منذ متى تحولت مشاعرنا من حضورٍ نعيشه إلى كلماتت نكتبها؟
من يد تطبطب على كتف مثقل إلى قلب صغير نضغط عليه؟
أحيانًا أتساءل: هل قرّبتنا التكنولوجيا فعلًا، أم جعلتنا نكتفي بمعرفة أخبار بعضنا من بعيد، بينما نبتعد عن قلوب من نحب؟
قديمًا، عندما كان ينجح احد، كنا نذهب إليه ونبارك له، وربما نحمل معنا الحلوى ونشاركه فرحته. وعندما كان يفقد احد عزيزًا، كنا نذهب إلى أهله، نجلس بينهم ونواسيهم. كانت المناسبات تجمعنا، وكان الحضور جزءًا من المشاعر.
أما اليوم، فأصبح من السهل أن نختصر كثيرًا من مشاعرنا في شاشة؛ «ألف مبروك» في تعليق، و«البقاء لله» في رسالة، وقلب صغير بدل مكالمة أو زيارة.
أصبحنا نعرف أخبار من لا نعرفهم، ونرى صور من لم نلتقِ بهم، ونتابع تفاصيل حياة أشخاص ربما لا يعرفون أسماءنا… بينما قد يمر أقرب الناس إلينا كل يوم، ولا نسألهم: كيف حالكم حقًا؟
أصبحنا نعرف تفاصيل حياة الناس، لكننا لا نعرف بالضرورة أحوال قلوبهم.
نعرف من سافر، ومن تزوج، ومن نجح، ومن ذهب إلى مكان جميل، لكن ماذا عن الذي يضحك في كل صوره وهو في داخله مثقل؟ وماذا عن الأم التي تنتظر أبناءها، والأب الذي لا يقول إنه يشتاق إليهم، والصديق الذي يحتاج إلى مكالمة لكنه لا يطلبها؟
هناك مشاعر كثيرة لا تُنشر، وأوجاع لا يملك أصحابها شجاعة الكتابة عنها.
حتى لحظاتنا الجميلة لم تعد تسلم من الشاشات. نذهب إلى مكان جميل، فننشغل بتصويره أكثر من النظر إليه، ونلتقي بأشخاص نحبهم، فنفكر في الصورة قبل أن نفكر في اللحظة.
انشغلنا بتصوير الحياة حتى نسينا أن نعيشها.
وأتذكر أمي، رحمها الله، عندما كنا نذهب إليها يوم الجمعة، وكانت تقول لنا:
«سيبوا الموبايلات بعيد وتعالوا نقعد على المائدة، علشان نعرف نستمتع ببعض.»
كانت تعرف ببساطتها أن التواصل الحقيقي يحتاج إلى حضور وانتباه؛ أن نلاحظ من نحب، وأن نسأل عن الغائب، وأن نشعر بالآخر دون أن يطلب منا ذلك.
لسنا بحاجة إلى أن نترك التكنولوجيا، وإنما إلى أن نعيد للإنسان مكانه وسط كل هذه الشاشات. أن نرفع أعيننا عنها قليلًا، ونمنح من نحب وقتًا حقيقيًا، وسؤالًا صادقًا، وحضورًا لا تختصره رسالة.
فليست كل مشاعرنا بحاجة إلى (إعجاب )،ولا كل أحزاننا إلى تعليق؛ بعضها لا يداويه إلا قلب حاضر، ويد تمتد، ووجه يقول لنا: أنا هنا.



