الرئيسيةرأي

د.رضا عبد الرحيم: يوسف إدريس..الكاتب العربى الأول فى اليابان

Adv

حظ كبير ونادر أن يحظى الواحد منا بقراءة لتحليل مفكر يابانى كبير بحجم المفكر والمترجم والناقد اليابانى نوبوأكى نوتوهارا ،الذى نذر أزيد من أربعين سنه من حياته للبحث فى الثقافة العربية وتأملها وعرف بها عبر الترجمة لأكبر روائيها من يوسف إدريس وغسان كنفانى وعبد الرحمن الشرقاوى وصنع الله إبراهيم ونجيب محفوظ ،وأهتم أيضا بأدباء ومفكرى المغرب كمحمد شكرى واللعبى وغيرهم.

يذكر نوبوأكى نوتوهارا أن د.جمال حمدان قدم له فهما نظريا عميقا للمجتمع المصرى،وأستكمل الصورة من خلال أعمال يوسف إدريس القصصية..وان يوسف إدريس الكاتب الذى يقدم الواقع الملموس طازجا حيا فى قصص دافئة ممتعة.

وقد قدم يوسف إدريس للقارىء اليابانى من خلال ترجمة اعماله التالية:الحرام،أرخص الليالى،بيت من لحم،العسكرى الأسود-ليوسف إدريس تسع روايات- وكتب عن قصته “حادثة شرف.

يقول نوبوأكى :لقد أثرت بىً أعماله تأثيا عميقا على مستويين:التقنية الرفيعة فى كتابة القصة،والموضوع الذى يمثل جوانب خطيرة من حياة المجتمع المصرى.

وقد جلست إلى الكاتب مرة والذى قال لىً:أنه يريد أن يصل إلى العالمية عبر قصص وروايات تصور خصوصية شعب مصر ،ولقد نجح فى ذلك خاصة فى رواية الحرام- 1959م، التي تصنف على رأس قائمة أفضل مائة رواية عربية، وقد تحولت إلى واحدة من أجمل وأرقى كلاسيكيات السينما، ولعبت بطولتها الفنانة القديرة فاتن حمامة، وأخرج الفيلم بركات عام 1965م-،ومن خلالها نستطيع أن نفهم أخلاق الفلاحين فى مصر،أعنى ما يميز الفرد الذى يعيش على ضفاف النيل فى مصر .والرواية لا ينحصر عالمها فى رصد السلوك الاخلاقى ولكنها فى العمق تتصدى لتصوير ما يتوقعه من الفلاحين فى صناعة مستقبل مصر.من عماد مصر؟

ومن خلال انتاجه فهمت أنه لا يعتبر المثقفين أو رجال الدين وسكان المدن ضمانا لمستقبل مصر.فالفلاحون بالنسبة له هم الذين سيبنون مصر المستقبل،وأقدر أن البحث عن ضمان المستقبل لمصر كان محور حياته،ولذلك جابه السلطة منذ كان طالبا بالجامعة.ويوسف إدريس وصل إلى الفلاحين عبر بحث طويل ومن هنا جاءت صورة الفلاحين كما قدمها الكاتب تعبيرا عن المسائل الجوهرية المطلوبة لتكوين مستقبل مصر.فعندما ترجمت رواية”الأرض” لعبد الرحمن الشرقاوى كونت صورة أولية عن حياة الفلاحين فى الريف ،وتلك الرواية ساعدتنى على الدخول إلى المعانى العميقة فى أدب يوسف إدريس .إن صورة الفلاحين عند يوسف إدريس مرتبطا دائما بمصير مصر وبما تواجهه مصر فى الحاضر والمستقبل.وهذه الصورة عند يوسف إدريس مهمة جدا للقارىء الاجنبى فهى تشد انتباهه بقوة لكى يدرك العمق الحقيقى لحياة الشعب المصرى.

