أخبار تهمكرأي

دينا محسوب تكتب: القادة الحقيقيون

ماذا تفعل الحرب بالإنسان؟

ظل هذا السؤال يعود إليّ كلما رأيت صور قادة حرب أكتوبر في منزل خالي، اللواء شكري خضر التوني، أحد الضباط الذين شاركوا في الحرب. لم تكن الصور بالنسبة لي مجرد وجوه معلقة على الجدران؛ كانت وجوه رجال عاشوا معًا لحظة فارقة، عرفوا معنى أن يكون القرار مرتبطًا بحياة آلاف الجنود، وأن يتحول ما يُكتب على خرائط العمليات إلى معركة حقيقية على الأرض.

كنت أرى هذه الصور وأنا أصغر سنًا، وأسمع أسماء أصحابها وحكايات متفرقة عن الحرب، دون أن أدرك تمامًا ما الذي يميز جيلًا عاش تلك التجربة. لكن مع مرور الوقت، بدأت أفهم أن الحرب لا تنتهي عندما تتوقف المدافع. بعض التجارب تظل مع الإنسان، وتظهر في شخصيته، وفي طريقته في النظر إلى المسؤولية، وفي علاقته بمن حوله.

ومن هنا بدأت أنظر إلى قادة أكتوبر بطريقة مختلفة.

فوراء مشهد العبور الذي نعرفه جميعًا، كانت هناك قيادة تدير عملية شديدة التعقيد، من التخطيط للعبور وتوزيع القوات، إلى متابعة ما يحدث على الأرض واتخاذ القرارات في اللحظات الأصعب. كان المشير أحمد إسماعيل علي مسؤولًا عن القيادة العليا للحرب، بينما كان الفريق سعد الدين الشاذلي في قلب التخطيط العسكري للعبور وإدارة تحركات القوات. وفي الوقت نفسه، تولى قادة الأفرع والجيوش والتشكيلات تنفيذ المهام كلٌ في موقعه، من تأمين سماء المعركة إلى قيادة القوات على امتداد الجبهة.

لكن الأسماء والمناصب لا تروي القصة كلها.

فالقائد الذي يتخذ قرارًا في غرفة العمليات يعرف أن وراء القرار رجالًا في الميدان. والجندي الذي يعبر القناة لا يرى الخريطة التي رُسمت له، وإنما يرى الأرض أمامه، ويعرف أن المسافة بينه وبين بيته قد تكون أكبر من مجرد كيلومترات.

ولهذا تظل صورة قادة أكتوبر، بالنسبة لي، مرتبطة بصورة الإنسان قبل الرتبة.

وهنا أعود إلى خالي. فوجوده في حياتي جعل حرب أكتوبر أقرب من مجرد حدث تاريخي؛ كان حلقة وصل بيني وبين جيل عاش الحرب فعلًا، وبين أسماء كنت أقرأها في الكتب ووجوه رأيتها في الصور وسمعت عنها من شخص شاركهم التجربة.

وربما لهذا أعتقد أن الذين عاشوا الحروب الكبرى يحملون شيئًا لا يستطيع الزمن أن يشرحه بسهولة. ليس لأن الحرب تصنع الإنسان بالضرورة بصورة واحدة، وإنما لأنها تضعه أمام اختبارات قاسية: المسؤولية، والخوف، والقرار، وفقدان الرفاق، والعودة إلى الحياة بعد أن تكون قد تغيرت أشياء كثيرة في داخله.

هؤلاء هم القادة الحقيقيون؛ رجال لم تكن القيادة بالنسبة إليهم لقبًا أو رتبة، وإنما مسؤولية اختبرها الميدان.

ونصر أكتوبر لم يصنعه رجل واحد، وإنما صنعته منظومة كاملة من التخطيط والقيادة والتنفيذ، شارك فيها قادة وضباط وجنود، ودفع شهداؤها الثمن الأكبر.

وبعد أكثر من نصف قرن، تبقى صورهم حاضرة؛ ليس فقط لأنها توثق لحظة نصر، وإنما لأنها تحفظ وجوه جيل عاش تجربة لا تتكرر كثيرًا في حياة الأوطان.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى