العقل الإيرانيّ.. كيف يفكّر؟
لم يُساورني الشّك لحظة في أنّ “التّحالف الغادر” الذي كان قائماً قبل العام 1979م بين الرّؤوس الثّلاثة (أميركا، الكيان الصهيوني، إيران) قد استمرّ بعد الـ 1979 ولكن مع اختلاف السّياقات السّياسيّة للدّاخل الإيراني وضرورات المرحلة “الجديدة” المُغلّفة بأكبر دعاية في التّاريخ الحديث والمعاصر لِمَا هو ليسَ بثورة ولا يأتلفُ مع توصيفها بالإسلاميّة! استمرّ هذا التّحالف إمّا نتيجة لتقاطع المصالح بين الرّؤوس الثّلاثة أو لأنّ أحدها قد قبض ثمن الدّور الوظيفي والحضاريّ في المشرق العربي (وليس الشّرق الأوسط) منذ ما قبل أن يَصِل على متن الطّائرة الفرنسيّة قادماً من المنفى وحاملاً بـِ ما لقّنَتْهُ إيّاهُ الصهيونيّة -المسيحيّة “Christian Zionism” مِنْ أنّه “ثورة” وكذلك.. “إسلاميّة”!
ولأنّ “التّحالف الغادر.. ” هو عنوانٌ لكتاب صادر العام 2006 ثمّ بترجمته العربيّة العام2008 للباحث والكاتب السّويدي الإيراني الأصل Trita Parsi فإنّ صدقيّة أو موضوعيّة ما احتواه تكمن في تطابقها مع السّياسة الإيرانيّة في البلاد العربيّة منذ أكثر من أربعة عقود من الزّمان، فبعد لقائه بأكثر من 130 مسؤولاً أميركيّاً وإيرانيّاً وصهيونيّاً وما وشّح به كتابه من مخزون وثائقي رسمي وغيره خَلُصَ إلى أنّ إيران-الثّورة قد طمحت منذ البداية إلى تطبيع علاقاتها مع الأمريكان أملاً في دور وظيفيّ يُؤمّن مكانةً إقليميّة لتحقيق أهداف إيرانيّة استراتيجية تتعلّق بالهيمنة في بلاد العرب بالطّبع، كما يقرّر أنّ الفرصة كانت مع حرب الخليج الثّالثة 2003 واحتلال العراق؛ أين قدّم النّظام الإيراني كلّ الضّمانات الأمنيّة والقرابين السّياسيّة للأميركيّين بما فيها التّعاون الكامل لتدمير العراق كنهجٍ استرضائي لغضّ النّظر على مشروعها النّووي وإطلاق يدها في المشرق العربيّ (الشّرق الأوسط مصطلح استعماريّ يستوعب الاحتلال الصهيوني في فضاء حضاري لا علاقة لها به أصلاً)،..،
لقد تكشّف للباحث الحاذق المعتزّ بعروبته وَالمُعْلِي لِقِيَم إسلامه ومنذ ما بعد وَهْم انتصار حالش (ما يُسمّى حزب الله الشّيعي) العام 2006 في الجنوب اللّبناني وبخاصّة مع ما صاحَبَ أحداث الصّقيع العربي (Arab Spring 2011) من تورّط النّظام الإيراني ومعه “حالش” و”جحش” (جيش الحشد الشّعبي) في ملاحم “ثوريّة إسلاميّة” في كلّ من اليمن ولبنان وسوريّة والعراق وفي البحرين أيضاً، وقد كتبتُ في مقال سابق العام 2016 مع معركة الفلّوجة مِن أنّنا في البلاد العربيّة وفي الخاصرة الشّرقيّة منها أمام استعمار طائفيّ “Sectarian Colonization”، ذلك أنّ عزم حكومة العبادي العراقية على تطهير الفلوجة مِن ما أسمته الإرهاب وقوى الشر لم يَستثنِ حتّى المدنيّين من أبناء الفلّوجة أين تكفّلت قوّات “جحش” بنَصب مصفاة تطهير طائفي وتعذيب وتقتيل بشهادة المجمع الفقهي السّني وقبيلة المحامدة بالفلّوجة،..، إنّه وللأمانة العلميّة والمسؤوليّة التّاريخيّة والأخلاقية لا يستطيع أيّ راصد أو مراقب نزيه أن يتجاوز عن المُنطلق والمرجع والفعل الطّائفي للنّظام الإيراني وميليشيّاته الأمنيّة وأذرعها الإرهابيّة، وحيث أنّنا نُجانب توظيف المتغيّر الطّائفي في التّحليل كي نقطع الطّريق على التّهم الجاهزة لبعض وُكلاء إيران في بلادنا العربيّة إلّا أنّه يفرض نفسه كشاهد على الحال ومؤشّر قويّ على المآل.
