
الأنسولين.. هل يكسر التبعية!
هل تتحول صناعة الأنسولين في مصر من بديل محلي إلى خطوة حقيقية نحو الإكتفاء الدوائي!؟
..
لم يعد الأنسولين في مصر مجرد دواء يُوضع على رفوف الصيدليات ولا منتجًا تتنافس عليه الشركات ولا رقمًا آخر في فاتورة الاستيراد.
فالأنسولين اليوم يقف عند نقطة أكثر حساسية بكثير عند نقطة تتقاطع فيها صحة المواطن مع الاقتصاد والصناعة مع الأمن القومي، والدواء مع سيادة الدولة .
فحين تستطيع دولة أن تنتج علاجًا يحتاج إليه ملايين المرضى فإنها لا تصنع دواءً فقط، وإنما تبني جزءًا من قدرتها على حماية مواطنيها من تقلبات الأسواق العالمية، واضطرابات سلاسل الإمداد وضغوط العملة الأجنبية.
ومن هنا يمكن فهم الجدل الذي أثارته تصريحات وزير الصحة والسكان الدكتور خالد عبدالغفار بشأن توافر الأنسولين المحلي والاتجاه إلى عدم استيراد منتج تجاري بعينه إذا كان هناك بديل محلي مماثل ومسجل مع إتاحة المستورد لمن يحتاجه على نفقته الخاصة وفق الضوابط المنظمة.
فقد يقرأ البعض هذا القرار باعتباره إجراءً اقتصاديًا لتقليل فاتورة الاستيراد، لكن القضية أعمق من ذلك.
إنها محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين المنتج المصري والسوق المصرية.
والسؤال ليس فقط: «لماذا نمنع المستورد؟»
بل السؤال الأكثر منطقية هو: إذا كان لدينا منتج محلي معتمد وفعال وآمن وقادر على تلبية الاحتياج، فلماذا تستمر الدولة في إنفاق العملة الأجنبية لاستيراد منتج يمكن إنتاجه داخل مصر
إن دعم التصنيع المحلي في هذه الحالة ليس مجرد شعار وطني وإنما قرار اقتصادي واستراتيجي يستحق التأييد.
فكل منتج دوائي يمكن تصنيعه محليًا يعني تقليلًا للاعتماد على الخارج وتوفيرًا للنقد الأجنبي ودعمًا للاستثمار والصناعة،
وخلقًا لفرص العمل والأهم من ذلك هو بناء قدرة إنتاجية يمكن للدولة الاعتماد عليها وقت الأزمات.
لكن تأييد التصنيع المحلي لا يعني أن نضع المريض في مواجهة الاقتصاد.
وهنا تبدأ المساحة التي تحتاج إلى قدر أكبر من الدقة فالدواء لا يحمل جنسية.
وليس المستورد أفضل لمجرد أنه مستورد، وليس المحلي أفضل لمجرد أنه مصري.
المعيار الحقيقي يجب أن يكون فالجودة، والفعالية، والأمان، والتوافر، والرقابة، والملاءمة الطبية للمريض.
والأنسولين تحديدًا ليس دواءً عاديًا يمكن اختزال تقييمه في مقارنة سعرية فهو من المستحضرات الحيوية وتقييمه يحتاج إلى معايير علمية وتنظيمية دقيقة تضمن جودة المستحضر وفعاليته وسلامته.
ومن هنا تأتي أهمية الدور الرقابي لهيئة الدواء المصرية في تسجيل ومراجعة ومتابعة المستحضرات الدوائية والبيولوجية لأن الثقة في الدواء المصري لا تُبنى فقط بإنتاجه وإنما بالعلم والرقابة والنتائج.
كما أن تجربة إنتاج الأنسولين في مصر ليست مجرد حديث نظري عن «التصنيع المحلي»، فقد شهد السوق المصري بالفعل إنتاج مستحضرات أنسولين محلية ضمن شراكات مع شركات عالمية.
إذن فليس من العدل تخويف المواطن من المنتج المصري لمجرد أنه مصري.
لكن في الوقت نفسه، ليس من المقبول اختزال القرار الطبي في عبارة «صنع في مصر» فالعلم هو الحكم والمريض يجب أن يظل في قلب المعادلة.
نعم للتصنيع المحلي ولكن ليس على حساب المريض فمن حق الدولة أن تحافظ على مواردها من النقد الأجنبي ومن حقها أن تمنح الأولوية للصناعة الوطنية عندما يكون المنتج المحلي مماثلًا ومعتمدًا وقادرًا على تلبية الاحتياج.
بل إنني أرى أن دعم التصنيع الدوائي المحلي في مصر ليس خيارًا ترفيهيًا وإنما ضرورة استراتيجية.
فالدولة التي تستورد كل ما تحتاج إليه من دواء تظل معرضة للاهتزاز كلما اهتزت الأسواق العالمية.
أما الدولة التي تمتلك مصانعها وتكنولوجيا إنتاجها ومخزونها ومصادرها المتعددة للمواد الخام وقدرتها على زيادة الإنتاج وقت الأزمات فهي دولة تمتلك هامشًا أكبر من الأمان والاستقلال.
لكن الدعم لا يعني الاحتكار ولا يعني إلغاء المنافسة ولا يعني حماية مصنع بعينه
سحر محسوب
دكتورة بهيئة الإسعاف المصرية


