ناديتها لم تجب. هي التي ترتشف قهوتها عادة في السادسة صباحًا. تجلس في المطبخ كما تجلس الأمهات، أمام ركوة القهوة اللبنانية السميكة المثقل قعرها بالبنّ والصبر. كان المطبخ خاليًا. الشباك مفتوحًا وأنا ألبس زجاجًا ملوّنًا. فتحت الخزائن، رأيت الأطباق والصحون، دعوت الريح، لتجلس مكان الطعام. تركت كل الأدراج مفتوحة، لربما تخرج من زاوية ما.
خيّل لي أنني لم آكل منذ شهر، مع أني أتذكر عشاء الأمس والشعرة الشقراء التي سبحت في طبقى كأنّما تشارك في سباحة المتوسط. لم أقل شيئًا، لا أحبّ أن أقول ما يزعج. أترك الملاحظات لنفسي. لربّما الشعرة لمعان شمس ما، غابت في ليل مبكر.
ناديتها مرة أخرى، باسمها هذه المرة، لكنّها لم تجب. لكنّ البراد اهتزّ. عاودت الكرة وراقبته. اهتزّ من جديد. فتحته، دون تفكير. وعندما أصبح مشرّعًا، لفحني دفأ قارس، مثل حب مكدس في مبرطبان كبيس. كانت هناك، مسجونة في بيضة، مرسومة على علبة حليب، متدحرجة بين الخضار، منتظرة.
“ألست جائعة؟” سألتني.
“جائعة ولا أعرف ما أكل!” أجبتها.
“جربّي هذه الحرب، أعددتها لك منذ الطفولة.” فتحت يديها الهلاميتين.
“دائمًا هذه الأكلة اللعينة. ألا يسعك طبخ غيرها؟”
لم تجاوب. لكنّها أغلقت البراد في وجهي. أمّا أنا فأغلقت الشباك انتقامًا.
سهى عواد
كاتبة لبنانية


