رأيفن وثقافات

مصطفى عبادة يكتب: فقاعة “شفق”..  المؤلفة الشهيرة حرامية روايات

عالم الكتاب وحلويات عالم الكتاب
فجأة وبلا سابق عبقرية أو إبداع عظيم، صارت “إليف شفق” التركية انتسابا، الغربية مولدا ومعاشا، نجمة الكتابة في العالم العربي، ولم يعرف أحد، ولن يعرف، هل رافقت الصورة الذهنية للتجربة التركية التي أريد لها أن تقدم لنا، أم أن هناك سرا في الموضوع؟ لكن الأكيد أن ليس النظام التركي وحده من استفاد من شهرتها عندنا في المنطقة، بل كذلك جماعات أخرى أرادت أن تقول إنها ليست عدوة الأدب، وقد قدمت لهم “شفق” خدمة ثلاثية: امرأة وأديبة وتقتحم المحرمات الجنسية، والأكيد أن النظام التركي اكتسب عبر “إيف” أرضا في تصورات المثقفين الذهنية عن الإسلام الحديث الذي يقدم نفسه كممثل له، الإسلام الذي يرضي الجميع.
هذا الحضور غير المبرر فنيا لـ”إليف”، لم يكن مريحا، فروايتها “قواعد العشق الأربعون”، التي لعب فيها المحرر الأدبي دورا كبيرا، وأضاف إليها تلميحات الشذوذ الجنسي، صارت صرعة، ونسج الجميع على منوالها، من مثل: قواعد المشي الأربعون، وقواعد شرب القهوة الأربعون، وقواعد القراءة الأربعون، وقواعد الهجر الأربعون، وتواجدت الرواية اكثر من الأكياس البلاستيكية الملقاة على الأرص انتشارا، وليس هناك بائع على رصيف، أو كشك جرائد، إلا وعليه قواعد العشق الأربعون، كنت أفهم ذلك في إطار قراءة الموضة، وهي صرعة مصرية وعربية خالصة، فكرتني “ببنات الرياض”، فما إن تشتهر رواية أو كتاب، حتى يجري الجميع إليه ومعه، ولن يصبح أي أحد قارئا أو مثقفا، إلا إذا قرأه، وصارت هذه الصرعات تتكرر كل عامين يتسيدهما كاتب معين، عكس الأمر فيما سبق حيث كانت “الموضة” تستغرق عقدا كاملا.
المهم أن أليف ليست تركية بأي حال، فهي مولودة في ستراسبورج شرق فرنسا، وتعيش في لندن، وتكتب غالبا باللغة الإنجليزية، وأحيانا باللغة التركية، وأصبحت ضيفا دائما على كل المواقع الكبرى والجرائد الأكبر في العالم، لأنها مست وترا عالميا كانت له الهيمنة، فقد غاصت في تراث الصوفية، ومزجت بينها وبين الشذوذ، في وقت حل فيه مجتمع “الميم” محل كل شيء، وصار لهم نصيب من كل شيء، وجزء من كل دار نشر، وقسم خاص بهم في موقع ثقافي على الإنترنت، روايات عنهم ودواوين لهم، وتمت إعادة الاعتبار لمن مات منهم، وإلقاء الضوء من جديد، على أدبه وحياته، المهم أن “إليف” استفادت من هذا المناخ، وصارت ما هي عليه الآن، وطوال الوقت كان يراودني شعور أن في الأمر خدعة، وأن السيدة مصنوعة من الألف إلى الياء، وتأكد هذا الأمر بعد حكم المحكمة في القضية التي رفعتها عليها الروائية التركية “كيريكانات”، متهمة إياها بسرقة روايتها “قصر الذباب”.
شافاق، المقيمة في لندن منذ عام ٢٠١٣، حاضرة بانتظام في وسائل الإعلام البريطانية مثل صحيفة الجارديان وبي بي سي. تستضيف المهرجانات الأدبية البريطانية محاضراتها على مدار العام، شاركت منصة مع رئيسة وزراء اسكتلندا السابقة نيكولا ستورجن في إدنبرة، وظهرت كضيفة في بودكاست الملكة كاميلا، الآن تدعي “شفق”، ويدعي مناصروها أنها محاصرة في بلدها تركيا، وأن هناك حملة لمصادرة كتبها، وتشويه سمعتها.
يبدو أن ما تروجه “شفق” عن نفسها يستبق حكم محكمة منتظر يدينها بالسرقة الأدبية من ناحية، ويحاول إعادتها للأضواء من ناحية أخرى، بعد أن اختفى الكلام أو كاد، عن روايتها الأشهر “قواعد العشق الأربعون”، في مطلع العام الجاري 2025 أدانت محكمة في إسطنبول شافاق بتهمة الانتحال وأمرتها بدفع تعويض عن ذلك، وقضت المحكمة بأن رواية شافاق الصادرة عام ٢٠٠٢ بعنوان ” قصر البراغيث” قد اقتبست “خمسة بالمائة” من محتواها من رواية “سينك سراي “أو “قصر الذباب”، وهي رواية للكاتبة التركية “مينه كيريكانات” صدرت عام ١٩٩٠، والقضي الآن في محلة الاستئناف، الذي إذا خسرته الروائية الآن في العالم العربي، ستدفع شفق وناشرها، حوالي 7800 دولار أمريكي إلى كيريكانات، وسيكون الضرر الأكبر على سمعة شافاق، ستُصادر النسخ المتبقية من “قصر البراغيث” من المكتبات ومخازن الناشر، وستُضطر شافاق إلى نشر إعلان في إحدى أكبر صحف البلاد والاعتراف بالسرقة الأدبية.
يحاول مناصرو شافاق في الداخل التركي، أو في بريطانيا والغرب عموما، تصوير هذه القضية، برغم حكم المحكمة، على أنها جزء من اتجاه أوسع في “تركيا يضيق على حرية التعبير، مشيرين إلى سُجن أو نُفي كتاب بسبب معارضتهم لأردوغان، وشملت الحالات البارزة الصحفي جان دوندار والشاعر إلهان سامي تشوماك والسياسي صلاح الدين دميرتاش الذي نشر مجموعتين قصصيتين وثلاث روايات خلف القضبان.
وُلدت شفق في ستراسبورغ عام ١٩٧١، وهي ابنة أكاديمي وملحق دبلوماسي كان يساعد الدبلوماسيين في القنصليات التركية في إسبانيا والأردن وألمانيا، بعد طلاق والديها، شعرت شافاق بالغربة عن والدها، وبدأت تستخدم اسم شفق المستعار لأنه اسم والدتها الأول.
هناك هجومٌ مفتوحٌ على شفق، أي كتابٍ كتبته أو خطابٍ ألقته وُجّهت إليه اتهاماتٌ، زعم كُتّابٌ أنها سرقت غلاف مجموعتها غير الروائية “شمسباري” الصادرة عام ٢٠١٢، والتي تضمّ مظلاتٍ ملونة، من عملٍ فنيٍّ إسباني، عندما أشارت إلى ميولها الجنسية المزدوجة في محاضرةٍ على منصة تيد عام ٢٠١٧، كتب كُتّابٌ أتراكٌ أنها تكذب، قال أحدهم إنها “تُدين مجتمعنا للتعويض عن جبنها”.
في عام ٢٠١٩، قالت صحيفة صباح: إن رواية شافاق ” النظرة “، التي تتضمن فقرة تصف اعتداءً جنسيًا على طفل من وجهة نظر الضحية، “أشادت بالاعتداء الجنسي على الأطفال”، بعد نشر المقال بوقت قصير، زار ضباط الشرطة مكاتب دار دوغان كتاب، ناشرة شفق التي صرحت وقتها بأنها تلقت “اتصالًا هاتفيًا مستاءً” من ناشرها يُبلغها فيه بأن الكتب قد أُخذت إلى مكتب المدعي العام للتحقيق فيها.
قالت المحكمة عن رواية “أليف” وعما إذا كانت سرقت من رواية “كريكانات” أم لا: أن الانتحال كان واضحًا: كان هناك تشابه بين الإشارة إلى جبال الألب في كتاب كيركانات والإشارة إلى جبال جورا في كتاب شفق؛ يذكر كلا الكتابين “مشاهير العالم”، على الرغم من اختلاف المشاهير الفعليين المذكورين في كل كتاب؛ يمتدح كلا الكاتبين الأقليات ويصفان معاناتهم؛ هناك مشاهد في كليهما حيث تدخن الشخصيات على الشرفات؛ تظهر شوارع إسطنبول القذرة المليئة بالقمامة في كليهما؛ أبطال كلتا الروايتين أرواح معذبة؛ كلا الكتابين يتحدثان عن الحيوانات الأليفة.
تروي رواية ” سينك سراي” للكاتبة كيريكانات قصة سنان لافورج، ابن أب فرنسي وأم تركية، بعد مسيرة دبلوماسية في باريس، يأخذ لافورج استراحة وينتقل إلى شقة صديق قديم، تُروى الرواية، التي يبلغ طولها 170 صفحة، بأسلوب لافورج المميز بضمير المتكلم، بينما يقضي وقته في الشقة ويحضر حفلًا في حديقة قصر فرنسا بإسطنبول، يتحدث لافورج بصوت حزين ومضطرب وشهواني عن إحباطه من السلك الدبلوماسي الفرنسي، وسكان مبناه، وصعود التيار السياسي المحافظ في تركيا.
رواية شفق تبدأ أحداثها في مبنى على طراز آرت ديكو، لكن فصولها تتنقل بين السكان، من شقة إلى أخرى، معظم الفصول تُروى بضمير المتكلم من قِبل أحد سكان المبنى، تدور أحداث أحد أقسامها في روسيا البلشفية.
رفعت كيريكانات دعوى قضائية عام ٢٠٢١، وأمضت ثلاث سنوات في مناقشة قضية شافاق في مختلف وسائل الإعلام، تشعر كيريكانات بتعلق شخصي بروايتها، اشترت شقتها في حي بيرا عام ١٩٩٣ بعد المال الذي كسبته من الرواية، وقالت إن روايتها ومقالاتها في منتصف التسعينيات كان لها دورٌ أساسي في ترسيخ شعبية حي بيرا بين الكُتّاب والفنانين.
قالت كيريكانات إنها لم تقرأ أي شيء لشفق قبل عام ٢٠٢١، عندما لفت أصدقاؤها انتباهها إلى أوجه التشابه بين الروايتين، وأضافت: “غضبتُ بشدة بعد قراءة رواية قصر البراغيث، ولاحظتُ أنها سرقت روايتي بالكامل، من شخصياتها إلى حبكتها”.
نقلا عن عالم الكتب.
 
 “إليف شفق”
“إليف شفق”

 

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى