الرئيسيةرأيفن وثقافات

عبد الله عيسى يكتب: فاضل الربيعي .. سلاماً

سيكون من شأن الفكرة أن تحنّ إلى طريقته في تمكينها من الحياة ، فتبقى تتنفّس بيننا بحريّة جناحَي حجلٍ بريَ.
ثمّة تلوين في قوله يتيح للّغة أن تصبح جسد العالم الّذي يمضي إلى تاريخه كي يكتشف ذاته بذاته ، ولذاته.
وثمّة أيضاً فيما رأى رائحة حبر لدواة خرجت منها الأساطير منهكة من تداولها بألسنة عمياء تعيد النهايات إلى بداياتها . الرائحة ذاتها الّتي تختلس شهقة أخرى لبطل أسطوريّ آخر في بقعة من هواء رطنت في أنحائه لهجات ولغات مختلفة .
لم نكن بحاجة لضجيج الأحجار الّتي أيقظتَها كي ندرك أن آثارنا لا تشبه رمالاً عثر عليها علماء آثار لم نألفهم تحت قبّعات القشّ ، غرباء لا يشبهوننا إلا إذا تشبّهنا بهم .
إذن ، لم تكن مثل الآخرين كي أصفك ، أو أرثيك .
أنت تعلم أن لا شأن لي بالموتى .
لكنّك ذهبت إلى موتك كمن يبحث عن أسطورته الأولى .
كان عليك يا صاحبي أن تخرج من قصّة ” طفل القيامة”ً(١) وتدخل مدخل صدق في رواية ” عشاء المأتم” (٢)، لتأتي وكتابك ” الشيطان والعرش ” (٣)في يمينك ، لتشهد أنّك قد عشتَ ، كي تلقي فكرتك الأولى ، البكر، سلاماً طيّباً علينا، لكنّها تؤرق لفطنتها الحاذقة مضاجعنا . مع أنّك ، كما يبدو ، تتركها كي تتغيّر ، وأنت الّذي أطلقتها حتّى تغيّرنا .
ولهذا ، ليس لأحد أن يلتقط ، مثلك ، الحبل السريّ بين الفكرة الساكنة في حركة القوميّين العرب وبين الأسطورة . هكذا، في ” كبش المحرقة” اكتشفنا فجأة أنّنا كلّنا مجرّد قرابين للفرد ، وأنّ النظم السياسية تبنى على تشكّلات المثيالوجيا. كما اكتملت دهشتنا الكبرى بما قدت إليه في ” الأسطورة والسياسة” من عناقات في الظلام بين ظلال الشيوعيّ والدينيّ ، كما أدركنا فجأة بئر المعرفة ، حيث هدهد النبيّ يختلي بين منقاريه بعشبة الخلود.
وليكن أنّنا قد نختلف على ماهية ما خلقناه ، وقدّسناه في الأسطورة ، أو لأقل خلقناه كي نقدّسه، لكنّنا قد نتفق على أنّنا أخطأنا كثيراً عندما أسطرنا الفرد ، ذاته الّذي نحن قرابين له، كي نقدّس ما يخرج منه قولاً وفعلاً ، ونتبعه إلى هاوية وراء هاوية أخرى ، وراء ثالثة، مثل سكارى وما نحن بذلك .
وأنا لا شأن لي بالأسطورة إلا بما أورثته اي من سماء ، وبالسياسة إلا بما ستعيده لي من أرض . لكنّني خسرت الإثنتين . مثلك .
