لطالما راودني وأنا أتأمل الانتقال من “موت المؤلف” إلى “موت الناقد”، سؤالٌ ثالث ألا يحق لنا أن نتحدث عن “موت المترجم” ذلك الذي لا نراه حين ينجح، ولا نستدعيه إلا لنحاكمه حين يخطئ؟
نقرأ كتاباً مترجماً، نتحدث عن لغة المؤلف المختلفة، المميزة…، وننسى أن كلمات أثّرت فينا كتبها شخص آخر وقف بين لغتين، فهم العبارة في سياقها، ثم أعاد بناءها في لغة جديدة. حضر المترجم في كل جملة، لكنه غاب عن عين القارئ.
أما إذا تعثرت جملة، أو بدت عبارةٌ ثقيلةً، ظهر المترجم فجأة. فلا نسأل حينها عن وعورة النص الأصلي، ولا عن المسافة بين اللغتين، ولا عن إحالة ثقافية يستحيل نقلها كاملة. لنصدر حكماً سريعاً؛ المترجم ضعيف، لم يُفهم النص، أو لم يطويع اللغة.
تبدو المعادلة قاسية؛ فإذا نجح المترجم نُسب نجاحه إلى المؤلف، وإن أخفق نُسب إليه القبح كله. ليُمدح الكاتب بلغة لم يكتبها، ويُلام المترجم على عيوب نص قد لا يكون مسؤولاً عنها كلها.
- غائبٌ عند النجاح
اعتدنا النظر إلى المترجم بوصفه ناقلاً، كأن النص بضاعة تنتقل من وعاء لغوي إلى آخر دون أن تتغير، لكن الكلمات لا تسافر بهذه البساطة. فكل كلمة تحمل تاريخاً وإيقاعاً وظلالاً ثقافية لا تظهر في المعجم. قد يعرف المترجم معنى العبارة، ويقف طويلاً أمام طريقة ينبغي أن يقولها بها.
مثلاً تظهر الصعوبة بوضوحٍ في ترجمة طرفة، لا يكفي أن ينقل المترجم كلماتها؛ لأنها تقوم على السياق والتوقيت وما يعرفه أهل الثقافة مسبقاً. قد يقدم ترجمة حرفية صحيحة لتضيع الطرفة، وقد يبتعد عن الكلمات الأصلية قليلاً فينجح في نقل أثرها إلى القارئ. فأيُّ الخيارين أكثر أمانةً؟ أن يحافظ على الكلمات ويخسر الضحكة، أم يغيّر الكلمات ويحافظ عليها؟ هنا تتحول الترجمة إلى فن في الاختيار. يمكن تعلّم قواعدها ومناهجها، لكنها تحتاج في ممارستها إلى ذكاء لغوي، وحس ثقافي. فالمترجم لا ينقل ما تقوله الجملة فقط، لا بل يحاول نقل ما تفعله في قارئها أيضاً.
لذلك لا يصح أن نطالبه دائماً “بـتطويع اللغة” من غير أن نسأل عن ثمن يجعل به المترجم النص سلساً وسهل القراءة، لكنه يمحو غرابته وخصوصيته. وقد يحتفظ بشيءٍ من تركيبه الأصلي، فتبدو لغته أقل سلاسة، لكنها أقرب إلى روح النص.
كشف لورنس فينوتي هذه المفارقة في كتابه “اختفاء المترجم” رأى أن الترجمة تُمدح غالباً حين تبدو طبيعيةً إلى درجة تجعل القارئ ينسى أنه يقرأ نصاً مترجماً. كلما ازداد المترجم نجاحاً في إخفاء عمله، تراجع حضوره حتى يبدو المؤلف كأنه كتب النص باللغة الجديدة بنفسه. فالمترجم في هذه الحالة كزجاج شديد الصفاء؛ ننظر من خلاله إلى النص ولا نراه، لكن خدشاً صغيراً يكفي لننسى المشهد كله، ونبدأ الحديث عن عيب ذلك الزجاج.
- حاضرٌ عند الخطأ
لا يعني الدفاع عن المترجم إعفاءه من النقد؛ فهناك ترجمات ضعيفة، ويقع بعض المترجمين في أخطاء واضحة، وقد يفسدون نصوصاً مهمةً لاستعجال منهم، أو ضعف في المعرفة، أو ركون إلى الحَرفِيَّة. فالنقد المُنصف ينبغي أن يَمِيزْ بين خطأ المترجم وصعوبة الترجمة نفسها. ولا يكفي أن تبدو العبارة ثقيلة كي نحكم على صاحبها بالعجز، ربما كانت هي كذلك في الأصل، وربما تعمد الكاتب اضطرابها، أو أراد للشخصية أن تتكلم بلغة ضعيفة أوعامية أومتعسَِرة. وإذا جعلها المترجم فصيحة سلسة فقد يحسن العربية لكنَّه يسيء إلى النص.
كذلك لا يجوز أن ننسب كل جمال إلى المؤلف، و كل خلل إلى المترجم؛ فقد تكون الجملة الجميلة في الأصل عادية، لكن لغة المترجم منحتها إيقاعاً جديداً. وقد تكون العبارة الضعيفة انعكاساً أميناً لضعف موجود في النص الأول.
فلا يستطيع قارئ لا يعرف اللغة الأصلية الفصل بين الصوتين بسهولة. فهو يقرأ المؤلف من خلال المترجم، لكنه يحاكم أحدهما بطريقة مختلفة عن الآخر. يَمنح المؤلف حق الاختلاف والتجريب والغموض، بينما يُطالب المترجم بالوضوح والسلاسة والخضوع لقواعد مألوفة. وكأن الإبداع حق للمؤلف، والمسؤولية واجبٌ على المترجم.
فهو ليس مؤلفاً… ولا ناقلاً؛ ولا ينبغي أن نبالغ فنحوّل المترجم إلى مؤلف النص؛ فالعمل لا يصبح ملكه، لمجرد أنه نقله لكنه في ذات الوقت ليس موظفاً يستبدل كلمةً بأخرى. ويمكن القول إنه مؤلف الصيغة الجديدة أو (كاتب الظل) كما أسميه أحيانا بحيث أوصل العمل إلى قارئ اللغة الأخرىبطريقته.
وقد لخّصَ أمبرتو إيكو هذه المسافة في كتابه “أن نقول الشيء نفسه تقريباً”. فلا يمكن قول الشيء نفسه تماماً؛ لأنَّ أيّ انتقالٍ بين لغتين يفرض اختياراً ومقايضةً، وربحاً وخسارة. بحيث تكمن براعة المترجم في أن يعرف ما يمكن التضحية به، وما لا يجوز التفريط فيه.
- الآلة تكمل دائرة الاختفاء
لم يبدأ “موت المترجم” مع الذكاء الاصطناعي، بل مات رمزياً قبل ذلك، حين غاب اسمه عند النجاح، ولم يظهر إلا عند الخطأ. وجاءت الآلة لتدفع هذا الغياب خطوةً أخرى. حيث تكتب أنظمة الترجمة الحديثة مسودة سريعة ومقنعة، ليتدخل بعدها المترجم لمراجعتها. فإذا خرج النص جيداً، قيل إن الآلة أبدعت، وإذا بقي فيه خطأ، سُئل المراجع البشري كيف لم ينتبه إليه؟
تتكرر المعادلة القديمة لكنها بصورة أشد قسوة؛ ليُنسب النجاح إلى الطرف الأكثر ظهوراً، وتُلقى المسؤولية على الإنسان المختفي خلفه؛ فصوت المترجم أصبح أضعف حين راجع نصاً أنتجته الترجمة الآلية، مقارنة بنص ترجمه بنفسه، فالآلة لم تسلبه حق التعديل فقط ، لكنها وضعت الجملة الأولى وحددت المسار الذي تحركت فيه مراجعته. فالخطر هنا لا يكمن في أن الآلة ستتعلم اللغات أفضل من الإنسان، لكن في أن المترجم قد يتحول من صانع للنص إلى مصحح مجهول. تستخدم المؤسسة خبرته لضمان الجودة، لتخفيه خلف التقنية.
- إنصاف المترجم
يبدأ إنصاف المترجم مع تغيير طريقة حديثنا عن الكتب المترجمة حين نثني على اللغة، فينبغي أن نتذكّر من كتبها وحين ننتقدها يجب أن نعي أين يكمن الخلل أهو من النص الأصلي، أم من اختيار المترجم، أم من استحالة الاحتفاظ بجميع خصائص العبارة عند نقلها.
كما يحتاج النقد المُنصف مقارنة الأصل بالترجمة، علاوة عن فهم لاستراتيجية المترجم، والنظر إلى النص كاملاً لا بمطاردة هفوة منفردة. كما ينبغي أن يظهر اسم المترجم بوضوح، وأن تتناوله المراجعات بوصفه شريكاً في وصول العمل، لا اسماً ثانوياً في صفحة الحقوق فقط. على ألَّا نطالب بمنحه ما للمؤلف بل بما له هو؛ من الاعتراف بأنَّ الكتاب الذي نقرؤه بلغتنا مَرَّ عبر وعيه، وأن الجملة التي أحببناها ربما كانت ثمرة اختياره، مثلما قد تكون الجملة التي رفضناها نتيجة خطئه.
فالمترجم لا يموت حين تخطئ ترجمته؛ هذا ما يكشف وجوده. بل يموت حين ينجح إلى درجة تجعلنا ننسى أنه كان هناك؛ وما نحتاجه اليوم ليس مترجماً يختفي أكثر، بل قارئاً ونقداً وثقافةً ترى اليد التي أوصلت النص إليها تمدحها حين تصيب، وتقيمها بعدل حين تخطئ.
نزار عبد الحميد
ماجستير الأدب والنقد تخصص ( الرواية التيارية ) دكتوراه في ( أساليب السرد في السيرة الروائية العربية )




