رأيفن وثقافات

ناديا عبدالله كعوَش تكتب” النصوص العظيمة… كائنات ناقصة لكنها خالدة!

غالبًا ما يعتقد البعض أن النصوص الأدبية الجيدة نصوص خالية من العيوب، لا خلل فيها ولا زلل، وهذا وهمٌ شائع؛ فالحقيقة أن النص الكامل لا وجود له على الإطلاق، بل إن أي عمل أدبي مهما بلغ من النضج والجمال يظل عرضة للقصور في بعض جوانبه. إن التقييم الأدبي لا يقوم على ملاحقة الكمال المطلق، بل على قياس قدرة النص على التأثير في قارئه، وعلى براعة الكاتب في توظيف خصائصه وعناصره وتقنياته بما يجعل العمل حيّا ومقنعا ح للتأمل والنقاش.

النصوص الأدبية تشبه الإنسان؛ قد لا يكون شكله مثاليا في المظهر، لكن صوته قد يكون عذبا، وأفكاره تنبض بالحياة، وعشرته تكشف عن عمق وجداني يستحق التقدير. على هذا النحو، فإن النصوص العظيمة قد تحمل في ثناياها بعض الهنات، ولكن هذه العيوب لا تنال من قيمتها بقدر ما تمنحها ملمحًا إنسانيًا يجعلها أقرب إلى روح القارئ.

خذ على سبيل المثال رواية “مدام بوفاري” لفلوبير، التي عُدّت إحدى أعمدة الواقعية في القرن التاسع عشر، لا شك أن بعض النقاد أشاروا إلى إطالة الوصف أو رتابة السرد في مواضع بعينها، لكن الرواية بقيت خالدة بفضل قدرتها على تعرية المجتمع البرجوازي، وتجسيد مأساة امرأة تحلم بالحب والحرية ثم تنكسر تحت وطأة الواقع. هنا، تفوّقت قوة الفكرة وعمق الشخصيات على أي مواطن ضعف أسلوبية.

ومثال آخر نجده في رواية “الحرب والسلم” لتولستوي، هذا العمل الموسوعي لم يَسلم من ملاحظات النقاد حول التطويل وكثرة الشخصيات وتشعب التفاصيل، غير أن الرواية فرضت نفسها كتحفة إنسانية كبرى، لأنها لم تُروِ قصة الحرب فحسب، بل أعادت تشكيل صورة روسيا كلها في مرحلة مصيرية، وطرحت رؤية فلسفية عن التاريخ والحياة والموت. بهذا المعنى، عاشت الرواية لأنها أثرت في الوجدان الجمعي، لا لأنها نص كامل.

بل حتى في الرواية الحديثة، نجد مثلا “مئة عام من العزلة” لغابرييل غارسيا ماركيز التي اعتبرها النقاد علامة فارقة في الواقعية السحرية؛ بعض القراء رأوا أن كثافة الرموز وتشابك الأجيال يربك المتلقي، لكن الرواية تظل عملاً عظيما لأنها منحت العالم أسطورة أدبية فريدة وابتكرت طريقة جديدة لرواية التاريخ الجمعي لأمّة عبر حكاية عائلة.

ولا نبتعد عن هذا المفهوم إذا تذكرنا رواية “الأخوة كارامازوف” لدوستويفسكي؛ صحيح أن طول الحوارات الفلسفية أثار استغراب بعض القراء، لكن من ذا الذي يستطيع أن ينكر الأثر النفسي والوجودي الذي تركته الرواية على أجيال متعاقبة، حتى أصبحت مرجعا لفهم صراعات الروح البشرية.

هذه الأمثلة تكشف أن النص الأدبي الممتاز ليس النص الذي يحقق الكمال الشكلي، بل هو النص الذي يمتلك القدرة على الصمود أمام الزمن وإثارة الأسئلة الكبرى وفتح نوافذ جديدة لفهم الإنسان. إن قوة النصوص العظيمة تكمن في توازنها الداخلي؛ حيث تطغى براعة السرد وعمق الفكرة وجمال الأسلوب على مواطن الضعف.

يمكننا إذن أن نقول إن العمل الأدبي الممتاز ليس بالضرورة عملا كاملا، بل هو ذلك النص الذي يجمع بين الإبداع الفني والقدرة على تحريك الوجدان، مهما حمل من هنات أو عيوب، فالأدب في النهاية ليس معادلة رياضية لكنه مرآة لروح الإنسان، ولأن الإنسان نفسه غير كامل، كان طبيعيا أن تأتي أعظم النصوص الأدبية مشوبة بنقصها الإنساني، لكنها تظل رغم ذلك خالدة وتستحق القراءة.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى