(1)
فجأة..
بعد إجراء تحليل الـ “بي سي أر” تأكد لهم ولي إصابتي بفيروس كورونا المستجد..
فجأة..
وجدتُ نفسي مدفوعة دفعًا للدخول في حجرة الحجر الصحي بأحد المستشفيات الخاصة ..
وحدي ..
كنتُ داخل الغرفة الصغيرة، بعد أن أغلقوا عليَّ بابها جيدًا..
وجدتني أمسح دموعي، التي نزلت دون إرادتي..
ليس خوفًا من مصيري المجهول، وإنما لبكاء ابنتيَّ، بعد أن منعهما الأطباء من أن تعانقاني، خوفًا عليهما من إصابتهما بهذا المرض اللعين..
كنتُ أرى في عيونهما حزن الفراق، وكأنه قد تأكد لهما، تأكيدًا لا يقبل الشك أو التراجع أنهما لن ترياني مرة أخرى..
ترى..
هل حقًا لن ترياني مرة أخرى..؟!!
ترى..
هل تأكد لهما حقًا أن دخولي إلى هذه الحجرة، هو الموت بعينه..؟!!
إن كان كذلك..
إن كان كذلك، فلماذا لم يتركوهما لتقبلاني..؟!! أوليس من حق الأحياء أن يقبلوا موتاهم قبل رحيلهم..؟!!
منذ أن تأكد لي وللفريق الطبي إصابتي بهذا الفيروس، فوجئت أن حالتي تزداد سوءًا فجأة..
ارتفاع في درجة الحرارة ..
هذا بخلاف أنني مصابة بحساسية صدر..
وجدتني أتفحص قبري، أقصد تلك الحجرة بعينين دامعتين..
الغرفة ضيقة إلى حدٍّ كبير..
منضدة صغيرة في منتصف الحجرة، عليها (فاظة) محشور بداخلها ورود متعددة الأشكال والألوان والأحجام منزوعة الرائحة..
أعلم جيدًا أن هذه الورود توضع دومًا فوق قبر المتوفى..
فلماذا يضعونها داخل قبره..؟!
ترى..
أتكون هذه بروفة صغيرة لمسرحية “موتي” المحقق قبل عرضها على الجمهور..؟!
وكشكول كبير من الورق الأبيض..
وقلم جاف ينام في هدوء بجوار هذا الكشكول..
من وضع هذا القلم وتلك الأوراق هنا..؟!
ترى..
من وضعها داخل الحجرة، هل كان يعلم أنني مؤلفة..؟!
ترى..
هل وضعوا هذه الأوراق، كي يعرفوا كيف يفكر مريض كورونا أثناء تواجده وحيدًا داخل حجرة العزل..؟!
أم.. وضعت خصيصًا كي يجبرونني على أن أدون فيها يومياتي، وما يستجد من تطور لحالتي قبل موتى..؟!
نعم..
هذا أغلب ظني، حتى يستفيد الأطباء والباحثون، من أي تطور ملحوظ لهذا الفيروس..
إذًا أنا فأر تجاربهم..
ترى..
هل سكن هذه الحجرة أشخاص قبلي..؟!
وهل من بينهم كاتبات مثلي..؟!
وهل لهن أحلام كتابات مؤجلة مثلي..؟!
وإن كانوا كذلك..
فلماذا لم يتركوا أي أثر لما كتبوه داخل حجرة العزل..؟!
فمن المعروف عن الكتاب أمثالنا، نكتب في أي وقت، وعلى أي شيء داخل المكان، ولا سيما عندما لا نجد أوراقًا ندوِّن فيها ما طرأ علينا فجأة من أفكار مجنونة مثل كاتبيها..
ما هذا..؟!
كيف لمريضة كورونا مثلي أن تحتفظ بحاسة الشم..؟!
نعم.. أقسم أنني أشم أكثر من رائحة داخل الحجرة..
نعم.. هنا رائحة..
وهنا أيضًا رائحة مختلفة..
وهنا توجد رائحة تختلف عما سبق..
وهنا..
وهنا..
وهنا..
ترى..
هل ما أشمه هنا من روائح مختلفة هي حقًا لآدميين..؟!
