كتبت بديعة زيدان:
ليست مصادفة أن تحوز رواية “نهاية الصحراء” للجزائري سعيد خطيبي، جائزة الشيخ زايد عن فئة الأدب في دورتها الأخيرة، لكونها تقدّم ما هو جديد لجهة التقنيات والمضامين، فلا شخصية محوريّة في الرواية التي يمسك كل من شخوصها بناصية السرد ذات صفحات، في تشويق يغلف الأحداث التي تتخذ شكلاً يبدو بوليسياً، بينما في النص الموازي نجده يتحدث عبر شخوص روايته، ومنذ الجريمة الأولى، عن الواقع السياسي والاجتماعي بجرأة، خاصة في الحقبة الممتدة ذهاباً وعودة منذ بعيد استقلال بلاده في العام 1962 وحتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً العام 1988، وفي تشرين الأول منه، حين خرج خلالها الجزائريون إلى الشوارع احتجاجاً على واقعهم، مطالبين بإصلاحات اجتماعية وسياسية واقتصادية، انتهت بإقرار دستور جديد أنهى مرحلة الأحادية الحزبية، وفتح باب التعددية السياسية والإعلامية.
وتتوزّع عناوين فصول الرواية الصادرة عن “نوفل” دمغة الناشر “هاشيت أنطوان” في بيروت، بين أسماء شخصياتها، أو تواريخ بعينها، فكانت البداية في “9 سبتمبر”، حيث تبدأ الأحداث، أو هكذا يوحي لنا كاتبها.
يتم العثور على جثة لشابة يتبيّن بعد معاينتها أنها “زكية زغواني”، وهي مغنيّة في مرقص، وكانت أسرتها قد تخلت عنها بعد هروبها من المنزل، إلا أن والدتها حافظت على تواصلها معها.
ومن ثم يتوالى حضور الشخصيات بعد ذلك، وبينهم: “عاشور” الذي عثر على جثمان “زكيّة” عند أطراف المدينة خلال هروبه بعد طعنه لابن عمه وإصابته في كتفه، وهو من أبلغ الشرطة عن القتيلة، و”حميد” مفتش الشرطة الذي يحقق في الجريمة، وكان على صلة بالقتيلة لكونها كانت تنقل له أخبار منافسيه من أصحاب النفوذ والثروات، و”بشير” الذي كانت تربطه علاقة عاطفية بمغنيّة المرقص المغدورة، الملقبة بـ”زازا”، و”كمال” موظف الاستقبال في فندق “الصحراء” حيث المرقص الذي يملكه “ميمون” وكان ينوي الزواج من القتيلة، واشتراه في العام 1965 مستفيداً ممّا كدّسه من تبرّعات المحسنين والأثرياء لدعم حرب التحرير ومقاتليها.
ومن شخصيات الرواية أيضاً، “إبراهيم” الشاب الذي يمتلك محلاً لتأجير أجهزة وأشرطة الفيديو، وكانت القتيلة استأجرت منه جهاز فيديو ووضعت بطاقة هوية “بشير” عوضاً عن بطاقتها كضمان، وكان والد “إبراهيم” من بين شهداء حرب التحرير في الفترة من العام 1954 إلى العام 1962، ولا يُعرف له قبر.
وخلال السرد، وعبر حكاية مقتل “زازا”، ومسيرتنا معه لفك طلاسمها، والوصول إلى القاتل، يعرّج خطيبي، وبومضات سريعة للحديث عن فترة حرب التحرير وما تبعها، من خلال بحث “إبراهيم” الدائم عن قبر والده، أو الاعتراف رسمياً بكونه واحداً من شهداء تحرير البلاد، هذا علاوة على حكايات الشخوص داخل الحبكة العامة التي تؤطرها ولا تؤطرها رحلة البحث عن قاتل المغنيّة، منها الشخصيات راسخة الحضور على مدار الثلاثمائة وست عشرة صفحة، ومنها العابرة كـ”لويزة” التي من خلالها ندرك الأعداد الكبيرة للمتسولين في بلاد أنهكها الفقر، كما الفساد، رغم تحقق حلم التحرير، الذي دفع شعبها حيواتهم بما يزيد على المليون ونصف المليون شهيد لتحقيقه.
وخلال التحقيق، يُتوفّى الشرطي الذي يفحص جثة “زازا”، ويُسجن “بشير”، ويُشتبه بمنافستها في المرقص “الشيخة ذهبية”، خاصة أن علاقتهما لطالما اتسمت بالتوتر، فمنذ “رحيل زازا تمدّدت الشائعات، بين من يقول إن إخوتها انتقموا منها، أو إن مشعوذاً غار منها، أو أنها خطفت قلب رجل فتكفلت زوجته بإزهاق روحها”، ليُكتشف لاحقاً أن شخصاً آخر من قام بقتلها، للتورية على جريمة قتل كانت المغنيّة شاهدة عليها.
وهنا إحالة إلى الفكرة الأبرز، والمذابة في متن السردية البوليسية، أو رواية الجريمة، وهي تصفية من يتصادف أنه شاهدٌ على جرائم ما، وخاصة في حالة الثوّار السابقين في حرب التحرير، وخاصة من تحوّل منهم إلى دائرة الفساد باستغلال نفوذه وسطوته، أو الأموال التي كانت ترد إلى الثورة من هذا الصوب أو ذاك الحدب، فإبراهيم بقي طوال الوقت يبحث عن قبر أبيه دون جدوى، وهو ما حال دون تسجيله شهيداً، وتبعات ذلك على العائلة، التي حُرمت من راتب أسرة الشهيد، والإعفاء المفروض له كابن شهيد من الخدمة العسكرية الإلزامية، فيكلفه التهرّب منها مبالغ طائلة، قبل أن يتكشف للقارئ أنه كما “زازا”، مع فارق الأزمنة والأمكنة والمواقع، دفع حياته ثمناً لارتباط ما بكشفٍ بعينه حول قضايا فساد أو جرائم، لم يكن صاحب فندق “الصحراء” وحده متورطاً بها، لكونه كان يأتمر من آخرين يبدو أنهم أكثر سطوة، أزاحوا الشهيد وقبره، وحطّموا عائلته، لينثر الحقيقة المؤلمة التي تتسع خارج جغرافية الجزائر، وتتعلق بتحوّل بعض الثوّار إلى تجّار، استبدلوا أسلحة المقاومة بأسلحة قمع وقتل، والزي العسكري ببذلات من ماركات عالمية.
والرواية تتجاوز، كما أشرت، إطارها البوليسي، لنراها تنغمس في الحديث عن القهر المجتمعي، والمجتمع الذكوري وقمع المرأة، والواقع السياسي، وانحراف بؤرة النضال عن هدفها، فيما بعد تحرير العام 1962، وصولاً إلى أحداث العام 1988، لتسلط الضوء على تلك الشخصيات الهشّة والمهمشة، التي تسيّدت السرد وأحداثه في “نهاية الصحراء”، التي يحيل اسمها إلى ما هو مرتبط بتلك التحوّلات لجهة السلطوية والفساد وحتى الاغتيال ممن كانوا يحاربون من أجل بلادهم، وباتوا يحاربون من أجل مصالحهم الضيقة.
واللافت أن خطيبي أهدى روايته إلى “طاووس عمروش”، وهي أول جزائرية بل أول امرأة مغاربية تكتب رواية، وبالبحث عنها اتضح أنها كانت تُعرف أيضاً باسم “ماري لويزة”، وهي أمازيغية عرفها الجمهور الجزائري عبر أدائها الأغنية القبائلية، هي التي تنحدر من منطقة “إغيل علي” بالقبائل الكبرى في الجزائر، لكنها من مواليد تونس في الرابع من آذار للعام 1914، وكانت عائلتها، التي هي الابنة الوحيدة فيها من بين ستة أبناء، انتقلت إلى تونس هرباً من الاضطهاد بعد اعتناقهم للكاثوليكية، هي التي نالت في العام 1966 جائزة في فرنسا نظير كتاباتها المدافعة عن الإرث الأمازيغي والمرأة، كما كُرمت باعتبارها أول امرأة من شمال أفريقيا تُصدر رواية.
ولا أعتقد أن اختيار “طاووس عمروش” هنا، باعتبار أن الإهداء في هذه الحالة قد يكون عتبة من عتبات الرواية، جاء اعتباطاً، فهي حُرمت من وطنها لكون أسرتها اعتنقت ديانة جديدة، في حين حُرم الكثير من شخصيّات الرواية من وطنهم وهم فيه، لكونهم شكلّوا عائقاً، عن قصد أو مصادفة، حال دون استمرار ترسانة القمع والفساد، ولو لوقت وجيز، كما عرقل ممارسة هرس كل من يقف في طريقها.
نقلا عن النهار


