أخبار تهمكالرئيسيةخدماتفن وثقافات

الفن الإسلامي من غرناطة للمحروسة.. ندوة بالجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية

نظّمت الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية بالشراكة مع المنتدى الثقافي العربي الإسباني، والمؤسسة الدولية للثقافة والفنون، وتحت رعاية رابطة الجامعات الإسلامية، احتفالية ثقافية عبر منصة “زووم”، تحت عنوان “الفن الإسلامي”؛ وذلك بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للفن الإسلامي، والذي يوافق يوم 18 نوفمبر من كل عام.

في بداية إدارته للندوة، تحدث الأستاذ الدكتور إبراهيم بدوي، رئيس المجلس التنفيذي للجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية عن قيمة وجمالية الفن الإسلامي، الذي استقى مبادئه من روح الشرع الإسلامي، حيث استطاع الفنان المسلم أن يُطوّع أدواته الزخرفية والمعمارية لبناء الصروح والعمائر الإسلامية التي لازلنا نختال ونفخر بها بين الأمم.
وأكد أن الفن الإسلامي هو نتاج تلك الحضارة الإسلامية التي تواصلت مع حضارات الشعوب الأخرى التي وصلها الفتح الإسلامي أو احتك بها، فأخذوا منها ما يتوافق مع تعاليم الدين، وتركوا ما لا يتفق معها أو ما تأنفه أذواقهم، وصقلوه بما أبدعته أياديهم من فنون الخط العربي والزخارف النباتية والهندسية؛ ليصبح الفن الإسلامي فن قائم بذاته له سماته الخاصة التي تميزه عن سائر أنماط الفنون الأخرى، ولا يزال قادرًا على التأثير حتى يومنا هذا.
حاضر في الاحتفالية، المستعرب الإسباني الكبير الأستاذ الدكتور خوسيه ميجيل بويرتا، أستاذ كرسي مختص في الفن الإسلامي والأندلسي في جامعة غرناطة، وعضو الأكاديمية الملكية للفنون الجميلة بغرناطة، وذلك بمحاضرة تحت عنوان “البناء الشعري والخطي لقصور الحمراء بغرناطة”، أكد خلالها على أن قصر الحمراء في غرناطة، يمثل درة الفن الإسلامي في الأندلس، وقد وصفه بالمتحف الكتاب، حيث نُقشت جدرانه وتزينت بالآيات القرآنية والأبيات الشعرية والحكم، بل وبالأغاني الشعبية الغرناطية.
وأكد بويرتا أن القصر الذي شهد حكم آخر دول الإسلام في الأندلس يدل على أن الفن الإسلامي بتفاصيله التي أودعها الفنان المسلم ستظل مُلهمة لسائر الفنون في العالم.
وأضاف أن الاهتمام بدراسة نقوش قصر الحمراء بد منذ القرن التاسع عشر وصولاً ليومنا هذا، مؤكدًا أن الخطوط العربية التي زينت جدران القصر بحاجة إلى دراسات متعمقة ورسائل علمية كاملة لكل نوع من هذه الخطوط.

وذكر أن بناة الحمراء استعانوا بعدة عناصر معمارية وزخرفية نباتية وهندسية ليصل إلينا هذا القصر المعجزة بتلك الصورة التي نراه عليها، فنحن كإسبان لازلنا نضرب المثل الذي بلغ من الإتقان مداه بأنه “عمل عربي”، وهذه العبارة صحيحة إذا ما طبقناها على قصور الحمراء.
واستعرض المستعرب الإسباني الكبير مباني قصور الحمراء، مثل برج قمارش، قاعة الأختين، قاعة بني سراج، فناء الرياحين، والحمام النصري، وبهو الأسود، وجنة العريف وغيرها، عارضًا للآيات القرآنية، والقصائد الشعرية التي زينت بها تلك المباني، للشعراء الوزراء أمثال: ابن الجياب، ولسان الدين بن الخطيب، وابن زمرك، فضلاً عن شعار دولة بني نصر بالأندلس “لا غالب إلا الله” مؤكدًا أن التمسك بشعائر وثوابت الدين والحفاظ على الهوية العربية، هو ما دفع سلاطين غرناطة لإثبات تلك النقوش على جدران الحمراء.
أما الأستاذ الدكتور محمد زينهم، أستاذ تاريخ الفن بكليات الفنون ورئيس الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية، فقد شارك بمحاضرة تحت عنوان “ينابيع الفن والجمال في الفكر الإسلامي”، أوضح من خلالها الأصول التي استعان بها الفنان المسلم لإرساء دعائم الفن الإسلامي تحت مظلة الحضارة الإسلامية، وتتمثل هذه الأصول في القرآن الكريم والسنة النبوية المكرمة، حيث أعليا من قيمة الجمال في حياة الإنسان.
وأكد رئيس الجمعية العربية للحضارة والفنون الإسلامية، أن الإسلام دين يحب الجمال ويدعو إليه في كل شي، حيث قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:”إن الله جميل يحب الجمال”، كما أن الفن في حقيقته عمل إبداعي لا يعاديه الإسلام بقدر ما يرغب فيه، غاية ما في الأمر أن الإسلام يقدم المبدأ الأخلاقي على الجمالي، فيجعل الثاني مترتبًا على الأول ومرتبطًا به، وهذا هو موقف الإسلام من جميع أشكال الفنون، وهناك معيار إسلامي للحكم على أي فن معياره يعتمد على قاعدة:”حسنه حسن وقبيحه قبيح”.
وشدد الدكتور زينهم على أن آيات القرآن الكريم دائمًا ما تلفت الأنظار نحو جمال الكون الذي يدل على عظمة خالقه، وما به من تناسق وإبداع وإتقان، وما يتضمنه ذلك من جمال وبهجة وسرور للناظرين، ومن هنا لا يعق أن يرفض الإسلام الفن إذا كان جميلاً، وهذا القول يرد عى مزاعم البعض ممن أدعوا عدم وجود الفن الإسلامي، معتبرين ما وصل إلينا من عمائر ذات نقوش زخرفية رائعة لا تعدو حرفة امتهنها بعض الموهوبين.
وحول السمات التي تفرد بها الفن الإسلامي، أكد الدكتور زينهم أنه يقوم على الروحانية، فمن يرى نقوش المحاريب في المساجد على سبيل المثال يجد أن الفنان المسلم استخدم الزخارف النباتية والهندسية، بحيث يجعل من يراها يرتقي في معراج روحي إلى الله خلال الصلاة، فمن يصلي يقف حقيقية بين يدي الله، هذه الرسائل هي التي جعلت الفن الإسلامي فريدًا بين غيره من الفنون، وأنه طبق جانبان من الجمال، هو الجمال الحسي والمعنوي، وتلك من تجليات عظمة ذلك الفن.
وذكر إن الجمال الذي ينشده الفن هو قيمة سامية تضاف إلى قيم الحق والخير، وهذه من الأسس التي صارت فيما بعد أساس الينابيع الفكرية للفن الإسلامي، لقد حاول الفنان المسلم استلهام عناصر الكون جمعاء في الوصول إلى رالته، فمن يتأمل الأطباق النجمية على سبيل المثال على العمائر الإسلامية، يجد أن الفنان قد استلهمها من خلال مراقبته لحركة الفلك والنجوم والأجرام السماوية، القبة على سبيل المثال أشبه بالسماء التي تظلل المسجد، وقد ادرك الفنان أنها بحاجة إلى وظائف مختلفة كالتهوية مثلاً فأوجد الملاقف لدخول الهواء، والمضاوي لنفاذ الضوء، والمقرنصات وحنايا الأسقف لأغراض جمالية، والشكل المستطيل الذي يمثل المسجد وتحيطه القبة يؤمن وصول صوت المؤذن والإمام إلى المصلين.. إنها شبكة معقدة من التفاصيل الفنية التي قاام الفنان بمراعاتها خلا التصميم.
لقد تخطى الفنان المسلم معضلة التشبيه والتصوير والتجسيم عبر تفننه في الخط العربي، الذي وصل أنواعه إلى 22 نوعا، إلى جانب الزخارف النباتية ولهندسية التي أضفت جمالية أكثر لتلك الخطوط، وظهر ذلك في العديد من الشرائط الكتابية المنقوشة على جدران المساجد والقصور وغيرها من العمائر فضلاً عن التحف والمنتجات بأنواعها.
من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور عبد الوهاب التونسي، رئيس المنتدى الثقافي العربي الإسباني، أن الحضارة الإسلامية تركت للعالم العديد من عوامل التأثير، ويقف الفن الإسلامي بجماليته على رأس تلك العوامل المؤثرة والمُلهمة في آن واحد، لكن يبقى للفن الأندلسى موضعه المميز بين سائر الفنون الإسلامية، ولا أدل على هذا من أن قصر الحمراء في غرناطة، وهو هرم العمارة الأندلسية بلا منازع، يعد أكثر مناطق الجذب السياحي في إسبانيا؛ إذ يقصده قُرابة مليوني زائر سنويًا.
وأضاف أن إسبانيا كانت ولا زالت تمتلك الكثير والكثير من الإرث المادي واللامادي، كما أن الإسبان المعاصرين ليدهم الحب والشغف الكبير بهذا الإرث الأندلسي ذو الجذور العربية والإسلامية، والدليل على ذلك أنك حين تلتقي بإسباني فأنه يشاركك كعربي هذا التقاسم بالإرث الحضاري الذي خلفه الأجداد في فردوس المسلمين المفقود.
شارك في الندوة نخبة كبيرة من أساتذة الفنون والآثار وأعضاء هيئات التدريس بالجامعات المصرية والإسلامية في كل من مصر، والمغرب، والجزائر وليبيا، واليمن وإسبانيا، وكان من بين الحضور الأستاذ الدكتور أشرف هاشم عميد المعهد العالي للمنسوجات الأسبق والأستاذ بجامعة المنوفية، والأستاذ الدكتور على الطايش أستاذ الآثار والفنون الإسلامية بكلية الآثار جامعة القاهرة، والأستاذ الدكتور غيلان حمود مساعد عميد كلية الآداب وأستاذ الآثار والفنون الإسلامية بجامعة صنعاء، والأستاذ الدكتور محمود عبد الله أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة نوبتجن الألمانية، والأستاذ أحمد عادل المشرف على قسم ذاكرة التاريخ بوابة الأهرام الإلكترونية.

ماما

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى