الرئيسيةفن وثقافات

“قولولها تيجي بكره المحكمة برضاها، وإلا يجرجروها غصب عنها ويودوها للمحكمة”

يحكي مصطفى النحاس في مذكراته أنه كان في أوروبا عندما اندلعت ثورة 1952، وكان حينذاك في الثانية والسبعين من عمره، وعلى الرغم من مرضه، فإن فرحته كانت غامرة بأنباء الحركة المباركة، فقرَّر قطع رحلته والعودة لمصر بأي ثمن، حتى لو كان عبْر ركوب طائرة، وهي الخطوة التي كان يتهيّب منها ولم يفعلها بحياته.
ما أن وصل النحاس القاهرة حتى زار مقر القيادة العامة للقوات المسلحة في كوبري القبة، وكانت الساعة قد بلغت الثانية بعد منتصف ليلة 28 يوليو، وبالرغم من التوقيت المتأخر، عقد مع الضباط اجتماعًا إيجابيًا تبادلوا فيه التهاني والدعوات بالتوفيق
كان النحاس باشا وحرمه ” زينب هانم الوكيل ” ليله قيام ( الثوره) فى 23 يوليو 1952 في اوروبا، وعند علمه بالحدث قرر السفر لاول مره في حياته بالطائره ليصل سريعا وكان ظنه كما ذكر في مذكراته ان الثوره قامت ضد فساد الملك، وقال صراحه:
“كانت فرحتي بقيام الثوره انستني تهيبي من ركوب الطائرات وبينما انا اجلس علي مقعدي حضر الطيار واخبرني ان فاروق قد وقع علي وثيقه بتنازله عن العرش لابنه احمد فؤاد الطفل ورحل عن البلد فكانت فرحتي بهذا النبا فرحه غامره وسروري به كبيرا”
منقول..
اما عن موقف السيده زينب هانم الوكيل من ( الثورة ) قالت :
” اذ استبشرت خيراً في البدايه خاصه ان اول لقاء جمع بين النحاس باشا ومجلس قياده الثوره يوم 26 يوليو شهد موقفا غريبا يذكره ابراهيم فرج في كتابه ، وهو ان قال اللواء محمد نجيب للنحاس:
“احنا بننفذ سياستك انت زعيم البلد وزعيمنا ” .
يقول رفعت السعيد في بحثه ” مصطفى النحاس.. السياسي والزعيم والمناضل ” ، أن العلاقة بين الوفد والثورة بدأت وديّة، لكن بمرور الوقت ظهرت التناقضات بينهما، فكان الوفد يرى أن الواجب الأول والأخير للضباط هو إقامة انتخابات نيابية حرة ثم العودة بعدها إلى ثكناتهم مجددًا، أما التناقض الثاني فكان بسبب قانون الإصلاح الزراعي، بعد ما انقسم الحزب على نفسه لجبهتين: واحدة أيَّدت تحديد الملكية، وأخرى نادت بفرض الضرائب التصاعدية تزعمه فؤاد سراج الدين. ومن المفارقة أن النحاس كان مؤيدًا للفريق الأول، إلا أن تصميمه على تخلي الضباط عن الحُكم وإعادة إعمال دستور 1923 سبّب ( الفراق ) بينه وبين عبدالناصر والذين معه.
الثورة كانت تهتف في كل مكان أنها ستقيم حياة نيابية (سليمة ) ، وهذه الكلمة الأخيرة بالذات دمّرت علاقة النحاس والضباط، لأنها نتج عنها حملة تشهير ضد الحياة النيابية السابقة (غير السليمة ) التي كان النحاس وحزبه إحدى دعائم أركانها.”
يحكي عبدالرحمن الرافعي في كتابه ” ثورة 23 يوليو ” ، أن الإذاعة بثت في منتصف 31 يوليو 1952 بيانًا من القيادة العامة دعت فيه الأحزاب لتطهير صفوفها من الفاسدين كما فعل الجيش، وإعلان برامج محددة يقدمونها إلى الشعب، وهو القرار الذي تعامل معه الوفد بخفّة، واكتفى بفصل 12 عضوًا ثانويين، ولم يقم بتغييرات جذرية في هيكل أعضائه.
خلال هذه الفترة، لعب أحد ألدِّ أعداء النحاس دورًا في زيادة الفجوة بين الطرفين، وهو سليمان حافظ، نائب رئيس مجلس الدولة، وهو الرجل الذي اقترح على الضباط تشكيل (مجلس وصاية ) بعد طرد الملك، خوفًا من الاضطرار إلى دعوة مجلس الأمة الوفدي، أو إجراء انتخابات جديدة ستعيد الوفد حتمًا لسُدة الحُكم.