لم أخشَ يوماً أن أكشف عن مواقفي داخل أسوار الجامعات وفي اللّقاءات الأكاديميّة ومِن على المنابر الإعلاميّة والتّلفزيونيّة؛ ذلك أنّ واجباً حضاريّاً يعضُدُه وازعٌ دينيّ بأنّ الحرف مقدّس والكلمة رسالة والرّسالة أمانة؛ وعلى ذلك فخُلاصة الإجابة عن سؤال كيف يفكّر العقل الإيراني تتبدّى في أنّ إيران صهيونية السّياسة والممارسة في بلادنا العربيّة وأنّ هذا العقل توسّعي-استعماري يتماهى مع مشروع العدوّ الصهيوني؛ فَفي حين يطمح ويعلن هذا الأخير أنّه يهدف إلى دولة الكيان الكبرى فإنّ الأوّل لا يُضمر أنّ طموحه الاستراتيجي هو إيران الكبرى على أجزاء من البلاد العربيّة ! وتأسيساً على كلّ ما سبق فالنّظام الإيراني يضطلع ومنذ أكثر من أربعة عقود بدور وظيفيّ وحضاريّ يتمحور حول فرمَلة وكبح وإعاقة أيّ إقلاع نهضويّ عربيّ وتفكيك أيّ مشروع حضاريّ عربيّ وهو الدّور الأصيل الذي تلتقي عنده وتتقاطع فيه مصالح التّحالف الغادر ذي الرؤوس الثّلاثة: أميركا والكيان وإيران، وطيلة هذه العقود فالنّظام الإيراني ودولته الدّينيّة عملت على كسب الدّاخل الإيراني والالتفاف على فضاء واسع من العقل العربيّ من خلال تكرار الشّعارات الاستهلاكيّة وتصوير أميركا والكيان الصهيوني على أنّهما شياطين العالم وأنّ إيران تأخذ زمام المبادرة عن كلّ العرب والمسلمين في التّصدّي لهما، في حين أنّ شواهد الواقع في كلّ من ملحمة القصير والحولة والزّبداني والقلمون وداريا وحلب واليمن وبغداد الرّشيد وفي عديد الحواضر العربيّة أثبتت يقيناً لا يرقى إليه الشكّ صحّة ما ذهبنا إليه في هذه الأسطر بل واتّضح لكلّ ذي لبّ أنّ عدوّ العرب والمسلمين شجرة كالزّقّوم طلعُها رؤوس الشّياطين الثّلاثة في..التّحالف الغادر.
وعقلٌ عربيُّ … وكيل؟
شهدت هذه الحرب الدّائرة تشتّتاً في الولاءات وتشظّياً دسماً للمواقف العربيّة إزاء إيران وعلى المستويين العمودي والأفقي، الرّسمي وغير الرّسمي، وحيث أنّ عقلنا العربي لا يزال سجيناً لثنائيّة مُتعَبة ومتعِبة بين خطاب الـ:مَعَ وخطاب الضّد؛ وهو منطقٌ أميركيٌّ في التّفكير؛ حيث العالم يتذكّر خطاب الرّئيس بوش الصّغير: مَن ليس معنا فهو ضدّنا طبعاً بعد “زلّة لسان” كما سوّق لها الإعلام: إنّ جنودنا يخوضون حرباً صليبيّة، ولا يزال السّجال قائماً طبقاً للثّنائيّة السّابقة بين كثير من العرب، وسيتمّ تصنيفك مباشرة كصهيوني ومُتَأَمْرِك لو أبدَيتَ فقط نقداً لإيران أو إدانةً لاعتداءاتها المتكرّرة على دول مجلس التّعاون الخليجي والأردن ! فهذا العقل الذي يمارس وكالةً ودوراً نيابيّاً عن إيران “الثّورة” وإيران “الإسلاميّة” وإيران “القوّة الإقليميّة الإسلاميّة” وإيران التي “تحارب” الكيان وأميركا عوضاً عن العرب؛ هذا العقل يرفض استحضار حتّى التّاريخ السّياسي والعسكري القريب الذي حوّل فيه النّظام الإيراني العراق إلى ميليشيّات تؤمّن التّطهير الطّائفي كي يفاوضَ السّياسيّ المُعمّم به في الحكومة والبرلمان، هذا العقل العربي يتناسى كيف حوّلت إيران عواصم عربيّة إلى عصر ما قبل الدّولة “Pre-State” وكيف استباحت أدواتُها في كلّ من لبنان (حالش: حزب الله الشّيعي) وسوريّة (حالش+ النّظام الأسَدي النُّصَيري) والعراق (جحش: جيش الحشد الشّعبي) واليمن (الحوثي) أرواحَ وأعراضَ المدنيّين ودفعت ملايين العرب إلى مُهجّرين وشتات في عواصم العالم..، وفي حين يرى هذا العقل العربيّ الوكيل “Proxy Mind” أنّ المصلحة الوطنيّة تُجيز للنّظام الإيراني توجيه ضرباتها العسكريّة لبعض الدّول العربيّة على اعتبار ما تحويه من قواعد عسكريّة أجنبيّة فإنّه يلجأ إلى تبرير واهم وأريحيّة في التّفكير تُجانب الحقيقة؛ فالمصلحة الوطنيّة “National Interest” كمفهوم مقدّس في العِلاقات الدّوليّة يصطدم بمفهوم السّيادة وبسط الدّولة سلطانها على كافّة نطاقاتها البرّيّة والبحريّة والجوّيّة ولا يجوز بأيّ حال وتحت أيّ ظرف انتهاك أو النّيل من هذا السّلطان؛ وفي هذه الحالة نكون أمام اعتداء سافر على دول الجوار العربي مهما كان الموقف من المُنشآت العسكريّة الأجنبية على أراضيها، أضف إلى ذلك أنّ الهجمات العسكريّة الإيرانيّة طالت أيضاً مُنشآت مدنيّة وأخرى طاقويّة/حيويّة ممّا يُحيلُ إلى أنّ إيران قد فقدت مجرّد التّضامن النّظامي العربي الذي كان يمكن أن يكون لولا تحوّلها إلى قصف دول جوارها الإقليمي العربي؛ ذلك أنّ دول جوار إيران تدرك جيّداً مخاطر الكُلفة الأمنيّة وتداعيات “عَرْقَنة” –على حدّ قول الأستاذ لقاء مكّي- وتقسيم إيران على المنطقة كَكُلّ..،
متى ستتوقّف هذه الحرب؟
لمّا كانت دول الخليج العربيّ أكثر من تضرّر من هذه الحرب التي استهدف فيها النّظام الإيراني مقدّراتها المدنيّة ومنشآتها الحيويّة فإنّها أكثر الأطراف رغبةً في أن تضع هذه الحرب أوزارها ذلك أنّها غير مستعدّة البتّة لخسارة مسار أو جزء من مسار بنية تحتيّة بمقاييس عالميّة تمّ تطويرها على مدى عقود من الزّمن وكذلك بعد أن اعتلت بعض الوحدات السّياسيّة لمجلس التّعاون الخليجي مرتبة مهمّة على مستوى تحقيق الأمن (الحالة القَطَريّة: تصدّرت دولة قطر الدّول الأكثر أماناً عالميّاً لخمس سنوات متتالية منذ العام 2019 وحلّت في المركز الثالث عالميّاً طبقاً لمؤشّر Numbeo العالمي لجودة الحياة للعام 2026).
إنّ التزام دول مجلس التّعاون الخليجي وسلوكها المُعَقْلَن بعدم الرّد على الاعتداءات الإيرانيّة قد شكّل صمّام أمان من الانزلاق في حرب لا تعنيها رغم أنّها في حالات قد أعلنت جاهزيّتها نتيجة تمادي الاعتداءات الإيرانيّة (حيث أعلنت السّعوديّة في الـ19 مارس2026 وعلى لسان وزير خارجيّتها أنّها: تحتفظ بحقها في اتخاذ إجراءات عسكرية ضدّ إيران، مؤكّداً أنّ الثّقة مع طهران “قد تحطّمت“)، كما أنّ الإدارة الأميركيّة والكيان كانا يدفعان بهذا الاتجاه كي تقف موقف المتفرّج على مشهد حرب إقليميّة وتُحقّق من خلال ذلك:
1- تدميراً متبادلاً لدول الإقليم أو كما تطمح له دوائر القرار الأميركيّة مِن إنهاك وإضعاف مزدوج وبتكلفة أقل للمُكوّن السّنّي ونظيره الشّيعي ثمّ التّدخّل لفرض الشّروط الأميركيّة من خلال مجلس الأمن التّابع للأمم المتّحدة بما يُتيح استنزاف ثروات المنطقة ومساومة على نفط رخيص مقابل تأمين المظلّة الأميركيّة الأمنيّة (U.S Security Umbrella) لجميع الأطراف.
