البريد
رأيفن وثقافات

مصطفى عبادة يكتب: نداهة “تاميران” في بيت الحكمة

Adv

لا تريد “تاميران” أن تقول في مجموعة “نداهة المنيل”، إنها كاتبة، أو إنها تريد المنافسة في هذا المجال، برغم أنها فعلت، بقدر ما تريد القول إنها لم تشعر أبداً بأنها محاصرة ومختنقة، كما تشعر الآن، لحظة جلوسها للتعبير عن قلقها في كلمات، خرجت على هذا النحو البسيط، وحاولت بها التعبير عن كل الأشياء الغربية والمتناقضة والسريالية التي حدثت لها، والتي ستحدث بعد ذلك، وهى تشق طريقها في هذا العالم، المجموعة كلها كوحدة، كاستعارة لحالة الإنسان الهش البسيط. قصة شخص يحاول التحرر، في محيط تكون فيه الطرق نحو الحرية متعرجة ومظلمة ومليئة بالمحتالين والذئاب، لكن لحظة الوصول لحظة الإحساس بالحرية بالتحقق تستحق الرحلة.

لا يمكن النظر مثلاً إلى حكاية “نبوية” في قصة بالعنوان نفسه، على أنها رحلة صعود طبقي جرى بالمصادفة، بقدر ما تعبر عن عبثية الواقع ولا منطقيته، حين يلتقي عالمان لا يمكن لهما – إن التقيا- أن يتقاطعا، إلا في عالم فني، والحياة ليست لوحة فنية، إلا أن يكون أحد البطلين فناناً، حتى إن القصة تذكر دائماً البطلة “نبوية” وتعيّنها ولا تذكر اسما للطرف الآخر أبداً، لأن العلاقة التي جرت، والهدايا التي منحتها الحياة لنبوية لا يقدمها سوى فنان، وتبدو في القراءة الأولى أنها هدايا غير مدفوعة الثمن، فيما يقول المسكوت عنه في القصة إن “التعري” الحقيقي لتكون لوحة تباع أفدح من كل ما منحتها الحياة، حتى إن القصة بدأت بصدمة نستشعرها مع الكلمة الأولى “الرٌّخص”، على أن محاولة الطبطبة التي حاولت سطور القصة الأخيرة منحها للقارئ وإيهامه بعدالة الحياة، لم تكن سوى ابتسامة ساخرة من مفارقات لا يمكن جمعها في الواقع، فيما يمكن أن يجعل منها الفن حقيقة جمالية تشعرك بالراحة.

 

مصطفى عبادة يكتب: نداهة "تاميران" في بيت الحكمة
مصطفى عبادة يكتب: نداهة “تاميران” في بيت الحكمة

على عكس نبوية التي تشَّكل مصيرها دون إرادتها، تأتى بطلة قصة “أبيض وأسود”، التي بلا اسم يمكن حصرها فيه، أو تأطيرها، كأنها هي القاعدة ونبوية استثناء، هي التي تشكل مصيرها، وتصنع قرارها وتصر عليه: “في الثامنة صباح كل يوم أبدأ العمل، تجدني في مكاني في الوقت المناسب، كل أشيائي تحتل أماكنها ولا تفارقها، يمكن أن تتحرك في مكاني مغلق العينين، أحرص على الخطوط المتوازية في كل شيء، أرتاح للتماثل.

دعك من الجملة الأخيرة: “أرتاح للتماثل”، لأن القصة تقول لك في النهاية إنها جملة خادعة، فمع أول لمحة تغيير في مشاعر البطل، مجرد شعورها هي بجرح كرامتها، مجرد عدم رده على رسائلها، دفعها لإنزال ستار كثيف على هذه العلاقة ودفنها كأن لم تكن: “يحاول اللحاق بي طالباً دقيقة، أوليه ظهري ثانية، وبدون كلمة أشير بيدي وأنتبه لرأسي وأنا أركب تاكسي أبيض ذا مربعات سوداء، وأبتعد عنه ليحتضنني زحام الطريق.”

لأجل هذا وغيره من أرواح هشة وقوية في بقية القصص قلت إن المجموعة تبدو كما لو كانت محاولات فكاك من الحصار والاختناق، من عادية اليومي بمنحه لمسة فنية، إنها لحظات قصصية ليس لها مرجعية في الكتابة، ليست متأثرة على الإطلاق. ليس هناك زخارف خارجية في الكتابة، لا يستغرقها المجاز بقدر ما تتحول الحالة النفسية إلى استعارة إنسانية تعبر عن أرواح كثيرة، في البداية تعتقد أنها بسيطة، ثم تستغرقك القراءة لتكتشف أنك دخلت غابة من دروب كثيرة، إن كون “تاميران” لم تبدأ كاتبة منحها حرية التعبير بغير قيود مسبقة، كونها بدأت الكتابة لتطمئن روحها، جعل من قصتها قذيفة خرجت تلقائياً، إنما ليس خطأ، تذهب باتجاه ما تحسه بأبسط عبارة.

مصطفي عبادة
مصطفي عبادة

هذه كتابة لم تدنسها الاقتباسات، والتصورات المسبقة، والأجواء المكتسبة من مناخات أخرى، وذلك ميزتها وعيبها في الوقت نفسه، ميزتها أنها منحتها هذه الطزاجة والحيوية والعفوية، وعيبها أنها لا يمكن أن تتم إلا مرة واحدة، لا يمكن تكرارها، فأي كتابة تالية لـ”تاميران” ستكون مختلفة لأنها قررت السباحة في محيط مكتظ بالمنافسة، وذلك ما دفعني للكتابة عنها، فضلا عن عذوبتها السردية بالطبع” فهي بهذه المجموعة “نداهة المنيل” التي صدرت عن بيت الحكمة، خالفت كل التوقعات، وقديماً قيل إن الجمال هو ما يخالف التوقع، وقد خالفت تاميران توقعاتى من أكثر من جهة، فبداية لم أكن أعرف أنها كاتبة من الأساس، برغم أنني أتعامل معها منذ بداية الألفية كمقدمة خدمة ثقافية مخلصة، ضمن أهم إدارات وزارة الثقافة، في المركز القومي للترجمة، وثانياً جاءت كتابتها في القصة القصيرة مفعمة فنياً، وكأنها استخلصت ما نشرته فيها من ركام خبرات بشرية كبيرة، اختارت بعضها وتجاوزت عن البعض الآخر، فعلت ذلك هيابة لا مدعية، بسيطة تلقائية، تذهب إلى الأفكار والأحداث الصغيرة من أقصر الطرق، دون فلسفة ودون مقدمات طويلة تنقب في المشاعر بصبر، تتبع الخفي منها حتى تظهره للنور لتفهمها، ووراء الغامض حتى يتضح سره، ثم تحول اللحظات الإنسانية الصغيرة إلى جدول، ثم تجعله يكبر فيصبح نهراً، يجرف في طريقه الرخص والفجاجة والعنف فتحل الزهور محل الأشواك.

** مصطفى عبادة

كاتب وشاعر مصري

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى