الرئيسيةرأي

زهراء باقر تكتب: مصر والخليج.. حين يصبح التكامل العربي استثماراً في الإنسان والاقتصاد

في ظل التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة، لم تعد الوحدة العربية تُقاس بالشعارات، بل بقدرة دولنا على تجميع رأس المال، والمواهب، والأسواق، والمعرفة في منظومة اقتصادية متكاملة. ومن هنا، تبدو الشراكة بين مصر ودول الخليج نموذجاً يمكن البناء عليه لصناعة اقتصاد عربي أكثر تنافسية واستدامة.

مصر، قلب الوطن العربي بثقلها البشري والحضاري، يتجاوز عدد سكانها 118 مليون نسمة وفق بيانات 2025، وتمتلك قاعدة واسعة من الكفاءات والجامعات والمهنيين ورواد الأعمال. كما يشير تقرير منظومة الشركات الناشئة المصرية 2026 إلى وجود أكثر من 1,500 شركة تقنية ناشئة، ونحو 667 ألف خريج سنوياً، 37% منهم في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فيما بلغت الصادرات الرقمية نحو 7.4 مليارات دولار. (World Bank Open Data)

وفي المقابل، يمتلك الخليج قوة استثمارية وبنية تحتية رقمية متقدمة؛ إذ تتجاوز تغطية شبكات الجيل الخامس 90% في جميع دول مجلس التعاون، بالتوازي مع استثمارات متسارعة في الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والاقتصاد غير النفطي. (World Bank)

وهذا التكامل قائم بالفعل؛ فقد تجاوز حجم التجارة بين مصر ودول مجلس التعاون خلال الفترة 2016–2023 167 مليار دولار، بينما تجاوزت الاستثمارات الخليجية في السوق المصرية 40 مليار دولار خلال السنة المالية 2023/2024. كما جذبت مصر نحو 18 مليار دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر في 2025/2026، مع توجه أكبر نحو الصناعة والتصدير وتوطين التكنولوجيا. (gcc-sg.org)

لكن المرحلة المقبلة يجب أن تنتقل من تبادل رأس المال إلى تكامل رأس المال البشري. فتقرير مستقبل الوظائف يتوقع تغير 46% من المهارات المستخدمة في وظائف الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول 2030، مقابل 39% عالمياً، ما يجعل التدريب وإعادة التأهيل والمهارات الرقمية قضية اقتصادية استراتيجية. (World Economic Forum)

وهنا يمكن للخليج أن يصبح منصة عربية لتمويل الابتكار واحتضان المواهب، بينما تمثل مصر قاعدة بشرية وصناعية وتقنية ضخمة؛ فيتدرب الشاب في القاهرة، ويطور مشروعه في البحرين أو الرياض أو أبوظبي، ويحصل على التمويل الخليجي، ثم ينطلق إلى الأسواق العربية والعالمية.

والتحدي ليس نقص المواهب أو الأموال، بل تحويل المعرفة إلى شركات ومنتجات وصادرات؛ فالمنطقة ما زالت تعاني فجوة في تحويل البحث والابتكار إلى أثر اقتصادي، كما تصل فجوة تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة عربياً إلى نحو 30.4% من الناتج المحلي الإجمالي. (UNDP)

إن مستقبل الوحدة العربية يبدأ اقتصاديًا من الإنسان. وعندما يلتقي العمق البشري والإنتاجي المصري بالقوة الاستثمارية والتكنولوجية الخليجية، يمكن أن تتحول الوحدة من فكرة إلى وظائف وشركات وصادرات وابتكارات، ومن حلم عربي إلى قوة اقتصادية قادرة على المنافسة عالمياً.

زهراء باقر
الاستشارية الاقتصادية

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى