نص كلمة الأستاذ عبدالصمد اليزيدي رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا أمام لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية

نص كلمة الأستاذ عبدالصمد اليزيدي رئيس المجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا أمام لجنة الولايات المتحدة للحرية الدينية الدولية
السادة أعضاء اللجنة الموقرة،
السيدات والسادة،
يشرفني أن أضع بين أيديكم هذه الشهادة بشأن قضية باتت تفرض نفسها بإلحاح متزايد، غير أنها لا تزال، للأسف، عرضة للإنكار أو التقليل من خطورتها؛ إنها العنصرية المعادية للمسلمين، بما تمثله من تحدٍّ أخلاقي وقانوني وسياسي للمجتمعات الديمقراطية.
إن ما يواجهه المسلمون في ألمانيا اليوم ليس مجرد حالات متفرقة من التمييز أو بعض الممارسات المعزولة على هامش المجتمع، بل هو واقع يومي ملموس، يتجلى في الخطاب العام، وينعكس في بعض السياسات، ويتسرب إلى ممارسات مؤسسات يفترض فيها أن تكون حامية للحقوق والحريات. إنها ظاهرة موثقة علميًا، ومثبتة برصد منظمات المجتمع المدني، وماثلة في تجارب الملايين من المواطنين والمقيمين المسلمين. ومع ذلك، لا يزال هناك من يسعى إلى التهوين منها، أو تبريرها، أو نفي وجودها أصلًا.
وهذا الإنكار ليس مجرد موقف سلبي، بل هو في ذاته مساهمة في تكريس المشكلة وتعميقها.
لقد عرفت ألمانيا في تاريخها الحديث وجوهًا صارخة للعنصرية، بلغت ذروتها المأساوية في الحقبة النازية، حين كانت الكراهية منظومة فكرية وسياسية معلنة، واضحة المعالم، لا يلتبس أمرها على أحد. أما اليوم، فإن العنصرية لم تختفِ، لكنها غيّرت ملامحها وأدواتها؛ إذ انتقلت من هامش المجتمع إلى بعض دوائره المركزية، وأصبحت أقل صخبًا وأكثر تغلغلًا، تتخفى أحيانًا وراء خطابات سياسية، أو تتسلل عبر تصورات نمطية، أو تتجسد في ممارسات مؤسساتية يصعب رصدها لكنها عميقة الأثر.
وقد كشفت السنوات الماضية عن وقائع مقلقة تتعلق بوجود شبكات متطرفة، ومراسلات ذات مضامين عنصرية، وسلوكيات تمييزية داخل بعض الأجهزة الأمنية. وحين يتسلل التحيز إلى مؤسسات الدولة، فإن الأمر لا يعود مجرد خلل اجتماعي، بل يتحول إلى تهديد مباشر لمبدأ سيادة القانون، وإلى مساس خطير بثقة المواطنين في مؤسساتهم.
وما يزيد هذا المشهد تعقيدًا، أن بعض الشخصيات التي ورد ذكرها صراحة في تقارير خبراء مستقلين بوصفها مرتبطة بخطابات أو مواقف معادية للمسلمين، واصلت صعودها إلى مواقع سياسية عليا، بل تقلدت مناصب رسمية رفيعة. ومثل هذه الوقائع تبعث برسائل سلبية عميقة؛ فهي توحي بأن نتائج التقارير المستقلة لا تترتب عليها مساءلة فعلية، وتغذي شعور المتضررين بأن معاناتهم يُعترف بها في الخطاب، لكنها تُهمَل عند الفعل.
الأخطر من ذلك أن العداء للمسلمين بات، في صور متعددة، يحظى بدرجات من القبول الاجتماعي، ويُمرَّر أحيانًا تحت غطاء ما يسمى بـ”نقد الإسلام”، حيث تُقدَّم التعميمات الجائرة، والصور النمطية، والخطابات التي تنزع عن المسلمين إنسانيتهم، في هيئة نقاش فكري مشروع. ومن حيث المبدأ، لا خلاف على أن النقد الرصين جزء من جوهر المجتمعات الحرة؛ غير أن الفارق واضح بين نقدٍ يبتغي الفهم والإصلاح، وخطابٍ يقوم على التعميم والتحريض والإقصاء. وهذه الحدود، للأسف، باتت تُنتهك بشكل متكرر في المجال العام.
كما تتعزز هذه النزعة بخطابات تنكر أصلًا وجود العنصرية المعادية للمسلمين، وتزعم أن الحديث عنها ليس سوى وسيلة لصرف الانتباه عن قضايا التطرف أو الأمن، في محاولة لقلب الحقائق، وتحويل الضحية إلى موضع اتهام، وترسيخ صورة المسلم باعتباره محل شبهة جماعية. وهذه سرديات خطيرة، لأنها تشرعن التمييز وتؤسس له ثقافيًا وسياسيًا.
ومن موقع مسؤوليتي السابقة أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للمسلمين في ألمانيا، خاطبتُ وزارة الداخلية الاتحادية، كما خاطبت وزارات الداخلية في مختلف الولايات الألمانية، داعيًا إلى استحداث منصب مفوّض معني بالحياة الإسلامية ومكافحة التمييز ضد المسلمين، بما يضمن معالجة مؤسساتية لهذه الظاهرة، ويؤكد التزام الدولة بمبدأ المساواة بين مواطنيها. وقد تكررت هذه المطالب مرارًا، لكن دون أن تلقى استجابة عملية حتى اليوم.
وفي الوقت الذي تخصص فيه الدولة مفوضين وهيئات لمعالجة قضايا تخص فئات ومجالات متعددة، يبقى المسلمون، رغم حضورهم المجتمعي ودورهم الوطني، خارج دوائر الاعتراف المؤسسي الكافي. وهذا يطرح أسئلة جوهرية حول عدالة التمثيل، وصدق الالتزام بمبادئ المساواة، ومدى الجدية في مواجهة التمييز حين يكون ضحيته المسلمون.
إن وضع جماعة كاملة تحت طائلة الشبهة، والطعن في كرامتها، والتشكيك في روايتها لمعاناتها، لا يمس المسلمين وحدهم، بل يهدد الأسس التي يقوم عليها النظام الديمقراطي نفسه: كرامة الإنسان، والمساواة أمام القانون، وحرية الدين والمعتقد. فحين تصبح العنصرية أمرًا مألوفًا، تتآكل هذه المبادئ من الداخل.
وتداعيات ذلك تتجاوز حدود الفئة المستهدفة؛ فعندما يشعر الناس بأنهم غير محميين، أو أن العدالة لا تُطبق عليهم بالقدر نفسه، تتراجع الثقة في المؤسسات، ويضعف التماسك المجتمعي، وتصبح الديمقراطية أقل قدرة على صون وحدتها الداخلية.
إن النقاش حول وجود العنصرية المعادية للمسلمين لم يعد مطروحًا؛ فالأدلة أوضح من أن تُنكر، والوقائع أبلغ من أن تُهمَل. والسؤال الحقيقي الذي ينبغي أن نطرحه اليوم هو: إلى متى يستمر التغاضي عنها؟
إن تجاهل هذه الظاهرة لا يفضي إلى اختفائها، بل يمنحها شرعية ضمنية، ويحوّل ما ينبغي أن يُواجَه بحزم إلى أمر مألوف ومتكرر. وألمانيا، كما أوروبا عمومًا، تقف اليوم أمام خيار تاريخي: إما الاستمرار في سياسة الإنكار والتقليل، بما يحمله ذلك من مزيد من الانقسام والظلم، وإما المواجهة الصادقة، الشجاعة، والمسؤولة.
وهذه المواجهة تقتضي إجراءات عملية واضحة: آليات مستقلة للرصد والمتابعة، وتوثيقًا شفافًا للحوادث المعادية للمسلمين، واستراتيجيات ملزمة لمكافحة العنصرية داخل مؤسسات الدولة، والأهم من ذلك كله، الاعتراف الصريح بالعنصرية المعادية للمسلمين بوصفها شكلًا قائمًا بذاته من أشكال الكراهية الجماعية التي تهدد السلم المجتمعي وقيم الديمقراطية.
فالمجتمعات لا تُقاس قوتها بحسن رعايتها للأغلبية، بل بمدى قدرتها على صون حقوق الأقليات، وحماية كرامتها، وضمان مساواتها الكاملة في الحقوق والواجبات.
وشكرًا لكم على حسن الإصغاء والاهتمام.
رابط التسجيل والكلمة باللغة الإنجليزية 👇
https://www.uscirf.gov/events/rising-anti-muslim-hatred-forb-violations-against-muslims-abroad