2- تنشيط سوق السّلاح من خلال تسويقه لكلا الطّرفين وتجريب أسلحة جديدة في الميدان واختبار فعّاليّتها وقدراتها التّدميريّة في نطاق جغرافي بعيد عن المنظومة الغربيّة.
كَذَبَ الأميركيّون على شعبهم وعلى العالم في العام 2001 وما عُرف بالثّلاثاء الأسود (أحداث الـ11 سبتمبر2001) بشأن الجهة التي نفّذت الهجمات على بُرجَيْ التّجارة العالمي والبنتاغون وَضَحَّت الإدارة الأميركية بـِ6000 مواطن أميركي من أجل أن تضع لنفسها موطئ قدم في بلاد العرب ويدها على أَجْوَد نفط العرب في العراق المجيد العام 2003، لكنّ ما يتمّ تحشيده الآن من قوات برّيّة على حدود إيران واستقدام حاملة الطّائرات الأميركيّة وهي السفينة الرئيسية في المجموعة الضّاربة للحاملة بوش إلى منطقة القيادة المركزيّة الأميركيّة (CENTCOM) التي تشمل “الشرق الأوسط” وأجزاء من آسيا؛ كلّ ذلك وغيره يُنبئ أنّ الإدارة الأميركيّة والكيان عازمان على تقليم أظافر المغامر الإيراني وإعادته إلى حجم طبيعيّ مجرّد من برنامجه النّووي ومن أسلحته الاستراتيجيّة، وكذلك وطبقاً للبُندَين الثامن والتّاسع من الشروط الأميركيّة الخمسة عشر فإنّه يُلزَم النّظام الإيراني -أو ما تبقّى منه- بالتّخلّي عن أذرعه العسكريّة في كلّ من اليمن والعراق ولبنان والكفّ بشكل فعليّ ونهائي عن تمويل وتسليح هذه الأذرع..
إنّ الرّصد الموضوعي للحرب الدّائرة الآن يمنحنا إشارات حول التّوقيت المناسب أميركيّاً وصهيونيا لإنهائها؛ وهو التّوقيت المرتبط والمعقود على تحقيق أهداف معلنة وأخرى غير معلنة ولعلّ هذه الأهداف تتمحور -ولا تنحصر- في الآتي:
– تدمير/إضعاف القدرات التّدميريّة الإيرانيّة بالشّكل والصّيغة التي تمنع تَغَوُّلها في المنطقة وتُحَوّلها إلى كيان “شرق أوسطي” يتماهى مع نظام “الشّرق الأوسط الكبير The Greater Middle East”.. ولرُبّما تفويض إيران لدور وظيفي جديد يقتصر على كلب مراقبة Watch Dog وليس حراسة Guard Dog؛ لِتأمين قَبْر أيّ مجرّد فكرة لانتعاش نهضويّ للدّائرة الحضاريّة العربيّة.
– تعطيل/فرمَلة وتطويق مبادرة الحزام والطريق (Belt and Road Initiative) وكبح جماح الصّين المتعاظم.
– تطويق وإرعاب المكوّن السّنّي مِن طريقَين:
– صناعة المجتمع السّنّي الدّاجن.
– إرعاب المكوّن السُّنّي ودفع ما تبقّى من أطرافه للتّطبيع (Normalization) مع الاحتلال الصهيوني وتصفية القضيّة الفلسطينيّة على المستوى النّظامي العربي.
إنّ الجُزئيّة الأخيرة والمتعلّقة بإرعاب المكوّن السّنّي ودفعه للتّطبيع تتطابق مع رؤية الفريق سعد الدّين الشّاذلي رحمه الله (المهندس الحقيقي لحرب 1973) وذلك في كتابه: الحرب الصّليبيّة الثّامنة في معرض تحليله للحشد الصّليبي على العراق العام 1991؛ أين سطّر الهدف الرّابع لتلك الحرب وربطَه بالتّطبيع الكامل لعلاقات الاحتلال مع البلاد العربيّة وهو ما يمثّل حسبه قمّة الاستعلاء الصّهيوني في العصر الحديث.
هي إذاً بدايةُ نهاية الاحتلال الإيراني ومُقدّمةُ نهايةِ عصرٍ كانت إيران تَـتَرَبَّبُ فيه على العرب الفاتحين وتَصدّعٌ للحلف الغادر الذي لم تتغيّر أهدافه منذ ما قبل العام 1979 والدّور الحضاري والوظيفي فيه للوكيل الإيراني للغَرب في بلاد العَرب.. “وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا“.
(**) رشيد العَمري بلقرع،
إطار سابق بديوان الوزارة، أستاذ العلوم السياسية