أم أن هذه الروائح المختلفة هي لملك الموت، بعدما تشكل في صور أطباء كي ينجح في أخذ أرواح من سبقوني بالدخول لهذه الحجرة..؟!!
السرير بالكاد يسع لنوم فرد واحد..
والحمام بابه مفتوح على اتساعه، وأيضًا لا يسع بدخول غير فرد واحد..
لماذا كل شيء داخل هذه الحجرة ضيق..؟!
هل هو قبر جديد تشكل في هيئة حجرة عزل..؟!
حتى أنفاسي..
أشعر أنها بدأت تضيق عليَّ شيئًا فشيئًا، تمامًا مثل ملابسي..
فجأة..
وجدتُ شيئًا خفيًّا يسحبني من يدي..
خطوة..
خطوتين..
حتى وجدتني أقفُ أمام السرير..
وجدتني أتحسس ملاءة السرير ذات اللون الأبيض..
لماذا.. لا أدري..؟!
فجأة..
وجدتني أردد أبياتًا لصديقي الراحل “أمل دنقل”:
(لون المعاطف أبيض
تاج الحكيمات أبيض
أردية الراهبات
الملاءات
لون الأسرّة
أربطة الشاش والقطن
قرص المنوم
أنبوبة المصل
كوب اللبن
كل هذا يشيع بقلبي الوهن
كل هذا البياض يذكرني بالكفن)
لماذا تحديدًا وفى هذا اليوم بالذات تذكرتُ قصيدة أمل..؟!
ولماذا تحديدًا هذه القصيدة..؟! هذه القصيدة تحديدًا التي كتبها أمل في الغرفة رقم 8
هل يود أمل أن يرسل لي رسالة، من خلال تذكري فجأة لتلك القصيدة تحديدًا..؟!
ربما يريد أن يقول لي:
لا .. لا تستسلمي لمرضك..!!
فكما يتفاوت المرض في طبيعته وشراسته، يتفاوت البشر أيضًا في القدرة على تحمل ذلك المرض، فالبعض يقنط ويسخط،
والبعض يرضى ويصبر..
في بطء شديد رحتُ أبلع ريق حزني..
تقودني قدماي نحو شباك الغرفة الزجاجي..
النعش المحمول في الشارع يتوقف فجأة..
خرجت رأس المتوفاة، وراحت تلوح لي وهي تبتسم..
هل تعرفني هذه السيدة حتى تبتسم لي..؟!
أم تريد أن تقول لي في عجالة:
بأنها سوف تسبقني إلى المقابر حتى أعود..
لماذا يطاردني هاجس الموت بشدة، منذ اللحظات الأولى لدخولي غرفة العزل..؟!
الموت..
كم ظل يطاردني كثيرًا..
نعم ..
فما زلتُ أتذكر أول مرة، في محاولة فاشلة منه كي يغويني..
عندما رأيت إخوتي وهم ينظرون من شرفة بلكونة شقتنا، وكنت أطلب منهم أن يحملني أحدهم للنظر مثلهم على المارة، فرفضوا بشدة..
انتظرتهم حتى دخلوا..
وما كان مني إلا أني وقفت فوق الكرسي الخشبي، الذي ظل يناديني بشدة كي أقف فوقه..
المنظر جذبني بشدة..
وجدتني من فرط سعادتي أصفق، وأنا أتقافز في سعادة ما بعدها سعادة..
فجأة..
وجدتني أطير في الهواء..
أثناء سقوطي ظلت ابتسامة الموت تلازمني..
لأجد نفسي قد وقعت فوق سيارة كبيرة محملة بالقطن، وكانت قد وقفت أسفل بيتنا..
فجأة ..
رأيتُ الموت ينسحب حزينًا خائبًا في هدوء وانكسار..
والمرة الثانية التي حاول أن يغويني فيها..
عندما خرجت من الكلية، في طريقي إلى البيت..
كانت الأمطار تطاردني بشدة..
وأنا مثل كثيرات لا نملك ثمن التاكسي، لذا كنتُ أسرع الخطى، وأنا أقاوم سقوط الأمطار..
وإذ بسيارة تصدمني من الخلف، لأجد نفسي كما الورقة التي أدون بها أحلامي، ترتفع عاليًا وسرعان ما تسقط على الأرض
صارخة باكية..
وأنا على سرير المستشفى يفحصني الطبيب، سمعتُ صوت الشاعر الكبير “صلاح عبد الصبور” يأتيني من الغرفة المجاورة وهو يردد في حزن شديد قصيدته “أغنية الشتاء”.
)ينبئني شتاء هذا العام
أنني أموت وحدي
ذاتَ شتاء مثله، ذات شتاء
يُنبئني هذا المساء أنني أموت وحدي
ذات مساء مثله، ذات مساء
وأن أعوامي التي مضت كانت هباء
وأنني أقيم في العراء(
خرجتُ من المستشفى بعد أن تعافيتُ تمامًا..
لأجد الموت يقف عند باب المستشفى، ينظر إلي في غل وحقد شديدين..
نظراته الحاقدة الخائبة التي تعلن عن فشله المتكرر، جعلتني أتذكر مبدعين رحلوا في سن مبكرة، ورغم رحيلهم المفاجئ وهم في ريعان شبابهم، يصرون أن يتركوا لنا إرثًا عظيمًا من الأعمال العظيمة التي خلدتهم..
(2)
خوفي من الموت المبكر جعلني أجمع قصصي القصيرة، التي نشرت في جرائد ومجلات مصرية وعربية، لأضعها في أول كتاب يصدر لي..
الكتاب كان متوقفًا فقط على كتابة سطور الإهداء..
وجدتني أحدثُ نفسي في همس:
هل أهديه لأبي الذي رحل وأنا تقريبًا ابنة الخمس سنوات..؟!
هل أهديه في محبة هؤلاء الكتاب العظام الذين رحلوا في سن مبكرة..؟!
أم أهديه لأمي التي احتضنتني، وربتني أحسن تربية..؟!
لمن أهدى مجموعتي القصصية الأولى..؟!
من يستحق مني هذا الإهداء الأول..؟!
إنني حائرة..
لم أستقر حتى الآن لمن أكتب له الإهداء..
أخيرًا..
توصلت إلى أن أمسك القلم وأترك له حرية كتابة الإهداء لمن يحب ويشاء..
حتى وجدتني أكتب:
(إهداء.. خاص جدًّا..
إليه وحده دون غيره ..
إلى من يهاب لقاءه جُموعُ الناس..
إلى ……
أرجوك تمهل ..
تمهل قليلاً؛ حتى أتم مشروعي الأدبي، وعندئذ سوف أفتح كل الأبواب والشبابيك مرحبة بك:
تفضل مَلَكَ الموت)
تعجبتُ بشدة..
فور أن رأيتني أنتهي من كتابة هذا الإهداء..
رحتُ أدقق النظر في كلماته التي لم أكن أتوقع كتابتها..
ترى ..
من الذي دفعني لكتابة هذا الإهداء الغريب والجديد بل والفريد من نوعه..؟!
ترى هل هو خوفي الشديد من الموت، هو الذي دفعني بشدة لكتابة هذا الإهداء ..؟!
نعم هو .. هو الذي أمسك بأصابعي وكتبه ..
خوفي .. هو الذي سطر له هذا الإهداء خصيصًا كي يرجوه ويستعطفه أن يتركني وشأني، وحتى يكف عن ملاحقتي..
بل ويرجوه أن يخرجني من رأسه، وأن يفكر في غيري.. حتى أستطيع أن أكمل مشواري الأدبي الذي رسمته جيدًا..
(3)
كان لصدور مجموعتي القصصية الأولى صدى كبير جدًا في الوسط الأدبي، ولم أتخيل أن يكون لكلمات الإهداء أن يخرج عنها دراسات عدة تناولها عدد من النقاد، لغرابته وجراءته..
ورغم كتابة هذا الإهداء الجديد والغريب من نوعه..
إلا أنه لم يعجبه..
لم يجعل قلبه يرق نحوي..
مطاردة الموت لي لم تتوقف..
ها هم أفراد أسرتي يستيقظون فجأة على صوت صرخاتي المتواصلة، جاءوا مسرعين إلى غرفة نومي..
ألم شديد.. شديد جدًا في جانبي الأيمن، لن أستطيع تحمله أكثر من ذلك..
– لا بد من إجراء عملية جراحية فورًا.. الزائدة للأسف الشديد انفجرت في بطنها..
قالها الطبيب فور أن انتهى من فحصي جيدًا..
سمعت صوت ضحكات داخل غرفة الكشف، نظرتُ إلى وجوه من حولي، يبدوا أنهم لم يسمعوا تلك الضحكات التي أسمعها بوضوح..
الضحكات عادت مرة أخرى على هيئة سخرية.. نعم ضحكات
ساخرة..
بحثتُ حتى وجدتُ مصدر تلك الضحكات، تخرج من فم الموت.. نعم الموت الواقف في الركن الأيمن من الغرفة..
هنا..
تأكد لي موتي المحقق، فإذا كنتُ قد نجحتُ في الفرار منه في المرتين السابقتين، فمن المؤكد أنني لن أنجح في هذا المرة الثالثة، ولا سيما أنني سمعتُ الطبيب يقول في خوف شديد لوالدي الذي لم يزل يبكي:
– ربنا يسترها.. دعواتكم لها..
فجأة..
وجدت عيون أفراد أسرتي تذرف الدمعات، وهم يحدقون فى وجهي بشدة..
عندئذ أيقنتُ أنني لن أخرج على قدمي من غرفة العمليات..
قررتُ أن أستغل انشغال أفراد أسرتي بحديثهم المتبادل فيما بينهم في همس وحزن، ورحت أنظر باكية فى عطف وشفقه إلى الموت، كي يرحمني..
محاولاتي باءت بالفشل..
قررتُ أن أتحدث إليه بصوت هامس، لا يسمعه إلا هو وذاتي المنهكة..
وجدتني أقول له:
– أرجوك اتركني وشأني، فأنا لم أترك لقرائي الأعزاء فيضًا خالد الذكر من إبداعاتي، فأنا لستُ (أمل دنقل) ولا (أبو القاسم الشابي) ولستُ الرائع (يوسف إدريس) ولا (صلاح عبد الصبور)
خمسة وثلاثون عامًا هو عمري الذي قضيته في هذه الدنيا، هذا العمر ليس كافيًا لأخرج كل ما لديَّ من أحلام وإبداعات.. أرجوك اتركني حتى أقول كل ما لديَّ لهذا العالم الظالم القاتل لكل أحلام البشر، اتركني كي أتحدث عن إساءة استعمال السلطة لدى معظم الدول العربية، والظلم الاجتماعي الذي يعانيه معظم أفراد شعوب العالم، وعن الاستبداد والجهل المنتشر بقوة، وعن أولئك الضعفاء المخدوعين بوعود كاذبة أن غدًا أفضل بكثير مما مضى، بالله عليك دعني أكتب عن كل ما سردته لك، وأكثر منه، ثم أعدك أنني سوف أرفع الراية البيضاء دون مقاومة.. أعدك أنني سأنصرف.. أنصرف في هدوء شديد دون أن أحدث ضجة..
سريعًا..
سريعًا..
انتهيتُ من سرد اعترافاتي..
سريعًا..
سريعًا..
انتهيتُ من سرد أحلامي وآمالي التي لم تتحقق بعد..
في..
شوق
وخوف
ورجاء..
رحتُ أنتظر رده الذي جاء سريعًا..
ظل يضحك ويضحك وهو يشير علي .. ساخرًا مما سردته له..
فجأة وجدتني أردد قصيدة (جنون (لصديق الدرب/ إبراهيم حامد
( شكلوني
زى ما بترسم ايديكم ع الورق
ورد الربيع
واعرفوا المسافات ما بيني
وبين جنوني
واعرفوني
احضنوا حلمي البراح
راح تلاقوا دنيا أوسع
م البراح
دنيا ما بتعرفش تكدب
وقتها
هتحسوا طعم الأمنية
ف عيون صديق
زى المطر
ما بتحضنه كل الغصون
لازم نكون
خط اللقا بين البداية
والنهاية
والجنون
طب إيه يكون ..
لو أفلاطون قفل المدينة
وقفل الشبابيك
وأخد مفاتيح السفر
واتجن !! ؟
هتقولوا غاوي أفلاطون
سكك السفر
م الموت سفر
والليل سفر
وأنا نفسي أسافر
من زمان للبر
أحضن معالم سحنتي
واتوضى صبح
واعمل من النومة اللي أكلت ضهرنا
غنوة مطر
لساكوا داخلين المسافة
ما بين ميلادي
وبين جنوني
فارتموا ف حضن المدينة الميتة
وابقوا انسبوني للسفر
وما تنسونيش
لحظة ما تيجوا ترسموا
بايديكوا فوق خد القمر
بسمة رضيع
ابقوا اعرفوا المسافات
ما بيني وبين جنوني
واعرقوني)
(4)
رأيته غاضبًا..
يضرب كفًا بكف..
نعم.. حدث هذا عندما فتحتُ عيني لأرى الموت، غير مصدق أنني خرجتُ من غرفة العمليات حية..
لقد كان للقدر ولما تبقى لي من عمر أقوال وتصاريف أخرى.
يا ألله لقد نجوتُ للمرة الثالثة منه..
(5)
في غرفة العزل..
مسرعين دخل علي الفريق الطبي مرتدين ملابس تشبه إلى حد ما ملابس رواد الفضاء..
وجدتني أنام على ظهري..
وأسنان السرنجات تنغرس بشدة في جلدي..
ورحت آخذ أنفاسي من خلال أنبوبة الأكسجين الواقفة على حيلها بجانبي..
على مقربة مني، ظل الموت يحدق غاضبًا بشدة فيما يفعله الفريق الطبي معي.
(6)
أمل دنقل ..
يقف أمامي مبتسمًا، يمد يده إلي في ثقة كي أنهض من
مرضى، أعرف أنه كان قويًا وصلبًا.. كان قويًا وصلبًا في مواقفه القومية.. كان قويًا وصلبًا في مواجهة المرض، كما أعلم أن مرضه كان شديدًا وفتاكًا، إلا أنه لم يدفعه ذلك لرفع راية الاستسلام لهذا الوحش الخفي.
وأبو القاسم الشابي..
راح يردد أبيات قصائده التي كتبها ساخطًا على المرض..
ويوسف إدريس..
ابن مدينتي “فاقوس” راح يقرأ عليَّ قصة جديدة، لم تنشر من قبل..
وهذا صبحي الجيار..
يسرد عليَّ تجربته المريرة مع المرض الذي ظل ملازمه كصديقه لمدة ربع قرن، ورغم ذلك ظل صامدًا قويًا..
وأمي رحمها الله..
تضع يدها اليمنى المرتعشة فوق رأسي، لترقيني كعادتها ودموعها تسبق كلماتها..
وأبي رحمه الله..
يجلس على سجادة صلاته.. رافعًا يده إلى عنان السماء، يدعو الله تعالى – بصوته المخنوق بالدموع – أن أخرج إلى أولادي في أمان وسلام..
وابنتاي..
كل واحدة منهما تتشبث بشدة بيدي، حتى لا ينجح الموت في أخذى منهما..
وزوجي..
أسمع صوت بكائه، وهو يقف راجيًا كفيله في السعودية أن ينزل لرؤيتي..
والموت..
راح يضرب رأسه الضخم في جدار الغرفة، يبدو أنه يعلن فشله التام؛ بعدما رأى وسمع تلك الأرواح الطاهرة وهي تلتف من حولي لتشد من أزري.
(7)
– ماما.. يا ماما..
فزعة..
أفقتُ من نومي، على صوت ابنتي، وهي تهزني هزات خفيفة في كتفي اليمنى..
– الحمد لله..
– هل كنتِ تعيشين حلمًا..؟!
– لا .. بل كنتُ أعيش كابوسًا فظيعًا، غاية في الرعب، ولكنه في نفس الوقت كان ممتعًا..
– كيف يكون كابوسًا وفى نفس الوقت كان ممتعًا يا أمي..؟! عليكِ أن تحكيه لي الآن..
– لا .. سوف أقوم بسرده فى قصة قصيرة، وسوف تقرئينها فور انتهائي منها..
– وهل اخترتِ لقصتك اسمًا..؟!
– نعم .. ليكن اسمها “مقابلة خاصة على غير موعد”.



