مؤامرة وهمية عن أعمال مصرفية اعتيادية.. محفظة التجزئة المصرفية لبنك HSBC
بقلم: عبد العزيز الصعيدي
الخبير المصرفي
انتشر على منصات التواصل الإجتماعي منذ عدة أيام منشور احتوي على الكثير من الشحن والتهويل السياسي حول الاتفاقية التي بموجبها يستحوذ “بنك الإمارات دبي ” على قطاع التجزئة المصرفية للأفراد (Retail Banking) التابع لبنك (HSBC) في مصر. و ادعى كاتبه ان الصفقة “هي السطو على أسرار المواطنين” و”ارتهان القرار المالي للدولة”.
وقد اتصل بي عدد من الأصدقاء والمتابعين للاستفسار عن حقيقة هذ البوست …ولخبرتي السابقة بمثل هذه الموضوعات رايت انه من المفيد ان اضع تحت نظر حضراتكم بعض المعلومات الهامة حول هذا الموضوع و لكن، وبمنطق السوق والأرقام وآليات العمل المصرفي المستقرة محليًا وعالمياً وليس بمنطق الشحن
أولاً: استراتيجية HSBC العالمي “إعادة الهيكلة” ليست حدثًا استثنائيًا
فقرار تخارج بنك HSBC من قطاع التجزئة المصرفية في مصر ليس إجراءً سياسيًا موجها لمصر بل هو جزء من استراتيجية عالمية أعلنها البنك منذ سنوات وتعرف (Pivot to Asia)، وتستهدف التركيز على الأسواق الآسيوية الكبرى مثل الصين وقطاعات تمويل الشركات والمؤسسات.
و البنك ينفذ هذه الخطوة بنفس النموذج في عدة أسواق عالمية كبرى، حيث قام بتخفيض أو بيع قطاع الأفراد والتجزئة في الولايات المتحدة، فرنسا، كندا، والأرجنتين. وبالتالي، فإن خروجه من قطاع الأفراد بمصر لا يعني بيئة طاردة أو قرارًا سياسيًا، بل ينفذ رؤية مؤسسية عالمية.
وهذا ما حدث تمامًا عام 2015 عندما أعلن “سيتي بنك” (Citibank) تخارجه من قطاع التجزئة في 11 دولة من بينها مصر لنفس الأسباب الاستراتيجية، واستحوذ البنك التجاري الدولي (CIB) وقتها على محفظة تجزئة سيتي بنك بسلاسة تامة ودون أي هزة في السوق.
ثانيا:-لمن يجهل آليات العمل المصرفي ويهوّل من إجراءات التقييم والفحص، فإن نقل المحافظ أو الاستحواذات هي ممارسات تُعد من أبسط وأعرق الأعراف الاستثمارية المتبعة عالميًا. ومن واقع عملي كمدير للائتمان أثناء صفقة بيع بنك مصر العربي الأفريقي إلى بنك المؤسسة العربية المصرفية (ABC البحريني) في عام 2000، فتقدم للمنافسة على الشراء أربعة بنوك كبرى هي: (بنك كريدي أجريكول الفرنسي، بنك ABC، بنك الكويت الوطني بوفده القادم من إنكلترا، والبنك المصري المتحد).
ولقد كانت تلك الفترة شاقة للغاية ومكثفة عملياً حيث كنت أقضي اليوم بأكمله حتى المساء في اجتماعات ومراجعات مستمرة مع وفود ومندوبي تلك البنوك العالمية والإقليمية. حيث يتم مراجعة جميع ملفات الائتمان إلا أنه وقبل الاطلاع على أي تفاصيل او بيانات قامت البنوك الأربعة المتنافسة بتوقيع اتفاقيات صارمة لسرية البيانات (Non-Disclosure Agreements – NDA)
طبقًا للقواعد التنظيمية المعمول بها. وذلك قبل عمليات الفحص النافي للجهالة (Due Diligence) التي تجري في مثل هذه الصفقات و هي إجراءات فنية واحترافية روتينية تُدار بأعلى درجات الانضباط والحوكمة لحماية أصول المؤسسة وسرية بيانات عملائها، .
ثالثاً: اما عن الادعاء بأن هذه الصفقة تعني “تسليم أسرار العملاء المالية لجهة خارجية” فهو ادعاء باطل من الأساس حيث أن بنك الإمارات دبي – مصر هو مؤسسة مرخصة وتعمل كشركة مساهمة مصرية تخضع بالكامل لقانون الجهاز المصرفي المصري (القانون رقم 194 لسنة 2020) والتعليمات الرقابية للبنك المركزي المصري.وبالتالي فان سرية الحسابات والبيانات محمية بموجب التشريعات المصرية الصارمة، ولا يحق لأي بنك نقل بيانات عملاء محليين خارج النطاق التنظيمي أو استخدامها خارج الأغراض المصرفية المصرح بها.
رابعا:- اما عن وهم الاحتكار وهيكل البنوك في مصر
فان الواقع ينفيه تماما و بالأرقام فالجهاز المصرفي المصري يضم نحو 36 بنك مرخص لها بالعمل، وتتوزع ملكيتها بتنوع يضمن أعلى درجات التنافسية:
البنوك المصرية (الحكومية والخاصة): و تمثل أكثر من 44% من عدد البنوك، وتستحوذ على الحصة الأكبر من الأصول والودائع (مثل البنك الأهلي، بنك مصر، وCIB).
البنوك العربية : و تمثل نحو 39% وتضم بنوكًا إماراتية، قطرية، كويتية، بحرينية، وأردنية ومغربية .
البنوك الأوروبية والأمريكية: و تمثل نحو 17% (مثل كريدي أجريكول، إنتيسا سان باولو/بنك الإسكندرية، وستاندرد تشارترد).
وبالتالي فإن استحواذ بنك على محفظة تجزئة لبنك آخر يزيد من حصته السوقية التشغيلية، ولكنه لا يمنحه أي قدرة احتكار لقوة وتنوع بقية اللاعبين في السوق.
الفرق بين التحليل المالي العلمي والانطباع السياسي العاطفي هو أن الأول يقرأ الصفقات بعين الآليات والممارسة واللوائح والخبرات بينما ينظر الثاني لكل حركة استثمارية باعتبارها “مؤامرة”. والكثير من صفقات التجزئة الاستحواذية جرت وتجري وستجري في مصر والعالم عشرات المرات، وتبقى حماية المودعين واستقرار النظام المالي مرهونة بقوة رقابة البنك المركزي والقوانين المنظمة، لا الشائعات على منصات التواصل.
بقلم: عبد العزيز الصعيدي
الخبير المصرفي