يحكي صلاح الشاهد في كتابه “ذكرياتي في عهدين ” ، وهو الرجل الذي عمل أمينًا لرئاسة الجمهورية، أن حافظ كان يُكن حقدًا دفينًا على النحاس، وحين قدّم مشروع قانون تنظيم الأحزاب السياسية كان يقصد من ورائه هدم حزب مصطفى النحاس أولاً وأخيرًا. وعلى الرغم من معارضة الدكتور السنهوري لهذا المشروع باعتباره مخالفًا للدستور، تم إقرار المشروع من منطلق الاقتناع بأن الأحزاب الفاسدة لا يمكنها أن تقيم ديمقراطية برلمانية سليمة، واعتبرت بموجبه جميع الأحزاب منحلة منذ صدوره ويُعاد تأسيسها من جديد وفقًا لأحكامه. وتسبب صدور القانون في قيام معركة طاحنة، أصدر بموجبها أصدر النحاس باشا بيانًا قال فيه:
بسم الله الرحمن الرحيم
إنني أعد نفسي ملكًا للشعب، وقد كانت ثقتي في الشعب وثقته في شخصي طوال حياتي السياسية عوني على الشدائد وظهري في العيش، وسأظل ما بقي من عمري ملكًا لهذا الشعب الوفي، ولن تستطيع قوة أن تنحيني عن هذه المكانة بعد الله جلت قدرته إلا الشعب دون سواه.. والله ولي التوفيق.
على الرغم من استجابة الوفد لهذا القانون، فتنحّى النحاس لأول مرة عن رئاسة حزبه، واكتفى بأن يكون رئيسًا فخريًا له، فإن هذا لم يُرضِ ضباط يوليو فتم الاعتراض على هذه الاستجابة بدعوى أن بقاء النحاس على رأس الوفد مخالف لقانون تنظيم الأحزاب.
كان 23 أغسطس من كل عام احتفالًا واسعًا فى البلاد بذكرى وفاة سعد باشا زغلول ولكن فى عام 1953 كانت الأحزاب قد تم حلها وتقدم النحاس بالتصريح للاحتفال فرفضت الحكومة..
فى صباح 23 اغسطس 1953 فوجئ الناس النحاس يترجل من سيارته أما ضريح سعد ويدخل الضريح وتوافدت الجماهير وأحاطت بضريح سعد ولم تستطع قوات الأمن أن تحول بين الجماهير وتحية النحاس وألقى النحاس خطابًا هاجم فيه الثورة والأساليب التى اتبعتها للقضاء على الحرية والدستور والحياة النيابية وهاجم اعتقال الحكومة للناس والأفراد وقال
“إن أمانى مصر القومية قد أهدرت على يد الحكام الجدد وحذر من مغبة التفريط فى حقوق الوطن وأن حبل الباطل قصير وإن طال يشنق صاحبه… ” وقد صدق النحاس.
قوبل خطاب النحاس بحماس كبير وتمت طباعته وتوزيعه لأن الصحف امتنعت عن نشره.. أعقب هذا أن ذهب النحاس لصلاة الجمعة بالإسكندرية بجامع أبوالعباس وما إن دخل النحاس المسجد قابله المصلون بالهتاف والدعاء وانتشر الخبر فتجمع الناس إلى المسجد لتحية النحاس وحيا إمام المسجد النحاس ودعا له وللوطن وانتهت الصلاة وخرج فكان الميدان والشوارع المؤدية إليه يموج بآلاف المواطنين ولم يعد هناك موضع لقدم… وبالطبع حاول الأمن التفريق دون جدوى وهتفت الناس :
“لا مفاوضة مع الإنجليز ـ النحاس زعيم الأمة ـ الشعب يرفض الديكتاتورية ـ أين الدستور… “
اجتمع مجلس قيادة الثورة وقرر اعتقال النحاس وحرمه بتحديد إقامتهما بالقاهرة وأقام مجلس قيادة الثورة مؤتمرًا موسعًا فى 16سبتمبر1953 بعابدين خطب فيه محمد نجيب وجمال عبد الناصر وصلاح سالم وهاجموا الوفد ومصطفى النحاس وفى هذا اليوم أصدر المجلس أمرًا بتأليف محكمة الثورة التى تختص بالنظر فى الأفعال التى تعتبر خيانة للوطن وموجهة ضد نظام الحكم الحاضر.
بعد ذلك، في أبريل 1954، أُطلق ما يمكننا تسميته ” قانون مصطفى النحاس ” الذي نصّ على حرمان أي شخص تولّى منصبًا وزاريًا خلال فترة ما قبل 23 يوليو وكان منتميًا للوفد أو الأحرار الدستوريين أو الحزب السعدي، من ممارسة العمل السياسي، وبالطبع كان النحاس على رأس المعاقبين بمقصلة هذا القانون، إضافة إلى العشرات غيره.
على هامش هذا التباين المتصاعد، تصاعَد خلاف آخر بين عبد الناصر ومحمد نجيب، على إثره أرسل الأول الدكتور طه حسين، وزير المعارف في آخر حكومة ترأسها النحاس باشا قبل الثورة، وطلب منه أن يُعلن تأييده لناصر إلا أن النحاس باشا رفض، فأدرك البكباشي عبد الناصر أن الساحة لا تتسع لزعيمين، وعلى واحد منهما فقط أن تُلقي عليه الجماهير الورد خلال سيره بالشارع.
خرج هذا التوتر سريعًا إلى العلن، قرر بموجبه عبدالناصر أن يتقدّم خطوة إضافية وقدّم لمحمد نجيب كشفًا بأسماء بعض الزعماء السياسيين الذين اعتبرهم (خطر على النظام ) وطالب بضرورة اعتقالهم، ولمّا كان سَجْن زعيم شعبي كالنحاس أمرًا مستحيلاً فاكتفى بطلب تحديد إقامته، وهو ما رفضه نجيب فورًا، ولم يوقّع الكشف إلا بعد إزالة اسم زعيم الوفد منه، غير أن عبدالناصر أعاده بعدها دون عِلمه، فكانت أحد أسباب تقديم نجيب لاستقالته في فبراير 1954، وهي الفِعلة التي تراجع عنها عقب اندلاع المظاهرات في مصر والسودان.
يقول خالد محيي الدين في مذكراته:
” أكثر محمد نجيب من جولاته الجماهيرية وتقرَّب إلى الناس، وحاول أن يكون نسخة مُحسَّنة من مصطفى النحاس، ما أكسبه شعبية واسعة وهو الأمر الذي أثار القلق لدى جمال عبد الناصر والزملاء في القيادة “
فى نهايه عام 1954 بدات دار اخبار اليوم مسلسلاً جديدا للتشنيع علي السيده حرم النحاس باشا زينب هانم الوكيل والطعن فى اخلاقها وسمعتها ، ثم شاركتها مجله” روزاليوسف ” التي نشرت تقريراً في عددها الصادر في 22 سبتمبر من نفس العام بعنوان
كم تبلغ ثروه السيده حرم الرئيس مصطفي النحاس؟ .
أنطلقت حملات تشهير عنيفة ضده وضد زوجته زينب الوكيل، فنشرت جريدة ” أخبار اليوم ” سلسلة مقالات عنيفة ضدها، كما نشرت “روز اليوسف ” تقريرها الشهير، الذي شككت به في مصادر ثروتها بعنوان ( كم تبلغ ثروة السيدة حرم الرئيس مصطفى النحاس؟ ) ، وبعدها صدر قرار بتقديمها إلى محكمة الثورة بتهمة “إفساد الحياة السياسية، والتدخل في شئون الحكم ” ، وعُوقِبت بمصادرة كل ممتلكاتها، وإعراب المحكمة عن :
“أسفها لموقف السيد مصطفى النحاس إزاء تصرفات زوجته، وسماحه لها بالتدخل في شئون الحكم ” .
كما نشرت جريدة الأهرام فى 19 يونيو 1954 خبرا فى المانشيت الرئيسى :
“زينب الوكيل ترفض الحياة مع مصطفى النحاس” وكتب عناوين فرعية “محاولة الانتحار مرتين تخلصًا من العودة لمنزل الزوجية ـ اعتصامها بالبوليس الحربى..”
وقد أرسلت السيدة زينب الوكيل بيانًا أرسله محاميها أحمد رشدى لكافة الصحف وتقول فى نهايته :
“لو صح ما نشر فيما زعمت تلك الصحف فإننى أكون امرأة لا تعرف للكرامة سبيلًا وما أعرفه لحسبى ونسبى يقتضى أن أصونه وأننى لم ولن أطلب الطلاق من زوجى مصطفى النحاس “
سعيد أبو العينين في كتابه “الشعراوي الذي لا نعرف ” ، بأن الإمام حكى له واقعتين عن العلاقة بين مصطفى النحاس باشا وجمال عبد الناصر ، الأولى أن زينب هانم زوجة النحاس رفضت الانصياع للضباط الذي حضروا إلى منزلها لتحضر إحدى جلسات محكمة الثورة، فلما اتصلوا بعبدالناصر قال لهم:
” قولولها تيجي بكره المحكمة برضاها، وإلا (يجرجروها ) غصب عنها ويودوها للمحكمة ” ولما اشتكت للباشا، أخذ يهدئ من ثورتها وهو يقول:
” إن شالله ميحصلش يا زينب “
في اليوم التالي، لم يحضر الضباط بالفعل، لا لأنهم انصرفوا عنهما ولكن لأن مقدمات العدوان الثلاثي قامت، واشتعلت الدنيا، وفوجئ النحاس بعبدالناصر يكلمه ويطلب منه المشورة في الموقف الصعب الذي يواجهه، فطالبه النحاس بالتحمل، ودعا له الله أن يعينه!
طالت زينب هانم الوكيل الإتهامات بشكل مباشر عندما اعتقل ( مجلس قياده الثوره ) في 7 سبتمبر من عام 1953 نحو 44 من رؤوس العائلات كان من بينهم ياسين سراج الدين، وعبدالحميد الوكيل شقيق زينب الاكبر. والملفت ان عبدالحميد الوكيل لم يكن عضوا في الوفد حينذاك ، وانما هو احد اعيان البحيره الاثرياء وحتي عندما ترشح لعضويه البرلمان فضل الترشح مستقلاً باعتباره غير مسيس. قائلا :
” انه من الموجع ان يبرر رجال الثوره اعتقال رؤوس العائلات بقولهم ان ذلك كان “رحمه بهم وبالثوره وبالشعب، وانهم عوملوا في معتقلهم رغم ماضيهم بمثل ما يعامل به الاحرار ذوو الصحائف البيضاء النقيه ” .
لم تمض شهور قليله حتي تم تقديم السيده زينب هانم الوكيل نفسها الي محكمه الغدر، وكان الاتهام وقتها مستنداً الي قيام وزاره الاشغال بعمل طريق في المرج بجوار فيلا تمتلكها وامتد الاتهام ليفتش في مصادر ثروتها، واشارت بعض الصحف اشارتها للقضيه باعتبار ان السيده زينب هي التي امرت بعمل الطريق رغم ثبوت وجودها بالخارج وقت عمله، ومع ذلك حكمت المحكمه بتحميل تكلفه الطريق عليها والبالغه 1134 جنيهاً.
ثم توسعت القضيه لتسال محكمه الغدر عن مصدر الاموال التي اشترت بها زينب فيلا المرج، بل سارعت الصحف الي نشر القصص عن محتويات الفيلا من اثاث وتحف ومفروشات مستورده. وكان الثراء هو اغرب تهمه يتم بها محاكمه زينب هانم
يقدم إبراهيم فرج باشا (1903 – أغسطس 1994) سكرتير عام حزب الوفد يشهادته علي ذلك قائلا:
” شكلت لجنه بعد الثوره للطعن علي النحاس وزوجته وقد حضرت امامها كمحام رغم كل الصعوبات والتهديدات التي وصلتني وناشدت رئيس اللجنه في اول جلسه قائلا:
” انت تحاسبنا اليوم ولكن هناك في السماء محاسباً اكبر سيحاسبك، وناقشنا حسابات النحاس باشا وزينب هانم حرمه وانتهينا الي ان النحاس بريء من كل ما يقال عليه، وكل ما لزينب هانم مصدره سليم مائه في المائه، وحفظت الاوراق وربما كان هذا من اسباب تقديمي لمحكمه الثوره فيما بعد ” .
يحكي علي سلامة في كتابه ” ما لا تعرفه عن النحاس ” ، إنه بعد قرار مصادرة أمواله، كان النحاس باشا يواجه أزمة تغطية نفقات منزله، ومعاشه لا يتجاوز 120 جنيهًا، فاضطرت السيدة حرمه لأن تبيع ما تمتلكه من حُليِّها الذهبية وبعض قطع أثاث منزلها؛ لمواجهة أعباء المرض التي بدأت تزحف عليهما بشكل خطير، ومع ذلك اضطر الباشا إلى التخلص من سيارته بالبيع، وتخفيض عدد القائمين على خدمته؛ لعجزه الشديد عن مواجهة أعبائه المالية المتزايدة.
