخ فحسب، بل هي ذلك الخيط الذي يربط بين رحلة قديمة في شرق آسيا، وبين مستقبل يُبنى اليوم بخطوات واثقة، بين شعبين يعرفان قيمة التسامح، ويؤمنان بأن الجسور بين الحضارات أقوى من المسافات.


