بسمة مرواني تكتب: المثقف ودور البطل الاشكالي في زمن الديستوبيا
في هذه المرحلة التاريخية بتحولاتها الانتقالية التي يُطلق عليها تحولات الهيمنة، والتي تزيد فيها وتيرة الاستبداد واغتيال الإنسانية وانتهاك حقوق الإنسان والتستر على كذبة الديمقراطية، كما يَنطق به الواقع في العديد من الدول العربية والغربية، صار صوت المثقف ضرورة مُلحة صارخة ليُساهم في التغييرات من موقعه.
ولانعدام مفاعيل زمن القيمة، في زمن الديستوبيا وما حملت من تجليات الرداءة والتقصير في مراكز الخبرة وغياب أصحاب العقول النيّرة الممتلئة وعيًا الذين اختاروا أو اضطروا للانعزال مع ذواتهم في صمتهم وعذاباتهم، من فُرجة حد اليأس ممن لا يفهمونهم… المثقف صار تحت إمرة من لم يُجرّب ومَن تنقصه الخبرة، وهو عذابه تمامًا كعذاب العالم بوضع العلم في يد الجاهل، فحضوره استوى مع غيابه الممنهج والمقصود، أو كالجندي المنزوع السلاح. إن وُجد، فمشاركته في الندوات واللقاءات الأدبية أو الشعرية – والتي دورها مهم جدًا لأن الكلمة كالرصاص طلقة في وجه العدو وقادرة على التغيير – هو أيضًا تقزيم لقيمته لمشاركته في فضاءات تُدار بمن لا خبرة ولا ثقافة.
أين صوت المثقف الحقيقي المُناط به أن يُنظِّر ويُقاوم ليس من خلال برجه العاجي، ولا من تأمله المجرّد المُنْفَصِل عن الواقع؟ غاب دوره المنتظر منه، نحتاج دوره في توجيه رسالته الإصلاحية التوجيهية المقاوِمة لكل عطب هوياتي، نحتاج المثقف الذي له سلطته الأدبية والأخلاقية، الذي يحافظ على استقلاليته، ويتحلّى بإدراكه لقيمة نفسه، وعزّته بانتمائه الوطني، ويُحسِّس ويُوعّي بأن للإنسان كرامته وحقوقه في كل زمان ومكان.
فالذي يغير مفهوم السياسة هو المثقف، الذي يغير تصوراتنا الاجتماعية المثقف، الذي يبدل نظرتنا للعلم هو المثقف، الذي يعيد بناء رؤيتنا للدين هو المثقف، الذي يعزّز من أداة العقل لدينا المثقف، الذي يبني فلسفة جديدة للاقتصاد المثقف، الذي يؤكد مفهوم التسامح والتعددية المثقف، الذي يعمل جدلاً مع الواقع والفكرة المثقف، الذي يدعو إلى مفاهيم إنسانية لا محدودة المثقف، الذي يحافظ على المنجزات الحضارية والثقافية ويرشدك لكي تستخدم عقلك وملكّاتك الفكرية المثقف، الذي يقدم لك مفاهيم جديدة للحرية والخصوصية ومعرفة الحدود وإدراك الكرامة وإدراك كيفية الحفاظ عليها، التي نراها تُنْزَع من قاموسنا الأخلاقي… هذا ما نحتاجه من المثقف وأن يلوح في أحلامه أيضًا غُيوم من أمنيات قد تَئِنُّ في الانتظار في قادم الأيام، لعله يَدُسُّ في كلماته حضوره الفعلي، ولتَنْدَسَّ من رصانته مسارات باستقامة إلى الدروب التي لا تتعرّج. هل غاب فعلًا المثقف وصار بطلاً إشكاليًا ناظرًا إلى ما يحاصره من تأزّم وحيرة يغوص فيها، في مجتمع يعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية أو اجتماعية، حتى غُيِّب دوره، فصار يعيش بدوره الصراع والضياع وسلّم كما يُسلِّم الإنسان البسيط مقْدرته ووعيه؟
بسمة مرواني
شاعرة وكاتبة تونسية




