ندى نسيم تكتب: عينٌ تلتقط ما يغفله العابرون
قراءة في المجموعة القصصية دموع الورد للكاتب حسام أبو العلا
ليست الكتابة القصصية مجرد حكايات تُروى، بل هي عينٌ ترى ما يغفله الآخرون، وقلبٌ يتوقف طويلًا أمام المواقف التي يمر بها الناس مرورًا عابرًا. فالكاتب الحقيقي لا يكتب عن الأحداث الكبرى وحدها، وإنما يصنع أدبه من التفاصيل الصغيرة التي تبدو في ظاهرها عادية، لكنها في جوهرها تختزن الكثير من الألم، والدهشة، والأسئلة الإنسانية.
ويُعد الكاتب الصحفي والأديب حسام أبو العلا أحد الأقلام المصرية المبدعة التي حملت مسؤولية الكلمة، واستطاعت أن تمنح فن القصة القصيرة حضوره الإنساني والفكري. وفي مجموعته القصصية الأخيرة “دموع الورد“، يقدم للقارئ نصوصًا لا تعتمد على الإثارة بقدر اعتمادها على ملامسة الإنسان في أضعف لحظاته وأكثرها صدقًا.
تلتفت هذه المجموعة إلى جوانب إنسانية قد تبدو للبعض عابرة أو مألوفة، غير أن عين الكاتب المبدع تدرك أن وراء كل موقف حكاية، وخلف كل صمت وجعًا، وأن التفاصيل التي نهملها في زحام الحياة قد تكون أكثر قدرة على كشف حقيقة الإنسان. إنها، بحق، الأوجاع المنسية التي يمنحها الكاتب صوتًا، ويعيد إليها حضورها الإنساني.
وتتنوع موضوعات القصص بين انكشاف الأقنعة، والتخلي، والاستغلال، وما تتركه العلاقات الإنسانية من ندوب خفية في النفس. أما قصة “دموع الورد“، التي تحمل المجموعة عنوانها، فتقدم مشاعر الوداع وألم الانتظار بلغة شفافة، تجعل القارئ يعيش التجربة لا بوصفها حدثًا، بل بوصفها إحساسًا إنسانيًا يتكرر بأشكال مختلفة في حياة الجميع.
ولا تتوقف المجموعة عند الألم وحده، بل تمنح مساحة واسعة للكفاح والإصرار، فتُبرز قيمة السعي في هذه الحياة؛ مرةً من أجل الرزق، ومرةً من أجل الحب، وأخرى من أجل العثور على الذات وسط عالم يمضي سريعًا. وهنا ينجح الكاتب في الموازنة بين قسوة الواقع وإمكانية تجاوزه، ليؤكد أن الإنسان، رغم انكساراته، يظل قادرًا على الاستمرار.

وتتميّز المجموعة بسلاسة الأسلوب ووضوح اللغة، من دون أن تفقد عمقها الدلالي. فهي لا تُثقل القارئ بالتكلف البلاغي، وإنما تترك للحدث والشخصيات أن يقودا المعنى، فتأتي اللغة خادمة للفكرة، ومعبرة عن نبضها الإنساني.
إن هذه المجموعة لا تدعونا إلى قراءة القصص فحسب، بل تدعونا إلى إعادة النظر في الإنسان من حولنا، وفي التفاصيل التي اعتدنا المرور عليها دون اكتراث. فالأدب، في جوهره، لا يغيّر العالم بقدر ما يغيّر طريقتنا في النظر إليه، وهذا ما نجح حسام أبو العلا في تحقيقه عبر “دموع الورد“؛ إذ جعل من المواقف اليومية مرآةً للأرواح، ومن الأوجاع المنسية حكايات تستحق أن تُروى، وأن تبقى في ذاكرة القارئ طويلًا.
ندى نسيم