فى دلتا مصر يشكل الفلاحون المصريون أغلبية ساحقة،وهم يعتقدون بالقرآن الكريم كتابا فيه حل لكل المشاكل الصغيرة والكبيرة،ولذلك فهم لا يحتاجون إلى كتب أخرى.ويلعب مفهوم الحلال والحرام دورا اساسيا فى الحكم على سلوك الناس،هذا المفهوم يأخذ شكلا كليا مجردا .ولكن يوسف إدريس يبتعد فى كتاباته عن المجرد وينغمس فى حرارة اليومى المحسوس المعيش،ولذلك يتابع مصائر الافراد واحد واحدا ؛ليقدم لنا الحياة كما تجرى فى الواقع بكل حراراتها وواقعيتها ،ولذلك نجد عنده أحكاما اخلاقية مبنية على اساس عملى تحدده شروطه ومن هنا نكتشف عنده تبريرا أو عذرا أو غفرانا لافراد مارسوا الحرام.

ففى سياق ما،موصول بموازاة الراوى للشخصية مرتكبة الحرام،”عزيزة”،سوف يعاد النظر،ضمنيا،فى مدى إثم الفعل الذى اضطرت لإرتكابه،سوف يلوح سلوكا من سلوكيات ممكنة الحدوث،حتى لو لم تكن مألوفة،وسوف تشعر عزيزة بعد أن تخلصت من علامة الجرم وجليله الكبير المنتفخ،من الجنين الذى حملت به سفاحا ،بأن الصباح جميل،وبأن كل شىء سوف يسير كما أرادت تماما وكأن الله معها.

ويذكر أ.عمرو العادلى أن يوسف إدريس من قلائل جمعوا فى كتاباتهم بين الريف والحضر،أو القرية والمدينة ،فقد كان يكتب عما يعرفه،فعندما كان فى الريف كتب عن الريف وعندما ذهب إلى المدينة كتب عن المدينة ،وذلك رغم التباين بين طريقتى الكتابة وطبيعة المجتمع فى نمطين مختلفين من المعيشة والرؤية.

فالريف والمدينة كلمتان متقابلتان،بينهما  تضاد،وهوة واسعة،لا يسهل العبور فوقها،لأنها ترتكز على ميراث طويل من العزلة،والاستعداء ،والاستعلاء ،فهذه الهوة العميقة الواسعة واضحة فى وطننا العربى(وهو الذى نُعنى به هنا) أكثر مما نشاهد فى أوروبا وأمريكا مثلا.فهناك فروق بين الحياة فى الريف والحياة فى المدينة لا شك،وهناك -ربما- سوء رأى متبادل أيضا يمس النظرة إلى الإنسان وقدراته وقيمه،كما عندنا،ولكنها ليست شاسعة على النحو الذى نشاهد فيه البلاد النامية التى نُعد من بينها.

ومنذ بدايته الأولى ،كما قال عنه محمد دكروب:تميز إدريس بنظرته الجدلية للعالم والحياة،ووحدتهما ،إنه يتأمل فى ظواهر الحياة والوجود،وما بينهما من صلات وروابط.واهتم بالناس أكثر من أى شىء ،لقد قال ما معناه:إنه يحس بموهبته وكأنها صلة روحية خاصة بينه وبين الناس الآخرين،لقد ساعده اهتمامه الكبير بالعالم الداخلى لشخصياته وبظروف حياتهم الاجتماعية.

ونعود إى رواية الحرام مرة أخرى حيث أكد د.مجدى العفيفى (رئيس جريدة أخبار الأدب الأسبق)، وهو حاصل على درجتى الماجستير والدكتوراة فى أدب يوسف إدريس على أن تصور الرواية مجتمع الفلاحين المهمشين والمسحوقين والذين لا يملكون إلا عافيتهم، ويعثرون بالكاد على قوت يومهم، من خلال حكاية سقوط عزيزة في الخطيئة، وقد أدخلهم يوسف إدريس في التعبير الأدبي لأول مرة، وتعمق في عالمهم، لهم عاداتهم وتقاليدهم وهمومهم وعذاباتهم وليسوا نفايات بشرية، كما يصفهم الآخرون.

وينتشر العنوان الذي يفكر كثيرًا لنص رواية «الحرام» ثلاثين مرة، في سياقات لا تنضوي فقط تحت المعنى المجرد للحرام، بل تتجاوزه إلى آفاق أكثر اتساعًا وتنوعًا، تتناثر على ألسنة كثير من الشخصيات سواء من الفاعلين للحرام أم المستنكرين، أم الرائين إليه من بعيد، أم المتسائلين عنه والمتشككين في ثبات حدوثه.

وقد جاء أول استخدام للحرم تسمية للقيط ،كعلامة وحيدة دالة على فعل ارتكاب المحرم ،فى موقفين ،الأول فردى حين اكتشف “عبد المطلب الخفير”اللفافة فظن بطريقة ما،أن ما أمامه ليس عفريتا أو شيئا من هذا القبيل ،ولكنه “رضيع ابن حرام على وجه الدقة”،وكان الموقف الثانى جماعيا كدلالة مادية نابعة من المشاهدة العينية “لأهل القرية”..وثمة استخدام يدل على التمايز بين الرجل والمرأة فى ارتكاب الحرام(ممارسة الجنس خارج ما هو مسموح به ،ومباح) بالمعنى المباشر ،وهى تراتبية تشمل كل أحد على وجه العموم ،فالمجتمع الريفى نفسه  مستعد أن يصدق أو يقبل الحرام فى الرجال،ولكنه لأمر ما يصعب عليه أن يصدق أو يقبل الحرام فى النساء!!

وهناك الصيغة التى ترسم الحرام كيانا ما،ثم تتخذه،ونقيضه ،معيارا لتصنيف الناس،ومحددا لطبيعتهم ولوجودهم ،وربما لخبقهم ذاته،فقد صدر عنها شىء حرام كهذا الذى حدث منذ أيام حاولت إخفاءه،فئة الترحيلة انفسهم كانوا يكادون يصبحون شيئا حراما ،وكان الناس جميعا مخلوقات حلال وهم وحدهم (الترحيلة) مخلوقات حرام!!

وهذه نقطة مائزة فى رواية الحرام وهذا ما أكد عليه نوبوأكى حين قال:هنا يصبح الواقع قاضيا ورؤيا الفنان شاهدا وحاكما.وهذه النقطة فريدة فى أدب يوسف إدريس قلما وجدناها عند كاتب عربى آخر،وأقدر أن ذلك لعب دورا اساسيا فى استقبال القارىء العالمى لأدب يوسف إدريس.

وعندما صدرت ترجمتى لرواية الحرام عام 1984م قدمتها الجرائد الثلاث الكبرى فى اليابان فى مقالات كبيرة نسبيا وفى يوم واحد وهذا الأمر نادرا ما يحصل مع الكتب المترجمة.وكمثال آخر فقد نشرت رواية العسكر الاسود زقصة بيت من لحم فى سلسلة الأدب العالمى،وهذه السلسلة تضم عشرين مجلدا فقط.فيوسف إدريس كان الكاتب العربى الأول فى اليابان الذى اعتبر أدبه عالميا.

يوسف إدريس فهم من قراءته للأدب العالمى والثقافة العالمية أن هناك علوما تعمق فهمنا للإنسان وتساعدنا على أدراك قوانين المجتمع،ولأنه كان دائما يخاف على مستقبل مصر فأنه تصدى لكل الفئات أو الجماعات أو الأفراد الذين قدر أنهم لا يساعدون مصر فى بناء مستقبلها.وعلى هذا الأساس تناول يوسف إدريس سلوك نماذج من رجال الدين الإسلامى فى قصص متنوعة مثل:أكبر الكبائر ،بيت من لحم،أكان لابد يا لى لى؟ وغيرها .

ومن المهم هنا ان نؤكد-الكلام على لسان نوبوأكى- أن يوسف إدريس لم يكتب ضد الدين الإسلامى ،ولم يكن يهدف إلى مس الإسلام ،ولكنه كان يبحث عن جوهر الأفعال الإنسانية ،ثم من سيكون عماد مصر وقائدها فى المستقبل،وقد قرر أن الفلاحين هم ذلك العماد المنشود ،كما أسلفت.

ويوضح يوسف إدريس بلا لبس اسباب تصديه لسلوك رجال الدين فيقول:رجال الدين لهم تأثير كبير على الفلاحين فى الارياف وعلى العمال فى المدن ،وأخشى أن يلعبوا دورا اساسيا قياديا مستغلين سلطتهم الدينية ،عندئذ يحركون الجماهير بدون أى قاعدة وبكثير من الأخطاء.

 

 

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

إغلاق