أخبار تهمكالرئيسيةخدماتفن وثقافات

كنعان وصفي: الفارس العراقي بنبض مصري

بروفايل المواقف، الحكايات، وأرشيف الذاكرة الرقمية والصحفية

 

رُبما تخدعنا الملامح أحياناً؛ فخلف تلك النظرة الصارمة والبنيان الجسدي القوي الذي حصر صاحبه في أدوار القادة الأجانب، والفرسان القساة، ورجال العصابات في السينما المصرية، كان يختبئ فنانٌ مرهف الوجدان، يملك حنجرة أوبرالية تصدح بأعذب الألحان.

كنعان وصفي (1932 – 2000)، ذلك الفنان العراقي الذي وفد إلى القاهرة شاباً ليدرس الموسيقى، فذابت هويته في تفاصيل الحكاية المصرية، ليصبح واحداً من ملامح زمن الفن الجميل.

أولاً: حكايات ومواقف كنعان وصفي (بين منصات التواصل والأرشيف الصحفي)

تتأرجح الحكايات المروية عن كنعان وصفي على صفحات “فيسبوك” وحسابات التوثيق السينمائي على “تويتر” (X)، بجانب لقاءاته القديمة في المجلات المصرية والعربية (مثل آخر ساعة، المصور، والكواكب)، بين ثلاثة محاور رئيسية:

1. ملحمة “الناصر صلاح الدين” وكواليس يوسف شاهين

  • الموقف المروي: الحكاية الأكثر تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي تتعلق بدوره الأيقوني (الكونت أرتور) في فيلم “الناصر صلاح الدين” (1963). يُروى أن المخرج يوسف شاهين كان يبحث عن وجه يجمع بين الملامح الأوروبية الحادة والقدرة على أداء المعارك الجسدية العنيفة دون الاستعانة بـ “دوبلير”.

  • كواليس المعركة: تذكر الصفحات المهتمة بالتراث السينمائي أن كنعان وصفي، بسبب حماسته الشديدة وبنيته القوية، تسبب في إصابة بعض الممثلين المساعدين (الكومبارس) كدمات حقيقية أثناء تصوير مشهد المعركة الشهير. وكان شاهين يصرخ فيه بأسلوبه المعتاد: “يا كنعان، ده تمثيل مش حرب حقيقية!”.

2. صدمة الجمهور بين “الصوت والملامح” (المفارقة الكبرى)

  • الموقف المروي: يتداول رواد “تويتر” مقاطع فيديو نادرة لكنعان وصفي وهو يغني على المسرح في فترات الخمسينيات والستينيات بصوت أوبرالي وتينور قوي جداً، أو يغني أغانٍ وطنية وموشحات.

  • المفارقة: التعليقات دائماً ما تحمل صدمة من الجمهور الحديث؛ فكيف لهذا الرجل الذي ارتبط في أذهانهم بأدوار الشر الغليظة أو القادة الصليبيين، أن يمتلك هذا الصوت المخملي الحنون؟ الصحافة الفنية أشارت قديماً إلى أن كنعان كان يشعر بغصة؛ لأن السينما المصرية “ظلمت المطرب فيه واستغلت الممثل الفارع”.

كنعان وصفي في نحو الستين من عمره: قسمات مصقولة بالتجربة، ونظرة يكسوها وقار السنين، وابتسامة خافتة
كنعان وصفي في نحو الستين من عمره: قسمات مصقولة بالتجربة، ونظرة يكسوها وقار السنين، وابتسامة خافتة

3. موقف الوفاء للقاهرة والتمسك بالبقاء

  • الموقف المروي: في حوارات صحفية قديمة له، سُئل كنعان وصفي عن سبب استقراره في مصر رغم الصعوبات ورغم أنه كان يستطيع العودة للعراق ليكون النجم الأول هناك في الغناء.

  • رد كنعان: كان جوابه الدائم في المجلات المصرية: “القاهرة لا تمنحك الشهرة فقط، بل تمنحك وطناً ثانياً يسكن فيك ولا تسكن فيه فقط. لقد تزوجت هنا، وجمهوري هنا، والنيل أصبح جزءاً من صوتي”.

ثانياً: مقارنة بين الروايات المختلفة وتفنيدها عقلياً

عند فحص ما يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقارنة بالأرشيف الصحفي الموثق، نجد تبايناً في سردية “نهايات” الفنان:

الرواية الرقمية (فيسبوك وتويتر) الرواية الصحفية والواقعية (الأكثر عقلانية)
تزعم بعض المنشورات “الدرامية” أن كنعان وصفي عاش أواخر حياته في عزلة تامة، وعانى من الفقر والتجاهل التام من الوسط الفني بعد أن انحسرت عنه الأضواء. تشير اللقاءات الصحفية المتأخرة وشهادات المقربين إلى أنه بالفعل عانى من قلّة الأدوار (وهي أزمة عامة لكل أبناء جيله من ممثلي الأدوار الثانوية)، لكنه لم يكن معدماً.
تصوّره السوشيال ميديا كشخصية حادة وقاسية نظراً لأدواره السينمائية. تؤكد حواراته في المجلات العربية أنه كان رجلاً مثقفاً جداً، يتحدث بالفصحى الممتعة، يمتلك حساً فلسفياً، وكان صديقاً مقرباً لعمالقة التلحين مثل محمد الموجي وبليغ حمدي.

ثالثاً: القصة الأفضل والأكثر عقلانية للتصديق والحكاية

الحكاية المختارة: “صراع الصوت والوجه” الحكاية الأجمل، والأكثر منطقية وتوثيقاً في مسيرة كنعان وصفي، هي حكاية “السينما التي سرقت الموسيقى”.

لماذا هي الأفضل والأكثر عقلانية؟

لأنها مدعومة باعترافات الفنان نفسه في الصحافة المصرية. كنعان وصفي جاء إلى مصر كمطرب معتمد في الإذاعة المصرية، وشارك في لوحات غنائية هامة، لكن المخرجين -وعلى رأسهم يوسف شاهين ونيازي مصطفى- سجنوه داخل جسده وملامحه القوية.

هذه الرواية تفسر لنا منطقياً تحول مسيرته؛ فبدلاً من أن يكون منافساً لـ عبد الحليم حافظ أو كارم محمود في الرومانسية، أصبح منافساً لـ عادل أدهم أو توفيق الدقن في أدوار الحركة والشر الذكي. هذه الحكاية تجمع بين الدراما الإنسانية والواقعية الفنية، وتكشف كيف تصنع السينما هوية الممثل رغماً عنه.

رابعاً: من أرشيف مقولاته وتصريحاته للجرائد والمجلات

من خلال تتبع ما جادت به قريحة الفنان كنعان وصفي في حواراته لـ بوابة الأهرام التاريخية، ومجلات الكواكب وآخر ساعة، نستحضر هذه المقولات التي تلخص فلسفته:

  • عن السينما والغناء:

    “السينما سحرتني ببريقها وخديعتها، لكن الموسيقى هي بيتي الأول والأخير.. في السينما أرتدي قناع غيري، أما خلف الميكروفون فأنا عارٍ تماماً إلا من صدقي”.

  • عن أدواره التاريخية:

    “كنت أخشى أن يكرهني الجمهور العربي بسبب دور ‘أرتور’ في الناصر صلاح الدين، لكن يوسف شاهين قال لي: ‘يا كنعان، الجمهور الذكي يكره الشخصية ويحترم الممثل’.. وقد كان”.

  • عن هويته بين مصر والعراق:

    “أنا عراقي المولد والدم، مصري الهوى والوجدان.. الفن لا يحتاج إلى جواز سفر، ومصر هي جواز السفر الأبدي لأي فنان عربي”.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى