البريد
رأي

د. رحاب الكيلاني تكتب: طاقة كلمات

Adv

كلمة فوق كلمة.. وتتراكم الكلمات وتتزاحم. لكل كلمة معنى، ولكل كلمة شعور مختلف. كلمة فوق كلمة.. وتتجمع المعاني وتتداخل المشاعر. كلمات تتقلب في الروح، تقفز في العقل، تتصادم وتصدر طاقة، تحركنا وتوجهنا. كلمة فوق كلمة.. والكلمات أسلحة، إن تراكمت صار لها فعل القنابل الموقوتة، قد تنفجر وتدمر ما حولها. غير أن العبرة ليست بالكلمة بحد ذاتها، إنما بطريقة صياغتها والتصرف بها.. فكيف نصرّفها..؟ وهل يتم التنفيس عن تلك الطاقة الهائلة التي تتجمع داخلنا بصورة صحيّة؟!
ربما تعلم البعض التعبير عن نفسه، والحكي بأريحية عن مشاعره. لكن الكثير يؤثرون الصمت، خاصة في وسط النساء، فالبيئة والموروثات تحاول ترسيخ فكرة عدم مواجهة الآخر، خصوصا إن كان الآخر رجلاً، والنصيحة الجوهرية دائماً: الاحتواء والصمت وامتصاص الغضب. من ذلك ما سمعته يوماً من امرأة خبيرة تنصح ابنتها: “إياك أن تواجهيه أنك عرفتِ أنه يخونك مع تلك الشقراء. إن حصلت المواجهة كانت النهاية، ولا أمل بعدها في استرجاعه.. تصرفي بحكمة وإياك والمواجهة.. ادعي الجهل وتصنعي البراءة ولا تقولي كلمة!!”. كانت الابنة تستمع بحرصٍ وفي نيتها أن تطبق كلام والدتها حرفياً. ألم تستطع والدتها أن تحتفظ بزوجها عقوداً أربعة من الزمن. خبرة تلك العقود الأربعة تعادل كل شهادات العالم، والدراسات والنظريات.. صحيح أن الوالد لا يتكلم إلا نادراً.. وصحيح أيضاً أن الوالدة لا تبتسم إلا قليلاً.. لكن ما الداعي للكلام.. وما فائدة البسمات؟! إن كان الوالد لا زال يأتي إلى المنزل.. ولم يهجره نهائياً سعياً وراء الشقراوات حتى الآن، وما زالت الوالدة تتباهي بين معارفها أنها تملك زوجاً..!!
ذلك الحوار يستدعي حواراً آخر لطيفاً جرى في فيلم أجنبي قديم (little Manhattan) والحوار هذه المرة بين طفل لا يتجاوز العاشرة، ووالده الذي من المفترض أنه خبير في أمور الحياة كذلك. يتحدث الاثنان عن الحب الضائع والحياة القاسية، فالوالدان منفصلان تقريباً وإن كانا يسكنان منزلاً واحداً، والسبب أن القوانين في المدينة لا تسمح لأحدهما بترك المنزل قبل إتمام إجراءات الطلاق نهائياً. يعاني الطفل من الصمت المطبق في المنزل، وبلفتةً ذكية تقترب الكاميرا من الثلاجة، وفيها نرى ملصقات توضح كيف تم تقاسم المأكولات والمشروبات بين الوالدين.. يتحدث الطفل ووالده عن الحياة والحب.. فيتسائل الطفل ببراءة لماذا حدث ذلك، فيجيب الوالد : “كانت أموراً صغيرة تركناها وتغاضينا عنها ولم نتحدث بها.. ووصلنا إلى هنا.. لم نعد نحتمل أكثر”. قال الوالد تلك الكلمات دون أن يعيَ أهميتها، لكنه ومن حيث لم يدرِ وضع يده على الحل..! الكلام.. عليه أن يتكلم مع زوجته..! في المشهد التالي يتفاجأ الصغير عند عودته إلى المنزل بضحكات ترقص الجدران لها.. كانت تلك أصوات الوالدين.. فتح كل منهما قلبه للآخر وقالا ما عندهما.. وساهم الحديث عن الذكريات الجميلة والمؤسفة أيضاً، بإخراج تلك الطاقة الهائلة السلبية المكتومة، والتي أوهمت الطرفين أن لا حلول أخرى سوى الإنفصال- فكان الكلام وسيلة لتنفيسها بصورة إيجابية مثمرة.
ترى ما الذي يمكن أن يحدث لو أن كل إنسان حاول التحدث بصراحة ودون مبالغة عمّا يفكر فيه وعمّا يشعر به..؟! أن يجرب التحدث مع من يحب عمّا يعجبه، وعما يكرهه، وعن الأشياء التي تضايقه، وتلك التي تسعده دون اللجوء إلى الكبت والكتمان والمراوغة. أليست المباشرة أجدى وأقصر وأسلم أيضاً؟! يبدو أن تلك المرأة الخبيرة وخبيرات كثيرات أخريات، يخشين المواجهة والحديث – مع أن الثرثرة لعبتهن- لا لشيء سوى أن المفاجأة تكشف الأوراق، وينتهي اللعب..! لكن أليست الحياة قصيرة ليضيعها المرء بمراكمة الكلمات وخزنها..؟! فما قيمة الكلمات إن لم نبح بها عن مشاعرنا وأفكارنا؟! ما قيمتها إن لم تكن وسيلة للتواصل بين البشر..؟! ها هي قد آتت أوكلها داخل إطار الشاشة؛ ألا يمكن كذلك أن تؤتي ثمارها خارجها؟!

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى