رأي

سمير السيد يكتب: “تفتيت الفقه”.. من “داعش” إلى سعد الدين الهلالي

خطاب سعد الدين الهلالى، التفتيتي للفقه، يقود بقصد أو من دون قصد، إلى تدمير فكرة المذاهب الأربعة، وتحويل كل مسلم إلى “مذهب” قائم بذاته، متسللا من باب “استفت قلبك”. وخطورة هذا المنحى، هو أنه يمهد ببطء، لنسف أى نسق منهجي، سابق أو لاحق، للتعامل مع أمور الشريعة، عبر ضرب المذاهب الرئيسية مع الهامشية مع الآراء الشاذة، في الخلاط، ثم اختيار الحكم الذي يوافق هوى كل فرد في كل مسألة على حدة.
وإذا أخذنا خطا مستقيما، بين طرح الهلالي التفتيتي للفقه، وبين محاولات مدعى التنوير، للتشكيك فى كتب الحديث، ووصم التراث، والتطاول على الصحابة وعلماء الأمة، لأدركنا، أننا أمام خطاب واحد يقود للهدم، وليس الإصلاح أو التجديد، وذلك عبر استراتيجيات وأدوات ورؤس مختلفة، بعضها ينطلق من أرضية العلوم الشرعية كالهلالي، وأخرى ترتكز إلى فكرة “لاعلمية الدين”، أي أن الدين ليس علما، ولكنه مجرد تعاليم، في خلط فادح بين الشريعة المحمدية كنظام إجتماعي وأخلاقي وقانوني ورؤية مفارقة للوجود والوعي بالذات، وبين الوصايا الأخلاقية والمدونات القانونية، في عصور سابقة.
وقد نجح هذا الخطاب، بالفعل، في استثمار التطرف الديني، والجهل، في اتجاه تسليع فكرة التنوير، وتوسيع دائرة “الزبونية الدينية”، وتكبير ونفخ حالة التجرؤ على النص الإلهي والنبوي، والتطاول على رموز الأمة الإسلامية.

الخطورة الأكبر لهذا الخطاب، الذي يبدو براقا لقطاع من أصحاب النزعة العقلانية، أنه يقود إلى اغتيال سلسلة ورثة العلم النبوي، وتحويل النص المقدس، إلى نص بشري، وجعله مفتوحا للذوق والإدراك الشخصى، دون أية ضوابط، في عملية فصل خطيرة علي مستويين، الأول: فصل النص عن المشرع، والثاني فصل التلاميذ من الصحابة ومن أخذ عنهم، عن المعلم الأعظم سيدنا محمد .
لقد بدأ خطاب الهدم، باغتيال الرموز التاريخية للاسلام، من علماء الحديث، والفقه، وكبار الصحابة، مرورا بالتشكيك اللامحدود فى الأحاديث، وضرب جهود عشرات الألوف من العلماء الذين أسسوا وطوروا منهجية علم الحديث، وصولا إلى التشكيك فيما استقر في وعى ويقين الأمة المحمدية على مدى ما يزيد عن ألف و400 عاما، بشأن وقائع وأحكام وفروض شرعية.
ومن العجب، ان مدعى التنوير، من أصحاب فكرة لا علمية الدين، وجعل نصوصه مستباحة للاجتهاد المطلق دون الحاجة لعلم أو تخصص او التقيد بشبكة إحداثياته ومراتب التمييز فيه، ينكرون على الحركات المتطرفة تأويلها المنحرف للنصوص، بل ويهاجمون الأزهر تحت زعم تقصيره فى مواجهة هذه الحركات التى لا تنتمى لاى مدرسة علمية أو أخلاقية فى الإسلام.
والحقيقة أن تيار استباحة النصوص، ولا علمية الدين، وضرب المذاهب في الخلاط، لا يختلفون عن المتسلفين والداعشيين، الذين يرفضون التمذهب الفقهي، من الأساس، ويتطاولون على أئمة الفقه، في متلازمة واضحة بين الجهل ورفض التقيد بأي منهجية علمية.
لا شك أن كلا الفريقين، يسترزقون من الدين، وكلاهما يروج للتطرف وصناعته، بجعل النص الديني، لعبة فى يد كل جاهل يخوض فيه بهواه ويفعل به ما يشاء، لا فرق هنا بين لي عنق النص، لتفصيل حكم “الحجاب”، أو إخراج حكم “التكفير والقتل”، وكله تحت مسمى حرية الاجتهاد وحرية تأويل النصوص.
“مشروع” مدعي التنوير، ومشروع داعش، يبدو وكأنهما خرجا من بوتقة واحدة، وإن اختلفت الشعارات والأدوات ومفردات الخطاب، فكل منهما يمنح الآخر الحياة ويتغذى عليه، لكن الوجهة واحدة، وهي تفجير هذا الدين، وضرب المرتكز الروحي للأمة.

سمير السيد
كاتب مصري – يعمل مديرا لتحرير جريدة ” الأهرام”

 

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى