أخبار تهمكاقتصاد وتكنولوجيا وعلومالرئيسيةخدماتعرب وعالم
رؤية تتجاوز الحدود.. مها الحديوي تقود تمكين المرأة العربية في رياضة الجولف وتواكب الحراك الرياضي الإقليمي
كتب – أحمد طنطاوي:
على مدى أكثر من عقد، حافظت مها الحديوي على حضورها في الجولة الأوروبية للسيدات، غير أن تأثيرها امتد إلى ما هو أبعد من نتائج المنافسات. وبصفتها اللاعبة المغربية والعربية المحترفة الوحيدة التي تنافس على الساحة العالمية، بما في ذلك سلسلة صندوق الاستثمارات العامة العالمية، تمثل الحديوي في كل مشاركة وطنها ومنطقتها، وتحمل معها فخر جيل كامل من اللاعبات العربيات.
وتجسد مسيرتها قصةً من الصمود الهادئ والطموح المتواصل، بعدما كسرت العديد من الحواجز في وقت لم تكن فيه البنية الداعمة لجولف السيدات في العالم العربي قد وصلت بعد إلى ما هي عليه اليوم. وكانت الحديوي في طليعة هذا التحول؛ فمن دعوتها إلى الافتتاح الأول لنادي رويال غرينز في جدة قبل نحو عقد، إلى مشاهدتها استثمارات جولف السعودية وهي تسهم في تحويل المملكة إلى وجهة عالمية رائدة لبطولات جولف السيدات.
على امتداد ١٤ عامًا من الاحتراف، تواكبت رحلة الحديوي مع النمو المتسارع والطموح المتنامي لرياضة الجولف في الشرق الأوسط، لتصبح مسيرتها شاهدًا على حجم التحول الذي شهدته اللعبة في المنطقة.
لكن رحلة مها الحديوي مع الجولف بدأت بمحض الصدفة. فقد نشأت بالقرب من ملعب للجولف في أغادير، وكانت في البداية ترى اللعبة مملة ومخصصة للأجيال الأكبر سنًا. وتغيرت نظرتها عندما شاهدها مشرف حاملي المضارب هي وشقيقتها تركضان في الملعب، فوجههما إلى منطقة التدريب المخصصة للأطفال، وهناك بدأت شغفها الحقيقي باللعبة.
وبينما كان والدها، الشغوف بالرياضة، فخورًا بمسيرتها الرياضية، لم يكن إقناع والدتها بالسهولة نفسها؛ إذ كانت تأمل أن تقبل ابنتها المتفوقة منحةً للدراسة في مؤسسة هنري الرابع المرموقة في فرنسا. لكن إصرار الحديوي على اتباع شغفها حسم قرارها في النهاية، فالتحقت بـجامعة لين في فلوريدا، حيث أقنعتها نجاحاتها المبكرة في البطولات بالتخلي عن مسار وظيفي مكتبي والسعي وراء مسيرة احترافية في الجولف.
وفي بداياتها، كان مفهوم المرأة العربية المحترفة في رياضة الجولف شبه غير مألوف. وتتذكر الحديوي تلك المرحلة قائلة:
«عندما قلت إنني أريد احتراف الجولف والمشاركة في الجولة، كان الناس يضحكون ويسألونني: وما وظيفتك الحقيقية؟ قبل ١٤ عامًا، حتى أصدقاء والديّ كانوا يقولون إن هذه ليست وظيفة حقيقية.»
مدفوعة بما تصفه بـ«النية»؛ أي صفاء القصد وحسن النية، قررت الحديوي خوض المجازفة في وقت كان فيه بناء مسيرة مهنية بدوام كامل وكسب العيش من جولف السيدات يبدو أمرًا شبه مستحيل.
أما اليوم، فقد تغير المشهد بصورة جذرية، مدفوعًا باستثمارات إقليمية واسعة. وبدأت علاقة مها الحديوي بـجولف السعودية قبل عشرة أعوام، عندما دُعيت للمشاركة في الفعالية الافتتاحية في رويال غرينز إلى جانب عدد من أساطير الجولف، من بينهم إيرني إلس. ومنذ ذلك الحين، عايشت عن قرب الطموحات المبكرة لتطوير البنية التحتية للجولف في المنطقة، قبل إطلاق بطولات جولف السيدات فيها.
وترى الحديوي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا أصبحت اليوم محطةً أساسية على خريطة الجولف العالمية، مع وجود ملاعب عالمية المستوى في المغرب والمملكة العربية السعودية والإمارات، أسهمت في توسيع قاعدة ممارسة اللعبة وإتاحتها أمام شرائح أوسع من المجتمع.
تقول الحديوي: «لم يعد من الممكن الحديث عن الجولف على المستوى العالمي من دون أن تكون منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا جزءًا من المشهد.»
كما أسهم إطلاق بطولات جديدة بجوائز مالية أكبر في دفع الجولة بأكملها إلى مستويات جديدة، في مؤشر على الفرص الكبيرة التي لا تزال تحملها الرياضة النسائية للنمو والاستثمار. ففي الوقت الذي ربما وصلت فيه بعض الرياضات الرجالية إلى مراحل متقدمة من النضج التجاري، لا تزال الرياضة النسائية تمتلك إمكانات هائلة لم تُستثمر بالكامل بعد.
ورغم أنها اللاعبة العربية الوحيدة حاليًا في الجولة، لم تنظر الحديوي يومًا إلى هويتها الثقافية باعتبارها عائقًا، بل ترى فيها ما يميزها ضمن جولة عالمية تتسم بتنوعها. وبفضل أسلوب لعبها المتزن والصبور، الذي أسهم في استمرار مسيرتها الاحترافية، تضع الحديوي اليوم نصب عينيها التتويج بإحدى البطولات والمشاركة في دورة الألعاب الأولمبية في لوس أنجلوس.
لكن إرثها الأبرز قد يتمثل في الأبواب التي فتحتها بالفعل أمام الجيل القادم. ومع متابعتها للمواهب الشابة في المنطقة وهي تشق طريقها عبر منافسات الجامعات، ترى الحديوي أن العالم العربي يشهد تحولًا ثقافيًا عميقًا في نظرة الأجيال الجديدة إلى الطموح والنجاح.
تقول الحديوي:
«لم تعد هناك تلك الحواجز التي كنت أشعر بها في السابق، حين كان البعض يضحك على طموحي في الاحتراف. أما اليوم، فلم يعد الشباب يشعرون بالحرج أو الخجل من امتلاك طموحات كبيرة. ووجود رياضيين مغاربة بارزين سبقونا ومهّدوا الطريق يُظهر لهم أن تحقيق ذلك ممكن، ويمنحهم مساحةً أكبر ليحلموا بلا قيود.


