عن الموت الذي يسكن الروايات، القلق الذي يبعثه ويحرض ويدفع على الكتابة، عن الموت الصاخب الذي يتجاوز أن يكون مجرد جثة على سطح الورق، والذي ينجو من النسيان ويركض بين صفحات الروايات عن الموت وتفاصيله ما بين الواقع والتخييل تحدثنا الكاتبة الروائية رباب كساب.
قالت الكاتبة الروائية رباب كساب الموت: ذلك الهول الكبير الذي لا أجيد استقباله، إن جاء فجأة أو جاء بمقدمات، لحظة أقف أمامها بلا حراك أو رد فعل فوري لفترة من الزمن تطول أو تقصر، لا أعرف ماذا يحددها، أو متى تمر إلى عقلي وقلبي فتنتزع دمعه، كلما واجهني عن قرب أجد عقلي وقد أقام حائلًا ضخمًا بيني وبينه، حتى تأتي لحظة الاستيعاب وتجلي الفقد في صورته البشعة، تأتي اللحظة بعد أن تصمت أصوات من حولك، بعد أن تغلق عليك الأبواب، وتضمك الحوائط فيصدمك الصمت والذكرى، فتكتشف أنه أخذ منك عزيزًا.
رباب كساب: جاء موت أبي ليجعل كل موت بعده كأنه لا شيئ
أضافت: عرفته صغيرة لقد ظل يحصد في أفراد عائلتي واحدًا وراء أخر، ورأيت انطفاء لمعة عين أبي وحزن مقيم لم يبرح قلبه حين فقد ابن أخته طالب الثانوية العامة، كنت صغيرة جدًا لكنني عرفت وأدركت فعل الموت وأدركت كيف يقتل نفوس الأحياء بعدما يحصد أرواح الموتى.
وقالت: لأيام لم أستعب أن جدتي ذهبت كنت واعية كفاية لأعرف أنها ماتت لكنني لم أدرك الفقد والحسرة، لم أذرف الدمع يومها، ثم انهارت مقاومتي بعد أيام، ثم جاء موت أبي ليجعل كل موت بعده كأنه لا شيء، لقد أخذ أبي معه كل الحزن حتى لم يعد لدي ما أحزن به على غيره، وتبدلت أنا منذ ذلك اليوم.
وواصلت: الموت لدى أبطالي يعني فقدان حائط الصد الذي يستندون إليه، فيجعلهم يترنحون قليلًا، يفقدون الأمان فرضوى في فستان فرح كانت وحيدة بعد موت أبويها في مواجهة طليق بخيل يقترعليها وعلى بناته، والموت جعل هند تواجه الدنيا بثوب رجل فذهبت أنوثتها لتكون في الشارع فلا يطمع فيها أهل الشارع، وموت شاب بين يديها في الشارع جعلها تنتفض صارخة مع الثائرين، فما ذنب الشاب وما ذنب أمه؟
“لعبة النوافذ”.. بطلتها ظنت أن الموت أخذ كل من أحبتهم
واستطردت صاحبة “لعبة النوافذ”: في لعبة النوافذ كانت سماء تظن أن الموت يأخذ منها كل من أحبتهم، الموت جعلها يتيمة بلا أحد حتى وإن أغدق عليها عمها محبته فلم يكن هو وزوجته أمها وأبيها، لكن بهجت الكومي الذي أخذ الموت أهله واحدًا وراء أخر كان يحول الفقد لعمل، كلما أوجعه الموت وترك ندبة في نفسه حولها لعمل يدر مالًا عظيمًا حتى ظن الناس أن لا قلب له، لا أحد يعرف أنه كان يتحداه ويتحدى ألمه ووجعه ويغرق في العمل حتى لا يقتله الألم، جميعهم مني وأنا أتجاهل فعل الموت أعامله كعدو فلا أدعه يهزمني.
وختمت صاحبة “فستان فرح”: قبل شهور قليلة رحلت أمي لكنني كنت وصلت لعمر ولقناعة أهلتني لأن أعتبره نجاة من الألم ومذلة انهيار الجسد، فتقبلت وجوده كرحمة إلهية تعين على ألم الفقد المر، ولا أعرف مع التقدم في العمر ماذا سيعلمني الموت ولا أعرف هل ستتغير طريقة مواجهتي له؟.