أتى عام 1955، وأصبح الباشا عاجز تمامًا عن مواجهة أعباء حياته، فاضطر ابن شقيقته محمود شوقي سكرتير عام مجلس الوزراء سابقا، إلى تكليف اثنين من سكرتارية الباشا السابقين بالسفر إلى الوجهين القبلي والبحري لجمع تبرعات من أعضاء الهيئة الوفدية السابقين للزعيم، ولما علم فؤاد سراج الدين أمر بصرف 400 جنيه شهريًا تُرسل إلى منزل الباشا
فى 19 مارس عام 1955 نشرت جريدة اخبار اليوم على صفحاتها:
“رفضت اللجنة القانونية لأموال المصادرة إلتماس حرم رئيس وزراء مصر الأسبق ،زينب الوكيل ، بالأفراج عما قيمته 30 ألف جنيه من أموالها المصادرة تطبيقا لأحكام محكمة الثورة .
وقد أستندت زينب الوكيل في طلبها علي أن حكم محكمة الثورة قد منحها 10 ألف جنيه من أموال زوجها رئيس وزراء مصر الأسبق مصطفي النحاس ، ينطبق هذا أيضا علي منزل مصر الجديدة الذى أهداء حزب الوفد إليه ، و علي إيجار هذا المنزل خلال فترة الحرب وما تلاها .
وقد رأت اللجنة القانونية المصادرة لأموال المصادرة أن محكمة الثورة قد حدد تحديدا كاملا ما يفرج عنه وما لا يفرج عنه من أموال و أملاك مصطفي النحاس الذي وهبها لزوجته والتي لا تتعدي العشرة ألاف جنيه .”
يحكي النحاس هذا الموقف في مذكراته، قائلاً:
” جاءنى عثمان محرم وأحمد حمزة وفؤاد سراج الدين، وبدأ فؤاد الحديث قائلاً:
“أنت تعلم أن جمال عبدالناصر استولى على جميع ما تملك السيدة حرمك، وأن المعاش لا يكفيك ولا يفي بمطالبك الضرورية، ونحن والحمد لله لا يزال لدينا زائد عن حاجتنا، ولطالما غمرت المحتاجين منا ومن أعضاء الهيئة الوفدية وأنصار الوفد بعطفك وفضلك كعهدنا بك، كما عودتنا أن تنزل عند رأي الجماعة، وقد قررنا أن نساهم معك فى بعض النفقات، ونرجو ألا ترفض طلبنا.”
لم يستمر هذا المعاش كثيرًا، لأن الحراسة فُرضت على فؤاد سراج الدين، وحينها بزغت فكرة اللجوء لعبدالناصر شخصيًا لإنقاذ عدوه اللدود من الضنك، وهنا يمدنا التاريخ بروايتين، الأولى، في مذكرات النحاس بأن زوجته زينب اتصلت بعبدالناصر مباشرة، وطلبت منه صرف معاش كي لا يُهان زوجها في أخريات أيامه، ولا يجد ثمن الدواء الذي يُعالج به ، فاستجاب لها وأمر بصرف 300 جنيه شهريًا، أما بكتاب الشاهد، فيحكي أن فؤاد سراج الدين هو الذي بادر بالاتصال بمكتب الرئيس لشرح الظروف الأليمة التي يمر بها رفعة الباشا، فسُمح له بـ250 جنيهًا شهريًا.
في يوم 23 أغسطس 1965، أُعلنت وفاة النحاس باشا بعد 12 عامًا قضاها حبيس منزله. يحكى على سلامة أنه فور وفاة الزعيم، تدفق الآلاف على بيته في جاردن سيتي، وراحوا يبكونه بحرارة ويهتفون له: ( إلى جنة الخلد يا نحاس ) ، و ( لا زعيم إلا أنت ) ، و( اشكي لسعد الظلم يا نحاس ) ، وفشلت الشرطة في السيطرة على الموقف فسارت الجنازة من جاردن سيتي إلى التحرير وعبر شارع سليمان إلى شارع صبري أبوعلم ثم تمت الصلاة عليه في مسجد الكيخيا، وانطلقت نحو الحسين حيث صلى عليه مرة ثانية والناس تبكي ولا تكاد تصدق، حتى انطلقت بعدها السيارة إلى مقابر البساتين حيث صُلي عليه للمرة الثالثة قبل أن يدفن في مقبرته هناك.
أما عن موقف عبدالناصر، فيروي صلاح الشاهد بكتابه أن البكباشي عبد الناصر كان وقتها بزيارة خارج مصر إلى جدة، ويصف أن توديع الصحافة العالمية له كان رهيبًا، حتى أن الملك فيصل قال له: ( لقد كان النحاس باشا رجلاً عظيمًا فاضلاً ) ، وهنا صمت جمال! فهذه المرة قراراته العقابية بحق الرجل لن تستطيع ملاحقته إلى الدار الآخرة.
يقول مصطفى أمين في كتابه “سنة أولى سجن ” ، أن الملايين خرجت لتشييع جنازة النحاس، و(حزنتُ لأن الصحف لم تُخصص الصفحات الملائمة للحديث عن تاريخ هذا الرجل وأمجاده ) ، واعتبر عبد الناصر أن خروج كل هذا الحشد بالجنازة هو ثورة على النظام، فأصدر أمرًا بالقبض على كل مَن سار بالجنازة، وهو ما دفع بالسخرية منه :
“هل ستقبضون على 3 ملايين؟! “
صدر لاحقًا قرار باعتقال وحبس كبار الوفديين الذين شاركوا في جنازة النحاس، ويضيف أمين أن مسؤولاً أكد له لهم أنهم ( لن يخرجوا من السجن أحياء أبدًا ) ، بعضهم قضى بالسجن عامين وآخرون لم يخرجوا إلا بعهد السادات عقابا على مشاركتهم فى جنازة مصطفى باشا النحاس
كان النحاس باشا قد رحل فى تمام السابعة صباح 23 اغسطس عام 1965 ،وعلى سريره بمنزله على كورنيش الاسكندرية استيقظ النحاس باشا على ضيق فى التنفس وهتف مناديا زوجته :
” أنا بموت ..يا زينب “
توفى النحاس باشا عن عمر يناهز الـ 86 عاما وشهرين و8 أيام وبعد عامين من وفاته وتحديدا يوم 10 نوفمبر 1967 رحلت زينب هانم الوكيل عن عمر 55 عاما على اثر ازمة قلبية
عن الايام الاخيرة فى حياه النحاس باشا وزينب هانم الوكيل يقول الوفدى “على سلامة”:
“أن لنحاس باشا ظل مدركاً لكل ما حوله حتى يوم وفاته بسبب حرصه الشديد على قراءة القرآن بشكل منتظم كل يوم. وفى يوم الثالث والعشرين من أغسطس كان يقرأ ما يحفظه من كتاب الله وإلى جواره شريكة حياته زينب الوكيل، وتلميذه الوفى فؤاد سراج الدين. كان صوته مسموعا لهما واقتربت الساعة من السابعة صباحا عندما قرأ (إنا سمعنا منادياً ينادى للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا) ثم هتف بعدها ” الله ” ثم كررها مرة أو أكثر وكانت النهاية.
لم تصرخ زينب لأنها تعلم أن قدر الله لا يرده صراخ، وإنما تساقطت الدموع من عينيها فى صمت يوافق امرأة صلبة وقوية وصبورة. كانت تعلم أن نهايتها هى نهايته، وأن حياتهما اقترنت رغم فارق السن بمصير محتوم.
انقلبت أحوال زينب هانم الوكيل تماماً بعد وفاة مصطفى النحاس. انقطع المعاش الاستثنائى الذى قرره عبدالناصر للرجل، وانفض كثير من الزائرين عدا أشقائها وأبنائهم والتى كانوا يعتبرونها بمثابة الأم لهم رغم أنها ليست أكبرهم. كان أبناء سعاد وعزيزة الوكيل شقيقتيها يزورونها باستمرار، بل إن بعضهن أقمن معها نظراً للتدهور الذى شهدته صحتها.
تحكى ” ألفت راتب “أن مسحة الحزن كست وجه زينب فلم تبتسم أبداً بعد وفاة النحاس، وكانت عيناها دائماً دامعتين، وشعرت بالعزلة الحقيقية والغربة القاسية تسحب روحها شيئا فشيئا تقول ألفت :
” سألتها فى يوم ما لماذا تحزن كل هذا الحزن على موت الباشا، وقد رحل وهو فى السادسة والثمانين فقالت:” إنك لا تعرفين ماذا كان يعنى وجوده لى. لقد فقدت الأب والأخ والزوج والحبيب والمعلم والصديق “
كان الدكتور محمد إبراهيم، أستاذ القلب، هو الطبيب الخاص الذى كان يتابع حالتها، وكثيراً ما كانت تتعرض لأزمات قلبية مفاجئة ويقوم أشقاؤها باستدعاءه ليعالجها كلما تدهورت حالتها. ولم يمر عامان حتى انهارت تماماً وسافرت للمرة الأخيرة إلى لندن ونصحها الأطباء بالراحة والابتعاد عن التوتر والحزن، وحاولت الالتزام بنصائح الأطباء، لكن أحوال البلد وفراق االباشا فرضا عليها شلالا من الاكتئاب. وفى 9 نوفمبر عام 1967 أصيبت زينب هانم بأزمة قلبية مفاجئة واتصلوا بطبيبها الدكتور محمد إبراهيم الذى طلب نقلها فوراً إلى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى، وحاول الأطباء إفاقتها، لكنهم فشلوا
وهى التى دعت اثناء محاكمتها قائلة :
( … اللهم ادر عليهم اياما مثل ما اداروها لمصر … ولنا الله انا وزوجى )
شيعت جنازة النحاس باشا من مسجد الحسين إلى مقبرته في منطقة الإمام الشافعى
لم تكن هذه الجنازة هي اللقاء الأخير بين النحاس باشا و جمال عبد الناصر ، وإنما جمعتهما لمرة أخيرة أغنية ظهرت في أواخر الخمسينيات، وهي (مصطفى يا مصطفى انا بحبك يامصطفى ) التي كتب كلماتها شاعر غير معروف في الوسط الفني، وهو سعيد المصري، ولحّنها الموسيقار الراحل محمد فوزي، وأراد الأخير أن تغنيها المطربة العالمية داليدا، لكن ظروفًا إنتاجية منعتها من إتمام التجربة، فرشحت شقيقها “برونو مورو ” الذي غيّر اسمه بمجيئه إلى مصر ليصبح “أورلاندو” وغناها برفقة المطرب السكندري الشهير بـ”بوب عزام “
حقق العمل نجاحًا ساحقًا، وتم توزيع الملايين من نُسخها حول العالم، إلا أن مصر قرّرت عدم إذاعتها عام 1960 بدعوى أن كلماتها تمتدح في النحاس وتتحسّر على مرور 7 أعوام من سقوط الملكية، بناءً على قرار الرقابة التي كان يرأسها آنذاك الروائي والكاتب نجيب محفوظ!
على أثر ذلك أصدر الرئيس جمال عبد الناصر قرار تأميم شركة محد فوزى فى عام 1961 فقد ركن محمد فوزى سيارته أمام شركته، ولاحظ وجود كثيف للعساكر في مُحيطها.
ولما ذهب إلى مكتبه، وجد ضابط الجيش “أحمد المصري ” يجلس على كُرسيه، ويعبث بيديْه في أدراجه الخاصة!
ولمَّا انتبه إلى وجود فوزي أمامه مشدوهًا، أخبره بعجرفة أن الثورة قد أمَّمَتْ مصنع أسطواناته واستوديو أغانيه، وعينته هو مُفوَّضًا على الشركة ورئيسًا لمجلس إدارتها.
ثم نادَى في غِلْظة على الساعي، وأمره أن يقود الأُستاذ إلى مكتبه الجديد كموظف براتب شهري مائة جنيه في مُلْكه المسلوب الذي كان يَدِر عليه ألف جنيه شهريًا. وكان مكتبه الجديد في غُرفة الساعي الخاص به بجوار دورة المياه!
استولى ضابط الحراسة على المكتب الرئيسي الذي كان يجلس فيه فوزي، وضمَّ إليه الغرفة المجاورة، ليصبح المكتب أكثر اتساعًا. ونُقل عم عبد الواحد الساعي إلى مبنى هيئة المسرح. وعُين فوزي مستشارًا للشركة، فاشتروا له مكتبًا معدنيًا من شركة إيديال ثمنه 14 جنيهًا، وخصَّصوا له غرفة البوفيه التي كان يجلس فيها عم عبد الواحد لإعداد الشاي والقهوة للضيوف!
عاد فوزي إلى منزله، وطلب من زوجته أن تجلس وتُنصت إلى ما سيقوله بدقة، ثم تكلَّم قائلاً:
“لقد أُمِّمْتُ اليوم. ذهبَت الشركة التي بنيتها بعرقي وتعب السنين. ولم يبقَ لك إلاَّ فوزي الفنان، ولكِ أن تختاري الآن، لأن حياتي لن تكون على المستوى نفسه. لقد خسرْتُ كل شىء، ولم أعُدْ أملك ما يجعلنا نعيش في المستوى الاجتماعي الذي عِشنا فيه من قبل.”