وكأنّ أحداً ما ، كما كانت تأخذنا الظنون حتّى جعل الثعابين تقيم تحت جلودنا، بهيّئ رثاء لنا . أنت المنفيّ وأنا اللاجئ في دمشق . منذ التقينا في مجلّة الحريّة ، مطلع ثمانينيّات القرن الماضي.كانت دمشق الّتي حلمت مثلنا آنذاك أن ترث بيروت بعد اجتياحها ، تُختطف على رؤوس الأشهاد، كي تتسع لكلّ الشعارات ، وتضيق على فكرتنا . هكذا جعلوها ، وكلّنا معها، قرابين للفرد . استدرجوا شعراء وكتّاب وأشباههم ، مدّاحين للسيد الفرد ومنشدين يرتّلون مناقبه ، إليها كي يهيلوا التراب على محمود درويش كونه شارك في مهرجان المربد الّذي خرج ببيان رأوه دعماً للفرد في بغداد . لم يفهموا آنذاك أن الفرد هنا وهناك يحلم بسرقة فلسطين ، سيما وأنّ الفرد في دمشق شقّ منظمة التحرير ، المنظمة نفسها الّتي ذهب درويش ، كونه عضواً في اللجنة التنفيذية للمنظمة، باسمها إلى المربد، بعد أن طلب منه رئيسها ياسر عرفات ذلك ، وإلا سوف ” يخرب بيت الفلسطينيين ” ، ولم نعد ، كما لم نكن ، نختلف أن “. بيت فلسطين خربان في الحالتين ” . وكأنّما دفاعاً عن درويش تُحصّن فلسطين من اختطافها ورقة على طاولة مفاوضات الفرد المحتملة .
ومنّا من اتُّهم بأنّه يقدّس درويش حتّى نغفر ، من قبل ومن بعد، خطاياه ، وإن كبرت .
وفيما سطا كثيرون على فلسطين ليصبحوا باسمها زعماء أو كهنة ثقافيين أو جواسيس ، انشغلتَ أنتَ بطرح ” السؤال الآخر” (٤)، فيم انهمكت أنا بحراسة السؤال الثقافي في ” الغد الجديد”(٥)، بعد أن منعت الصحافة الفلسطينية إلا تلك الموالية للفرد في البلاد.
ولم يكن خروجنا من دمشق إلى المنافي إلا كي نستعيدها . أنا الماضي ، بخراب بيتي الفلسطينيّ بعد مقتل أبي بيد فلسطينيّة بقفّازات أصابع الفرد، إلى موسكو . وكانت دمشق تقيم معي أينما حللت . وكأنّي قلت لك أنّي كنت أفيق منتصف الليل من كابوس ،لأشرب من سبيل الماء في حواريها.
وكأنّنا كنا نعود إلى دمشق ، وأنا غير آمن من خوف، كي تردّ ديونها .
لم نُصَبْ بخوف يكفي لنمنع أرواحنا من التسكّع مع خيري الذهبي ، وبرفقة غسان جبري وآخرين، في حواري الشام الّتي تتنفّس في كلماته ، وتجلس ، في بيته، معنا سيدة المدن في ذاكرته وهو يروي ليذكُر ويُذكّر بالحب المقدّس و الحلم المقدّس فيها . لكّننا أصبنا بأذى أن عجزنا عن تأسيس دار نشر اتفقنا على تسميتها كما أردت ” عربيّات ” للنشر .
وأردت أن ألتقيك ، كما اتفقنا في آخر اتصال ، في دمشق الّتي لم أزر منذ عقد ونصف ، لأقول لك شكراً لأنّك كتبت على غلاف ديواني الثاني ” آلاء” ، منتصف تسعينات القرن الماضي ، أنني أشبه شعري و يشبهني أيضاً . ومازلت كذلك .
وكي أعتذر منك أنّك لم تستطع زيارة موسكو فأراك ، لأنّك تحمل جواز سفرك الهولنديّ ، وقد أقام الأوربيون الحصار عليها .
فدعني أقُلها إذن : سلاماً يا صاحبي .
——-
١- طفل القيامة. قصة عمر الطفل الّذي يحتاج لزراعة قلب ، حيث الصراع بين العجز والأمل . نشرت عام ١٩٨٤ في بيروت .
٢- عشاء المأتم . ليلة الشاطئ الجميل اللعينة . ليلة الأسرار . نشرت عام ١٩٨٦. وكتبت عنها آنذاك مقالة .
٢- الشيطان والعرش .رحلة النبي سليمان إلى اليمن . ١٩٩٦.
(٥) . الغد الجديد . مجلة عملت على ادارة قسمها الثقافي حتى خروجي من دمشق عام ١٩٨٩.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى