الشرق الأوسط أمام اختبار النار قراءة في ندوة اتحاد كتاب مصر حول الحرب الأمريكية على إيران

كتبت – أماني القصاص:
حين تتصاعد الحروب في الشرق الأوسط لا تبقى حدودها عند خرائط القتال بل تمتد آثارها إلى السياسة والاقتصاد ووعي الشعوب نفسها فكل مواجهة كبرى في هذه المنطقة تحمل في طياتها احتمالات إعادة رسم موازين القوة وفتح أبواب اضطراب جديد ولهذا لم يكن النقاش حول الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران مجرد متابعة للأحداث بل محاولة لفهم لحظة إقليمية دقيقة تقف فيها المنطقة أمام اختبار تاريخي جديد
في هذا السياق أقامت لجنة التنمية الثقافية بالنقابة العامة لاتحاد كتاب مصر مساء الأحد 15 مارس 2026 الموافق 25 رمضان ندوة بعنوان تطور العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران والتداعيات وذلك بمقر النقابة العامة لاتحاد كتاب مصر بحضور عدد من المثقفين والمهتمين بالشأن العام واستضافت الندوة الدكتور اللواء محمد عبد الواحد مستشار الأمن القومي والعلاقات الدولية والدكتور مدحت حماد أستاذ الدراسات الإيرانية بجامعة طنطا وأدارها الدكتور جمال زهران رئيس لجنة التنمية الثقافية
في كلمته الافتتاحية أكد الدكتور جمال زهران أن ما يجري في المنطقة لم يعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة بل تحول إلى صراع مفتوح على موازين القوة والنفوذ في الشرق الأوسط موضحا أن التصعيد بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى يعكس محاولة لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية في لحظة دولية شديدة الاضطراب وأضاف أن أخطر ما في هذه اللحظة ليس فقط اتساع العمليات العسكرية بل احتمالات انزلاق المنطقة إلى دائرة صراع أوسع يصعب التحكم في نتائجه
وأشار زهران إلى أن مصر تنظر إلى هذه التطورات من منظور الدولة التي تدرك قيمة الاستقرار وأهمية الحفاظ على توازن المنطقة لأن اتساع الحرب لن يهدد طرفا واحدا بل سيمتد أثره إلى الاقتصاد والأمن في الشرق الأوسط كله مؤكدا أن الحلول السياسية والدبلوماسية تظل الطريق الأكثر عقلانية لتجنب انزلاق الإقليم إلى مرحلة جديدة من الفوضى
وفي سياق حديثه شدد زهران على ضرورة تصحيح المفاهيم في الخطاب السياسي والإعلامي مؤكدا أن المقاومة ليست عدوانا بل رد طبيعي على العدوان ومحاولة لحماية الأرض والكرامة الوطنية فالتاريخ الإنساني يثبت أن الشعوب حين تتعرض للاعتداء لا تملك ترف الصمت بل تلجأ إلى المقاومة باعتبارها حقا مشروعا للدفاع عن السيادة وأضاف أن تصوير المقاومة باعتبارها مصدر العنف هو قلب للحقيقة لأن أصل الصراع هو العدوان أما المقاومة فهي محاولة لرده واستعادة التوازن
من جانبه قدم الدكتور اللواء محمد عبد الواحد قراءة استراتيجية لطبيعة الصراع الجاري موضحا أن الحروب المعاصرة لم تعد تعتمد فقط على المواجهة العسكرية التقليدية بل أصبحت تقوم على منظومة أوسع تشمل الضربات الدقيقة والحرب الاقتصادية والضغط الإعلامي والنفسي وهو ما يجعل الصراع أكثر تعقيدا وأطول أمدا
وأشار إلى أن المواجهة الحالية تعكس صراعا على ميزان الردع في الشرق الأوسط فكل طرف يسعى إلى إثبات قدرته على فرض معادلة جديدة دون الانزلاق إلى حرب شاملة قد يصعب احتواؤها وأضاف أن اتساع نطاق العمليات بالقرب من الممرات البحرية ومناطق الطاقة يجعل تداعيات الحرب تمتد إلى الاقتصاد العالمي وأسواق النفط وحركة التجارة الدولية

وأكد عبد الواحد أن مصر بحكم موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في المنطقة تتعامل مع هذه التطورات بدرجة عالية من الحذر الاستراتيجي فاستقرار الشرق الأوسط يمثل جزءا أساسيا من أمنها القومي ولهذا فإن سياستها تقوم على الدعوة إلى خفض التصعيد وتجنب اتساع دائرة الحرب مع الحفاظ في الوقت نفسه على توازنات المنطقة
أما الدكتور مدحت حماد فقد قدم قراءة متعمقة لطبيعة التفكير السياسي الإيراني موضحا أن فهم ردود الفعل الإيرانية يتطلب إدراك البنية الفكرية التي تحكم القرار في طهران حيث يقوم هذا التفكير على مفهوم الصبر الاستراتيجي والقدرة على امتصاص الضربات ثم الرد بطريقة تحافظ على هيبة الدولة وتوازن الردع
وأشار حماد إلى أن إيران تنظر إلى المواجهة الحالية باعتبارها اختبارا لإرادتها السياسية وليس مجرد صراع عسكري عابر ولذلك تسعى إلى استخدام أدوات متعددة للردع تتجاوز المواجهة المباشرة إلى الضغط غير المباشر في أكثر من ساحة إقليمية وهو ما يجعل الأزمة قابلة للاستمرار لفترة أطول إذا لم تتوافر إرادة دولية حقيقية لاحتواء التصعيد
وشهدت الندوة نقاشا واسعا بين الحضور والمتحدثين حول احتمالات تطور الحرب وتأثيراتها على المنطقة حيث أكد المشاركون أن استمرار التصعيد قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر اضطرابا في الشرق الأوسط خصوصا في ظل التوترات المتصاعدة في أكثر من ساحة إقليمية كما جرى الحديث عن التأثيرات الاقتصادية للحرب على أسواق الطاقة والتجارة العالمية وما يمكن أن يترتب عليها من ضغوط إضافية على اقتصادات المنطقة
وقد أجمع المتحدثون على أن اللحظة الراهنة تفرض على الدول العربية قدرا أكبر من الوعي الاستراتيجي فالصراعات الكبرى لا تتوقف عند حدود الجغرافيا بل تمتد آثارها إلى السياسة والاقتصاد والمجتمع وهو ما يجعل حماية الاستقرار الإقليمي مسؤولية مشتركة لا يمكن تجاهلها
وفي ختام الندوة بدا واضحا أن الشرق الأوسط يقف اليوم عند مفترق طريق صعب فالحروب قد تبدأ بضربة عسكرية لكنها سرعان ما تتحول إلى زلازل سياسية تعيد تشكيل خرائط المنطقة كلها ولهذا يبقى السؤال الأكثر إلحاحا ليس من يملك القوة لإشعال الحرب بل من يملك الحكمة لإيقافها لأن التاريخ يعلمنا أن النار حين تمتد في هذه المنطقة لا تحرق حدودا بعينها بل تمس الجميع.





