في الستين الأولى
في بيتهم المضيء
في قرية في الجنوب
في البر الغربي يسير بين الجراء
ولا يتذكر شيئا
يسطو على نخل الآخرين
إذا جاع
وفي آخر الليل ينسى كل مسراته
وحين يلتهم البرد أطرافه
يتذكر أن أحدهم نصحه بالصلاة
****
الآن
حين يفتح النافذة
لا يجد وجهه في الزجاج
ولا يسمع صوته وهو يضحك
كان البيت مضيء بغيابه
وكأن الجنوب هو الذي يسكنه
***
كان يظن أن الضوء سيكفيه
أن بيتًا صغيرًا في الشمال
يمكن أن يربّي الهدوء كما تُربّى الجراء
وفي كل مساءٍ، حين يهدأ الهواء
وتخفت أصوات الحقول
يسمع في صدره خشخشةً غريبة
كأن شيئًا يتداعى ببطءٍ لا يُسمع
أهو الحنين أم الفراغ؟
يعرف أنه لم يعد يقدر على الفرح
دون أن يعتذر له بعد ذلك
حتى النخل الذي تسلقه واحتفظ برائحته تحت جلده
لم يثمر في يديه
كأن الأرض لا تعرف أنه أحبها حقًا
***
يشعر الآن أن الزمن لا يمرّ
بل ينام حوله ككلبٍ عجوزٍ فقد الرغبة في الحراسة
الأيام تتكرّر بالوجوه نفسها، والليلُ يجيء دون أن يعتذر
يظنّ أن الموت ليس حدثًا بعيدًا
بل عادة صغيرة بدأت منذ زمن
حين توقّف عن الحلم
و حين نسي أسماء الذين أحبّهم
يضع يده على صدره فيسمع الخفقان كصوت آلةٍ قديمةٍ
ما زالت تعمل بحكم العادة فقط
ويفكّر: هل هذه الحياة التي أردتُها
أم مجرد صدى لحياةٍ أرادها شخصٌ يشبهني؟
***
حين يستيقظ قبل الفجر بقليل
يسمع في قلبه حركةً خفيفة
كأنّ أحدًا يجرّب أن يتذكّره
كجذرٍ نجا من النار مصادفة
يحاول أن يتنفّس في التراب البارد
يتذكر النخل
والجراء
والبيت المضيء
ثم يفكر ببطء:
ربما لم يكن ذلك كله
إلاّ طريقة أنيقة للغياب