كان محمد فوزي قد سئل في حوار صحفي قبل التأميم بعام أجرته معه مجلة (الاثنين والدنيا ) بشأن ثروته، فأجاب بأنه يمتلك سيارة شيفروليه موديل 1958، وفيلاَّ ثمنها 150 ألف جنيه، وباقي أمواله مُستغلَّة في مصر فون، وتُقدَّر بـ70 ألف جنيه. وفي أعقاب تأميمه، صودرت فيلاَّ الهرم، وبيعت فيما بعد لثري سعودي!
نَصَحَ المُقربون محمد فوزي أن يفعل مثلما يفعل الآخرون لعلَّه يسترد شركته التي استولى عليها عبد الناصر .لكنه لم يستطع أن يكون بوقًا من الأبواق
غنَّى فوزي نحو 400 أغنية في عمره الفني لم يذكُر فيها أي “جمال” سوى جمال الورد! فى الوقت الذى كرم عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد وعبد الحليم في عيد العلْم 1962.
فمُنح كلا من أم كلثوم وعبد الوهاب وسام الاستحقاق، وكلا من فريد وحليم وسام العلوم والفنوند كُرِّم عبد الوهاب وأم كلثوم وفريد وعبد الحليم في عيد العِلْم 1962.
في أعقاب التأميم دخل فوزي في حالة نفسية سيئة. وسرعان ما تدهورت صحته، وأُصيب بمرض نادر،وانخفض وزنه من 77 كجم إلى 40 كجم في غضون شهور قليلة!
وقبل وفاته بأيام فى 20 اكتوبر عام 1966 كتب رسالة نشرتها الصُّحُف، تقول:
“إنَّ الموت علينا حق. إذا لم نمُتْ اليوم سنموت غدًا. وأحمد الله إنني مؤمن برَبِّي. فلا أخاف الموت الذي قد يريحني من الآلام التي أُعانيها. فقد أدَّيْتُ واجبي نحو بلدي. وكنت أتمنَّى أن أؤدِّي الكثير. لكن إرادة الله فوق كل إرادة والأعمار بيد الله، لن يطيلها الطب. تحيَّاتي إلى كل إنسان أحَبَّني ورفع يده إلى السماء من أجلي. تحيَّاتي لكل طفل أسعدته ألحاني. تحيَّاتي لبلدي.”
قال الدكتور رفعت السعيد في كتابه “مصطفى النحّاس… السياسي والزعيم والمناضل”
المفارقة التاريخية تكمن في أن النحّاس، كان سبباً في التحاق الصف الأول من ضبّاط يوليو 1952 بالكلية الحربية، بعد توقيعه معاهدة 1936 وفتح وزارته أبواب الكلية الحربية أمام أبناء الطبقة الوسطى ، أي أن النحّاس كان صاحب فضل على ضبّاط يوليو 1952، قابلوه بنكران، وجحود منقطع النظير.
يضيف رفعت السعيد قائلا :
يشعر المرء بكثير من الأسف والأسى عندما يقرأ ما ورد في مذكرات النحّاس باشا- التي سجّلها سكرتيره الخاص محمد كامل البنا – عمّا دار بين النحّاس وطه حسين خلال زيارة الثاني للأول في الاسكندرية، في آب 1962 وكان طه حسين مُحمّلاً برسالة إلى النحّاس تطلب منه تأييد ثورة يوليو 1952 فردّ عليه النحّاس قائلاً:
“ما تقوله أو ما يقوله عبد الناصر من أنه لم يسىء إليّ هو غير صحيح، فهناك تحديد الإقامة والمراقبة ومنع الزيارة وتحريم الصحف من ذِكر اسمي حتى في نعي الأموات، إذ أنه منع الصحافة من أن تذكر اسمي في نعي أفراد أسرتي، وأمّا أنه لم يحاكمني فليته قد فعل ولم يتعرّض لزوجتي التي تحمل اسمي ويقدّمها للمحاكمة بتهم واهية وأدلة كاذبة… فهل هذه الأعمال كانت تكريماً لي وبُعداً عن النيْل منّي؟ أم أنها أعمال صبيانية، وتصرّفات غير أخلاقية؟ لم تتعففّ الثورة بعلم عبد الناصر وبأمر منه، أن تحاول إلصاقها بسيدة مهيضة الجناح ويحاكمونها ويحكمون عليها دون دليل ولا برهان إلا الشائعات وأشياء اقتبسوها من خصومي وأعدائي ونقلوها عنهم بلا تصرّف ولا تعقّل ولا مراعاة لكرامة ولا لخُلق”

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى